تلقيت مؤخرا نسخة من رسالة لطلب التبرعات ارسلتها منظمة يهودية يمينية وكانت المناشدة المذكورة في الرسالة تعتمد على شن هجوم عنيف ضد عدد من قادة الامريكيين العرب الشبان, وكانت الرسالة تحمل مناشدة واضحة تهدف لتحريك المخاوف، لايقاف تقدم الامريكيين العرب وانكار حقهم في المشاركة الكاملة في الحياة السياسية الامريكية. ومثل هذه الهجمات ليست ظاهرة جديدة, بل انها شكلت سمة لتاريخ عملنا في الولايات المتحدة بكامله, وما يثير القلق في الامر انه في معظم الاحوال تستخدم انماط سلبية مشوهة معدة بحيث تحول صورة العربي الى شيء شيطاني يفتقر الى الشرعية تماما. والمشكلة الاخرى التي تماثل هذه المشكلة الاولى في تعقيدها هي الطريقة التي يحاول بها بعض اليهود ان يصوروا هجومهم على العرب الامريكيين وكأنه دفاع عن النفس, حينما نحقق اي تقدم سياسي او نوجه اي انتقاد للسياسة الامريكية او الاسرائيلية, ويصفون ذلك بأنه عداء للسامية. ونتيجة لذلك فإن تقدمنا السياسي قد اصبح اكثر صعوبة في بعض الاحيان, فقد كان علينا ان ننمو ونتطور سياسيا وتنظيميا في الوقت الذي نرافع حتى عن شرعيتنا ذاتها. والاسئلة التاريخية على ذلك كثيرة. وعلى سبيل المثال حينما قدمت الى واشنطن لاول مرة في السبعينيات لادير حملة حقوق الانسان الفلسطينية اصبحت هدفا روتينيا لبعض المنظمات اليهودية, التي دأبت على مهاجمتي. وعلى الرغم من ان مهمتنا كانت الدفاع عن حقوق الانسان, واننا غالبا ما ادنا استخدام العنف ضد كل المدنيين عربا واسرائيليين على السواء, فقد كانوا يسموننا (انصار الارهاب) لأننا ندافع عن حقوق الفلسطينيين. هذا على الرغم من ان حملة حقوق الانسان الفلسطينية كانت تحظى بدعم القادة المسيحيين في الولايات المتحدة وجمعية الحقوق المدنية للامريكيين الافارقة, لكننا كنا نوصف بأننا (جماعة على جبهة الارهاب) او (ذراع للدعاية الفلسطينية) . ونتيجة لهذه الهجمات, تم استثناؤنا من عدد من التحالفات السياسية والمنظمات التي كانت تتعاون مع حملة حقوق الانسان الفلسطينية لأنها كانت تتعرض للتهديد. والجامعات ووسائل الاعلام التي كانت تدعوني للحديث فيها تتعرض للتخويف. والهدف من هذه التكتيكات كان تجريدنا من شرعيتنا, من انسانيتنا وعزلنا عن غيرنا. وبعد ان تلقيت عدة تهديدات بالقتل, تعرض مكتب الحملة في واشنطن عام 1980 لهجوم بالقنابل بعد ذلك, بفترة قصيرة شاركت في تأسيس اللجنة الامريكية العربية لمقاومة التمييز, وافتتحت مكتبها في واشنطن لكن الهجمات التشنيعية والخطابية والتهديدات استمرت. وهذه الحملة ايضا توجت بالعنف اخيرا ففي عام 1985 تعرضت مكاتب اللجنة الامريكية العربية لمقاومة التمييز في عدد من المدن للهجوم, وفي احدى هذه الهجمات لقي مدير لجنتنا في الساحل الغربي أليكس عودة حقه. وفي اوائل عام 1986 استجابت المفوضية الاوروبية للحقوق المدنية بطلبي لعقد جلسة استماع حول موضوع العنف ضد الامريكيين العرب وفي شهادتي امام المفوضية قلت الاتي: (ان اعمال العنف والتهديد به هذه ضد منظمات الامريكيين العرب ليست الا جزءا من صورة اوسع للتمييز والتخويف والتهديد. وبامكاننا تقديم اعداد كبيرة من الوثائق عن امثلة التمييز