ليس من قبيل السوداوية اذا ما اعتبرنا ان ملامح الحل النهائي على المسار الفلسطيني الاسرائيلي بدأت تتضح معالمه النهائية والتي اسقطت قضية القدس واللاجئين من اجندتها مقابل تسويات تقنية محضة في هذه المنطقة او تلك وان الغموض الذي كان يلف المفاوضات، قد تكشفت معالمه شبه النهائية. ولعل الجولات والاجتماعات الماراتونية التي قوم بها المنسق الامريكي دينس روس مجرد محاولات ضغط من الجانب الامريكي على الفريق الفلسطيني المفاوض لحمله هذه المرة على اسقاط قضية القدس واللاجئين على اعتبارها مثارا للجدل ومؤججا للصراعات التي لا تخدم الرؤية الاسرائيلية لنهاية ما يسمى بالعملية السلمية الجارية في المنطقة, وان ما يجري الحديث عنه في وسائل الاعلام من المحاولات التي قدمتها واشنطن بأنها مجرد محاولات فاشلة بسبب الموقف الفلسطيني المتشدد من جملة القضايا العالقة ومنها قضية القدس واللاجئين انما تأتي مجرد تهيئة وترويض للرأي العام الفلسطيني والعربي والاسلامي لقبول ما ستتمخض عنه المفاوضات الجارية في ايلات على اعتبار انه ليس بالامكان افضل مما كان. وان ما توصل اليه الطرف الفلسطيني هو السقف الذي سمحت به موازين القوى العربية والاقليمية والدولية وتخطي هذا السقف يعني وضع المنطقة برمتها على حافة الهاوية والفلسطينيون يسعون الى التهدئة ما امكنهم اخذ ما يمكن اخذه قبل ان يصلوا الى مرحلة لا يجدون ما يتفاوضون عليه بذريعة نزع فتائل الصراع من يد ايهود باراك وتحالفه اليميني ووقف الهجمة الاستيطانية المسعورة المستمرة والتي تبلع يوميا مساحات شاسعة من محيط المدن والقرى والبلدات الفلسطينية لكن بعيدا عن ما يسميه البعض بعقلية المؤامرة او ما شابه نجد ان كل ما يجري من تفاوض جاء نتيجة حتمية لمطالب ايهود باراك العام الماضي في النرويج اثناء الاحتفال بإتفاق اوسلو والتي تضمنت سبع نقاط جاءت في غالبيتها متوافقة مع ما توصل إليه ابو مازن وبيلين قبل اكثر من ثلاثة سنوات من هذاالتاريخ وقد نصت الوثيقة حسب مانشرته صحيفة هآرتس الاسرائيلية في فبراير 1996 على اعتماد الحدود الدائمة (كما هي مرسومة في ملحق خرائط اتفاق اوسلو) اما بالنسبة الى المستوطنات فيتم ضم المستوطنات الكبيرة مثل ارئيل, معاليه ادوميم, افرات, ومستوطنات عتصيون الى حدود اسرائيل, وكنتيجة لذلك سيبقى غالبية المستوطنين ضمن مناطق السيادة الاسرائيلية وقد عملت طواقم المحادثات استنادا لمبدأ ابقاء اقل عدد ممكن من الفلسطينيين ضمن المنطقة التي سيتم ضمها لاسرائيل في اتفاق التسوية الدائمة وطبقا لذلك فإن ثلاث قرى عربية متوسطة الحجم ستضم الى جنوب غرب بيت لحم, وقريتين اخريين قرب مستوطنة ارئيل في منطقة نابلس. اما المستوطنون اليهود المتواجدون في المستوطنات التي لن يتم ضمها لاسرائيل يستطيعون الاقامة في منطقة الدولة الفلسطينية ولن يفرض عليهم الجلاء عن مستوطناتهم ويمكن لهم ان يحملوا جنسية مزدوجة اسرائيلية وفلسطينية او كسكان اجانب في الدولة الفلسطينية وفي هذا الجانب بالذات ذهب باراك بالقول ان ثمة امكانية لثلاث تجمعات كبيرة يجب ان تنتظم المستوطنات في اطارها حتى يكون بالامكان حمايتها من ناحية امنية وابقاء المستوطنات تحت السيادة الاسرائيلية بينما يؤكد اوري سافير احد مهندسي اتفاق اوسلو وعضو كنيست عن حزب الوسط في مناظرة تلفزيونية بأن هذا الحل هو الافضل من الناحية المدنية والامنية. وفيما يخص قضية القدس فقد اكدت الوثيقة على توسيع حدود المدينة على نطاق واسع جدا ويتم تشكيل مجلس بلدي اعلى (للقدس الكبرى) الجزء الشرقي يشمل