(ان على حكومة الولايات المتحدة التي غالبا ما تصور نفسها على أنها المدافع الاول عن حقوق الانسان اتخاذ اجراءات جدية لضمان احترام المعايير الدولية داخل الولايات المتحدة نفسها) .من صاحب هذه الملاحظة بالغة الصراحة الى درجة القسوة الموضوعية؟ هل هي كوبا ام الصين ام ليبيا ام العراق ام كوريا الشمالية.. ام اية جهة اخرى تصنفها واشنطن كعدو لدود؟ الملاحظة صادرة عن اخر جهة يمكن للولايات المتحدة ان تتهمها بأي نوع من التحيز ضد القوة العظمى الغربية الاولى. هذه الجهة هي (منظمة العفو الدولية) , اكبر وأشهر هيئة غربية غير حكومية تهتم بقضايا حقوق الانسان على المستوى العالمي. لقد جاءت هذه الملاحظة القوية في بيان للمنظمة نشر الاسبوع الماضي في جنيف. وخلاصة البيان ان الحكومة الامريكية لا تملك اوراق الاعتماد اللازمة لتنصيب نفسها وصيا على اوضاع حقوق الانسان في بلدان العالم. ولكي تؤهل نفسها لهذه المكانة العالمية فان عليها ان تبدأ اولا بتنظيف بيتها. وعلى هذا النحو فان بيان (منظمة العفو الدولية) بشأن ما يجري من ممارسات قبيحة تتعلق بأوضاع حقوق الانسان في الولايات المتحدة ينطوي على مادة مثيرة بأعلى درجة من الاثارة. من بين هذه الممارسات (السجن الانعزالي للمتهمين في ظروف تقلل اثارة الحواس بالاضافة الى استخدام وسائل وحشية مثل حزام يمرر من خلاله تيار كهربائي) . ولا يمكن ان تواصل قراءة تفاصيل البيان دون ان تتساءل مع نفسك ما اذا كان يتناول (الدولة الديمقراطية الاولى) في العالم ام دولة اخرى متخلفة في مؤخرة الدول المتأخرة. لكن ربما تتنبه من حين لاخر ان الحديث مازال عن امريكا.. وذلك حين تقرأ كيف تسخر التكنولوجيا الحديثة لغايات سافلة. من ذلك مثلا (استخدام الرذاذ الكيميائي للسيطرة على المشتبه بهم) . ويمضي البيان للحديث عن كيفية التعامل الرسمي الامريكي مع طالبي اللجوء بما في ذلك احتجازهم (في ظروف وحشية ومذلة) . كما ان عنف الشرطة الامريكية يستهدف بصورة خاصة الاقليات العرقية التي تشكل 60 في المئة من عدد الموقوفين الذي بلغ مؤخرا مليونين. لقد أشرت في مقال سابق الى صدور كتاب الشهر الماضي من تأليف أستاذ امريكي جامعي متخصص في القانون حول عدم المساواة القانونية في الولايات المتحدة بين الاغنياء والفقراء والبيض والسود. وبيان (منظمة العفو الدولية) يأتي الان ليعضد ما ذهب اليه هذا الاكاديمي المرموق؟ والسؤال الكبير هو: اي مصداقية تتوافر لادعاءات الولايات المتحدة تجاه دول اخرى توجه اليها واشنطن اتهامات بخرق حقوق الانسان؟ في سياق هذا التساؤل يخبرنا بيان (منظمة العفو الدولية) ان الولايات المتحدة لم تصادق على (معاهدة الامم المتحدة ضد التعذيب) عام1994 الا بعد غير قليل من التردد والكثير من التحفظ. وهذا مما يفسر لنا لماذا لا تكترث اجهزة الحكم الامريكي بهذه المعاهدة بحيث صار التعذيب (روتينا) يوميا في معتقلات الشرطة الامريكية؟ واذا كانت الولايات المتحدة مع ذلك تنصب نفسها وصيا على اوضاع حقوق الانسان في العالم بأسره, فلماذا تلقى تأييدا سياسيا في هذا الصدد من دول ضد دول اخرى؟ لماذا تجاري بعض الدول الولايات المتحدة في ادانة دول مثل ليبيا والعراق وكوبا وكوريا الشمالية والصين.. ولا ترفع اصبع الاتهام في وجه أمريكا نفسها؟