السياسي الفاعل ضد الامريكيين العرب وتجريم النشاطات السياسية لهم وللمتحدثين باسمهم والجهود المبذولة لوصف قادتهم ومنظماتهم بالارهاب او مناصرة الارهاب. كل هذه الافعال والممارسات توجد مناخا يساعد على تقوية المعارضين السياسيين للامريكيين العرب بحيث ان البعض كما رأينا صعد من مقاومته لتضمين العنف ضد الامريكيين العرب ومنظماتهم. ولن انسى ماحييت رد الفعل حينما نطقت بهذه الكلمات, فقد اوقف كلارينس بينديلتون, رئيس المفوضيية المعين من قبل الرئيس رونالد ريجان, اعمال الجلسة واعلن انه سيستشير المستشار القانوني للمفوضية في التحقيق فيما اذا كان بالامكان اتهامي بالقذف ضد المنظمات اليهودية الامريكية! وخلال السنوات القلائل التالية تغيرت بعض الامور وبعضها بقي على حاله فمع ان الامريكيين العرب تطوروا سياسيا وتنظيميا إلا ان محاولات التشهير بهم وعزلهم استمرت. منذ اواسط الثمانينيات وحتى عام 1989 تعرضت الجهود الامريكية العربية المنظمة بصفة متواترة للاجهاض نتيجة للعزل سياسيا. بعض المرشحين اعادوا تبرعات الامريكيين العرب, وآخرون رفضوا دعم الامريكيين العرب لهم, كما ان بعض المرشحين الذين قبلوا مشاركة الامريكيين العرب في صلاتهم الانتخابية تعرضوا للهجوم باعتبارهم من انصار العرب. وبعد دورة انتخابية صعبة على نحو خاص في اواخر الثمانينيات والتي اخبرني فيها ستة مرشحين مباشرة بأنهم لا يستطيعون قبول دعم الامريكيين العرب لهم, لانهم يخشون ضغوط الجالية الامريكية اليهودية,. قررنا حينها ان نرفع صوتنا عاليا فما قاله العديد من هؤلاء المرشحين لنا هو انهم اخبروا بأنهم اذا ما سمحوا للامريكيين العرب بالمشاركة في حملاتهم فلن يخسروا دعم الامريكيين اليهود فقط, بل ان الامريكيين اليهود سيعملون على هزيمتهم. ولعدم تصديقي هذا قررت ان اتحدى علنا اسطورة القوة الخارقة للمنظمات اليهودية, التي يخشاها العديد من السياسيين. والنتيجة كانت ان احدى المنظمات اليهودية الكبرى أدانتني في حملة بريدية شاملة ووصفتني بـ (مهندس اللاسامية الجديدة) وقارنتني بالاسم بديفيد ديوك (من النازيين الجدد) ولويس فرقان. وشهدت سنوات التسعينيات تغيرا اكبر وتطورا اعظم بالنسبة للوضع السياسي للامريكيين العرب. وزادت امكانياتنا السياسية والتنظيمية, وعززنا عملنا السياسي, وحسنا علاقتنا مع الجماعات السياسية والعرقية والطائفية الاخرى بما في ذلك عدد من المنظمات الامريكية اليهودية غير ان بعض الامور لم تتغير. فبعض الجماعات المتشددة المعادية للسلام استمرت في مهاجمة جهودنا والتشهير بنا. وعلى سبيل المثال حينما عارضت جهود الكونجرس لتضمين بند في مشروع قانون ضد الارهاب يسمح باستخدام غير دستوري للدليل السري في المحاكمات اتهمني هؤلاء بأنني (متساهل مع الارهاب) . وحينما ادنت وحشية الاحتلال الاسرائيلي والاذى الذي يتسبب به للفلسطينيين بإغلاق المناطق المحتلة وتوسيع المستوطنات ادان بعض الامريكيين اليهود الرئيس الامريكي بيل كلينتون ونائبه آل جور لاستمرارها في العمل معي. ثم اتى بعد ذلك الهجوم على ابني جوزيف, الذي كان يعمل حينها مساعدا خاصا في مكتب شئون الشرق الاوسط في وزارة الخارجية. وقبل ان يتسلم