العيزرية وابو ديس ويسمى القدس. بينما الجزء الآخر من العاصمة القدس يشمل ايضا مستوطنة معاليه ادوميم, الحرم القدسي الشريف يعلن كمنطقة ذات حصانة تكون في يد الفلسطينيين وتبقى ادارتها الدينية بيد الاردن. كنيسة القيامة تدار من قبل الفلسطينيين دون الاعلان عنها كمنطقة حصانة وقد يكون احد مطالب ايهود باراك بشأن القدس متطابقاً مع هذا البند والذي طالب الطرف الفلسطيني بالاعتراف رسميا وعلانية بالقدس الغربية عاصمة (دولة اسرائيل) مع ضم بعض المناطق الفلسطينية لها ولعل الزيارة التي قام بها العاهل الاردني الملك عبدالله الى اسرائيل كانت تحمل بين ثناياها قضية القدس والمقدسات الاسلامية كأحد المواضيع الرئيسية وقد ظهر ذلك الامر بشكل واضح لا لبس فيه في المقابلة التي أجراها معه مراسل الاذاعة الاسرائيلية (ايهود يعار) في 24/4/2000, والتي قال فيها ردا على سؤال ما اذا كان الاردن يريد التنازل عن الاماكن المقدسة لصالح السلطة الفلسطينية ان (الاردن هي الحارسة والحافظة للاماكن المقدسة في القدس وهذه مسئولية عظيمة لنا جميعا ونعتقد بأننا عندماننظر الى القدس نجدها حقا رمزا للمسلمين والمسيحيين واليهود الذين عاشوا بانسجام فهذا الرمز الذي نريده في بداية الألفية الجديدة ان يكون املا لبقية العالم) واضاف (اما من الزاوية الدينية فنعتقد ان القدس هي مدينة للجميع, مدينة مفتوحة, وهذا ما نحاول تحقيقه, وهي امل مستقبلي لنا جميعا وعليناان نعمل لنعطي الامل لابنائنا من بعدنا) اي ان الزيارة جاءت لتحدد الشراكة على الاماكن المقدسة وتخرج السلطة الفلسطينية من المأزق الحاد الذي تعيشه ازاء قضية القدس وتعطي المبرر القانوني والشرعي لقيام العاصمة الفلسطينية في ابو ديس انطلاقا من ان القدس مدينة عربية اسلامية وان الاردن من حقه اذا ما اخذنا بعين الاعتبار جملة الحقائق التاريخية ديمومة اشرافه على هذه الاماكن طالما حافظ عليها منذ العام 1948 والى المرحلة الراهنة كما من حق العرب والمسلمين جميعا الاشراف عليها. واما ما يخص عودة اللاجئين فيبدو ان كل الوثائق بما في ذلك وثيقة ابو مازن بيلين وبعض الاتفاقات السرية والملاحق التي تم التوقيع عليها والمتعلقة بهذا الشأن وهذا ما حاول البرفسور الاسرائيلي ايلان بابي كشفه للجمهور في المؤتمر الدولي الذي عقد في بوسطن في 8 ابريل الماضي والذي نظمه المعهد العربي للأبحاث وتحدث فيه مجموعة من المفكرين العرب والفلسطينيين وعديد من الجنسيات الاوروبية والامريكية. وقد شرح في مستهل كلامه الهادىء والمعسول عن كيفية نجاح اسرائيل في اقامة حملة ناجحة واسعة لاقصاء وانكار حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالقول: (لقد اقتصرت مسألة اللاجئين الفلسطينيين في اتفاقات اوسلو على فقرة فرعية هامشية مخففة وبالصيغة التي تريدها اسرائيل تماما وان المرحلة النهائية من اتفاقات اوسلو هي اليوم على وشك الحدوث في حين ان جوانب ومحاور وحدود المناقشات سبق لاسرائيل واملتها وفرضتها من جانب واحد وهي ترفض بشكل قاطع حق الفلسطينيين بالعودة. وحدها قلة من لاجئي 1967 قد يكون لها الفرصة الضئيلة للعودة والتوطين ضمن مناطق السلطة الفلسطينية وفي حال وافقت اسرائيل على ذلك! وعلى ما يبدو ان السلطة الفلسطينية وبعض العرب قد سلموا بجملة من هذه القضايا والتي اقرت بتقديم بعض المساعدات المالية بما في ذلك حث اسرائيل على تقديم العون المالي وبطرق اخرى من اجل توطين واستيعاب اللاجئين خارج حدودها وتوافق اسرائيل على جمع شمل عائلات فلسطينية في اراضيها ويحق للفلسطينيين