منصبه ذاك كان جوزيف قد كتب مقالين فكريين حساسين نوعا ما, حاول فيهما ان يصف الخلاف بين الرؤيتين الفلسطينيتين لاسرائيل والسياسة الامريكية والرؤى التي يشترك بها بعض من اصدقائه في الولايات المتحدة الامريكية. ولدى اكتشاف هاتين المقالتين, شنت بعض المجموعات اليهودية هجوما عنيفا على جوزيف مطالبة بعزله من وظيفته. وما كان كريها في تلك الحملة هو الخطابة المعيبة والمخيفة التي استخدمت ضده. وحينما بدأ الهجوم كان جوزيف قد حصل مسبقا على وظيفة جديدة في وزارة العدل ويعود ذلك جزئيا لسقوط الاوهام امامه بخصوص وزارة الخارجية وعدم رغبتها في احترام التزاماتها التي قطعتها له بتوظيف مزيد من الامريكيين العرب. كما ان انتقاداتي لهذه الحملة التي استهدفت التشهير بابني وعزله عن وظيفته وصفت بأنها عداء للسامية. هذا لاني قلت انه الامريكي العربي الوحيد الذي يعمل على قضايا الشرق الاوسط, وجادلت الادارة بأن تكون اكثر توازنا في تعييناتها في البيت الابيض ووزارة الخارجية ودعوتي هذه لتحقيق العدل وصفت على نحو فظ بأنها عداء للسامية. وكثافة الجهود المبذولة لعزل جوزيف كانت موازية في حدتها لحملة ضد سلام المراياتي وهو امريكي عربي مسلم تم تعيينه في مفوضية شئون الارهاب وقد طور سلام وهو مدير لجنة الشئون الاسلامية العامة ومقرها لوس انجلوس روابط قوية من الاحترام المتبادلة مع عدد من المنظمات اليهودية المهمة في كاليفورنيا. وعلى الرغم من ذلك كانت المجموعات اليهودية القومية تركز في هجومها ضده على شخصيته ومعتقداته. وبعد مشاهدتي لذلك, طالبت عددا من القادة اليهود بأن يتحدثوا ويطالبوا بوضع حد لحملة التشهير والعزل هذه. واتت الضربة الاخيرة حينما اصدرت احدى هذه المنظمات اليهودية بيانا بعد المؤتمر القومي للمعهد الامريكي العربي في نوفمبر 1999, تدين فيه نائب الرئيس آل جور والسيناتو جون مكين لالقائهما خطابا امام المؤتمر. والسبب الذي حدده هؤلاء لهذه الادانة هو مشاركة اثنين من (المتطرفين المعادين لاسرائيل فيه هما جوزيف وسلام وفي تصعيد لحملات التشهير هذه, اشار زعيم هذه المنظمة اليهودية لجوزيف على انه (عدد للشعب اليهودي) . انا اعرف ما الذي يمكن لهذه الدورة المتعاظمة من الهجوم ان تعنيه, واي ضرر يمكن ان تتسبب به, واي عنف يمكن ان تطلقه. ولهذا ومرة اخرى كتبت لاكثر القادة اليهود اعتدالا لاحثهم على العمل لوقف هذه الحملة, لكن النتيجة كانت الى حد كبير الصمت. كانت تلك المنظمة اليهودية هي التي ارسلت المناشدة بتقديم التبرعات التي اشرت اليها في بداية حديثي. ومناشدتهم تلك تركزت على ما ادعوا انه فاعليتهم في اخراس الاصوات المعادية لاسرائيل. وفي رسالتهم يتباهون بهجماتهم ضد جوزيف وسلام, ويخبرون اعضاءهم ان من حقهم الفخر بانجازاتهم! ثم يضيفون في رسالتهم ملاحظة مهمة هي ان الدروس المستفادة من التاريخ اليهودي تقول بأن (حملات التشهير المتكررة تتبعها عاجلا او آجلا افعال عنف مادية) . وتعقيبا على تلك الملاحظة المنافقة لا استطيع القول الا (فليكن) فأنا اعرفها لاني جربتها وهذا هو ما احاول الآن ايقافه قبل ان يكون لزاما على جيل آخر من العرب ان يتحمله من تشهير وعزل وحتى عنف.