الاستمرار بالمطالبة من ناحية اخلاقية بحق العودة للاجئين ولكن اسرائيل غير ملزمة بقبول هذا الموقف وقد اكد ذلك باراك حتى وان اختلفت الالفاظ دون تغيير في الجوهر او المساس به بينما وافق على عودة النازحين بالقول نعم لعودة نازحي العام 67. ومن الواضح تماما ان باراك منذ تسلمه الحكومة عمل كل ما من شأنه تفريغ نصوص واي ريفر وقد بدا ذلك بشكل واضح وجلي في توقيع اتفاق شرم الشيخ الذي نص على تقسيم مراحل التفاوض بعد ذلك الى قسمين الاول سمي بالتفاوض على اتفاق الاطار والثاني سمي بالاتفاق على الحل النهائي. وفي الواقع ان اتفاق الاطار هدف في حينه الى التحديد المسبق لاهداف الحل النهائي ومزاوجة ماتم الاتفاق عليه في مذكرة شرم الشيخ مع نص وثيقة تفاهم ابو مازن ـ بيلين وتجاوز او نفي الاتفاق الذي ورثه باراك عن نتانياهو (واي ـ ريفر) والعودة الى روح الاتفاق الذي ورثه باراك عن رابين وبيريز وزاد عليه من خلال الجولات التي شهدها في الولايات المتحدة عناصر غاية في الاهمية لم تكن مطروقة في اوسلو وما تلاه من اتفاقات وتفاهمات والمتمثلة في ايجاد او رسم رؤية متكاملة للحل الشامل وهذا بدوره يعتبر بحد ذاته نقلة نوعية وعنصرا مهما في افساح المجال امام تجاوز المرحلة الانتقالية وجسر الهوة مابين انتهاء اعادة الانتشار والاتفاق المرحلي وبين اتفاق الحل الدائم الذي يجري الحديث عنه هذه الايام واذا ما تعذر التوصل الى اتفاق ضمن هذه الرؤية فإنه سيتعذر من وجهة نظر باراك التوصل الى تسوية دائمة خاصة انه ابدى تأييده اكثر من مرة في مثل هذه الحالة لبلوغ سلسلة من الاتفاقات المرحلية الطويلة الامد في مرحلة يعي فيها حاجة السلطة على المستوى الامني والسياسي للتقدم الحثيث نحو اعلان الدولة الفلسطينية العتيدة. ولم يكن باراك فيما مضى يغالي في القول انه اذا كان اتفاق اوسلو قد احتاج الى خمس سنوات أي بمعدل اتفاق كل سنة فإن الاتفاق النهائي قد يحتاج الى خمسين عاما وانه على استعداد لانجاز اتفاق شامل مع سلطة الحكم الذاتي. فإذا ما تعذر ذلك فإن عليهم الانتظار اكثر من خمس سنوات لانجاز مقدمات الحل النهائي. ومن نافلة القول ان باراك بانتقاله الى واشنطن مرة اخرى والعودة الى ايلات يكون قد حقق ما صبا اليه والمتمثل بفرض مفهوم جديد لآليات التسوية على ما سمي بالمسار الفلسطيني والذي يقضي بالتخلص من الثقوب والقيود التي علقت باتفاق اوسلو الاول من وجهة نظره, وكذلك التخلص مما يمكن ان يقال عن الدور الامريكي في دفع عملية التسوية لان عملية التفاوض هذه المرة بين ظهراني واشنطن وتحت اشرافها اصلا حتى معاودتها في ايلات, ستكون تحت الاشراف الامريكي ولن يسمع بعد ذلك عن جمودها ويستطيع باراك الآن وهو اكثر اطمئنانا على مواقفه على الارض المقطعة الاوصال اصلا ان يحقق غالبية مطالبه فيما يسمى بالحل النهائي إن كان ذلك لجهة القدس التي استبدلت بالعيزرية وابو ديس او لجهة قضية المناطق المقدسة ذات الممر الآمن, بالاضافة الى قضية عودة اللاجئين واذا تعذر ذلك بات يمتلك اسلحة قوية يقدر على استخدامها كورقة ضغط على الطرف الفلسطيني والمطالبة بضرورة اعتبار ما تم التوقيع عليه مرجعية قانونية وحقوقية من شأنها ان تحكم الطرف الفلسطيني وهنا يظهر الطرف الفلسطيني في اي لحظة يشاء, بأنه هوالذي يخلق الاعذار والمعوقات في وجه ما اتفق عليه الطرفان ويكون بذلك قد فوت على الفلسطينيين ماكانوا يناورون عليه خاصة كل مايتعلق بالحل النهائي القدس, المياه, اللاجئين, الحدود الخ. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق