اصبح الحديث عن الاستقرار هو القاسم المشترك الاعظم في احاديث جيوش الخبراء والندماء والمخططين في كواليس الانظمة فضلا عن احاديث وتصريحات ساسة الامة العربية, وساسة الكرة الارضية, وحتى ساسة كرة القدم. وهذه الوفرة غير المسبوقة في الحديث ، عن الاستقراردليل على ان العالم يشعر بأنه غير مستقر والا ما بالغ في تأكيد استقراره, وكأنه يقنع نفسه بدق الطبول ليل نهار, مبشرا الشعوب بأن الله قد فتح على العالم, بنظام جديد, يقوم على الوفاق لاعلى الشقاق وعلى التعاون لا الصراع وعلى السلام لا الحرب ـ باردة كانت او فاترة ـ زاعقا بأن هذا هو الاستقرار) كما نزل من بطن امه. ولا ملامة على العرب, ولا غيرهم اذا ما شغلهم الموضوع حتى بات (الاستقرار) هو همهم المقيم, ذلك ان الامل في الاستقرار كان ولا يزال حلم الافراد والمجتمعات كما هو حلم الحكومات والدول والدعوات والامبراطوريات!.. وهو موضوع الخلاف بين الفرق السياسية والتيارات الفكرية وسبب المشاكل بين الحاكمين والساعين الى الحكم وبينهما وبين المحكومين انفسهم! ولا احد سواء كان فردا او جماعة يجسر على الاعلان بأن هدفه هو هز الاستقرار او يقبل اتهام الآخرين له بأنه يدير حكومة يقوم برنامجها على الفوضى. فالاستقرار هو ما يطلبه المواطن الفرد لنفسه من حكومته ومن حكومات العالم وهو المردود الذي يعود عليه بشكل مباشر من النظام المحلي او الاقليمي او العالمي الذي يعيش في ظله في صورة احساس شامل بالاطمئنان الى ان هذا النظام يكفل له ولاسرته احتياجاتهم الانسانية المشروعة فلا يتهددهم خوف على الحاضر, او قلق على المستقبل او يمتلكهم اليأس من احتمال تحسن الاحوال. وهو احساس لو ساد بين الناس لكان مردوده المباشر على الحاكمين استقرارهم هم انفسهم لانه سيؤدي الى انصراف المحكومين للعمل والانتاج فيستقر الصانع في مصنعه , والفلاح في حقله, والطالب في مدرسته, طبقا للتفسير العربي الشائع للمصطلح, وبالتالي يستقر الحاكم على مقعد الحاكم, الى ان ينتقل منه الى احدى صفحات التاريخ, البيضاء لا السوداء. وهذا الاستقرار هو هدف المسيرة البشرية منذ ترقى الانسان تدريجيا من فرد يعيش مستوحشا في الغابة الى عضو في جماعة ثم مجتمع واخيرا الى مواطن يعيش في ظل حكومة تحكمه بتفويض منه, وتتصرف في شئونه برضاه ويحوز افرادها مكانتهم ويقبضون مرتباتهم من الضرائب التي يدفعها, او من الثروات العامة المملوكة للجميع التي يتضامن مع الآخرين في ترك حق اداراتها لهم.. ومع ان هذا الاستقرار هو الهدف المعلن للجميع, إلا ان التاريخ المعاصر على الاقل شاهد على ان الاخلال به لم يتوقف يوما وهي جريمة ينكرها الذين يقومون بها المحليون او الاقلميون او العالميون وبذلك اصبح هز الاستقرار من التهم الشائعة في الهواء, المقيدة ضد مجهول ينسبها القاتل للقتيل والمجرم للضحية, لأن احدا ببساطة لا يستطيع ان يتحمل مسئوليتها حتى لو ضبط فوق جثة القتيل والسكين يقطر دما في يده. والحصول على مكان مثل هذا هو مشكلة معقدة للعرب وللنظام العالمي الجديد نفسه. هم متهمون تاريخيا بأنهم من العوامل الثابتة لهز استقرار العالم, وخلخلة اي نظام عالمي.. وهي تهمة قديمة وشائعة منذ ايام الامير المملوكي (على بك الكبير) والوالي العثماني محمد علي الكبير, اذ حاول اولهمها ان يستقل بدولة عربية موحدة عن تركيا, واندفع الثاني في تحقيق المحاولة حتى دخلت جيوشه حدود تركيا ذاتها, ومع ان الامبراطورية العثمانية, كانت تعاني انذاك من الفساد والترهل والضعف العسكري والسياسي والاقتصادي وتنتشر بين ارجائها الفتن الطائفية والصراعات القومية وتشكل عاملا اساسيا من عوامل عدم الاستقرار في العالم, الا ان النظام العالمي القديم قبل فرنسا نابليون اعتبر محاولة علي بك الكبير, اخلالا بالاستقرار فعاون السلطان العثماني على اجهاضها, ,واعتبر النظام العالمي الجديد بعد فرنسا نابليون محاولة محمد علي الكبير نشرا للقلاقل فتعاون مع السلطان مرة ثانية للقضاء عليها. والقراءة السريعة لتاريخ العرب مع اي نظام عالمي جديد, تؤكد انهم ذلك المتهم الذي يبحث عنه هذا الجديد لكي يعلق في عنقه فأس عدم الاستقرار فعندما ساءت المقادير ان يتوصل النظام العالمي الى قرار بتفكيك الامبراطورية العثمانية والقضاء على ما كان يسمى ايامها (رجل اوروبا المريض) تحقيقا لاستقرار العالم, اقتصرت بركات قرار التفكيك على الاجزاء الاوروبية من الرجل المريض فحصلت اليونان ودول البلقان على استقلالها واعترفت اوروبا بها كقوميات مستقلة وهي بركة لم يحظ بها العرب, الذين نقلوا اتوماتيكيا من كفالة رجل اوروبا المريض الى كفالة رجال اوروبا الاصحاء وتوزعوا بينهم حتى لا يستقلوا ولا يتوحدوا ولو في ظل سيد واحد!. وعندما اختل استقرار العالم بما ادى الى نشوب الحرب العالمية الاولى بين الاوروبيين حاول العرب ان يضمنوا لأنفسهم مكانا ثابتا على خريطة النظام العالمي الجديد الذي سيعقب الحرب فراهنوا على الجواد الذي توقعوا ان يربحها وخاضوا الحرب الى جواره بمواردهم وطرق مواصلاتهم بل وثاروا على تركيا وهاجموا قواتها التي كانت تتخذ من بعض بلادهم قواعد لها, وشجعتهم اوروبا على ذلك ولم تجد ما يدعوها للتحفظ على مطالبتهم بالوحدة ولا على انشاء دولة تضم الاجزاء العربية التي كانت من الممتلكات التركية بل شجعت القومية العربية واعتبرتها من الحركات التي ستؤدي الى استقرار العالم في ظل النظام الجديد الذي سيعقب الحرب, الى الحد الذي كتبت على نفسها مواثيق وعهودا بذلك! لكن النظام العالمي الجديد, ما كاد يستقر حتى تبين ان كل ما اذاعه اثناء الحرب من شعارات وما وقعه من اتفاقات عن حق الامم في تقرير مصيرها وحق والشعوب في اختيار انظمتها وحق الصغير والكبير في ان يعيش آمنا ومستقرا ومستقلا هو من الكلام الذي تعود النظام العالمي الجديد ان يذيعه في فترة صعوده ليستعين به على تجييش الجيوش وتهدئة الجبهات الداخلية التي تمر بها خطوط امداداته العسكرية حتى لا تتعرض للتدمير او الانقطاع المؤقت او المستمر. اما الثابت والدائم فهو انه لا عرب, ولا قومية عربية, ولا استقلال ولا وحدة, لان العرب من وجهة النظر الاوروبية لا يؤمن جانبهم اذا استقلوا ولا يستقر النظام العالمي الجديد اذا توحدوا. وعندما ثار العرب بعد انتهاء الحرب في كل مكان يقع داخل خريطتهم وصف الاوروبيون ثوراتهم بأنها قلاقل تهز الاستقرار في منطقة مهمة وحيوية من العالم وارسلوا لجانا للتحقيق والتفتيش في اسباب عدم الاستقرار مع ان السبب كان واضحا فهم لا يثورون رغبة في هز الاستقرار ولكن طلبا له فقد اكتووا بنيران الحرب وساهموا في النصر لانهم وعدوا بأن يستقروا, ولم يخطئوا حينما فهموا ان الاستقرار هو الاستقلال.. ولم يكتشفوا ان (الاستقرار) بهذا المعنى هو من كلام الليل الاوربي المدهون بالزبد اذا ما طلع عليه النهار ساح الا عندما اختار لهم النظام العالمي الجديد الموقع الذي يريده لهم على خريطته واستثناهم من حق تقرير المصير لانه حق لا يجوز ان تمارسه دول متخلفة تحتاج الى من يدربها على حكم نفسها وعلى تحمل تبعات الاستقلال حتى لا تمارسه بأسلوب ينتهي بهز استقرار العالم, واثارة القلاقل في انحائه! والغريب ان الطرفين ـ العربي والاوروبي ـ قد اعادا تمثيل ادوارهما ذاتها في مسرحية النظام العالمي الجديد حين اعيد عرضها بعد تعديلات طفيفة في النص, اثناء وفي اعقاب الحرب العالمية الثانية وعندما استقر النظام العالمي الجديد, اكتشف العرب انهم كالعادة لم يستقروا اي لم يستقلوا ولم يتوحدوا اذ توقف سقف الاستقلال عند المعاهدات التي عقدها كل قطر من اقطارهم على حدة مع الدولة الاوروبية التي تتولى تدريس حق تقرير المصير له, قبل نشوب الحرب وهي معاهدات كفلت لهم (الاحتقلال) اي احتلال مدهون بطبقة من زبد الاستقلال سريع الذوبان في الشمس واحيانا في الثلوج.. وتوقف سقف الوحدة عند الجامعة العربية كمنظمة اقليمية يتسامر العرب في اجتماعاتها ولا تلزم قراراتها احدا الا اذا وافق عليها ولا تصدر اصلا الا اذا كانت بريئة من شبهة هز الاستقرار ومنزهة عن خطيئة مخالفة رؤية اهل الحل والعقد من الفرنجة لهذا الاستقرار. تلك شواهد لا تخفى دلالتها فالنظام العالمي الجديد, هو في كل مرة نظام اوروبي جديد, او غربي جديد, وعالميته لا تعني اشتراك كل دول العالم في تحديد ملامحة والاتفاق على اسسه, والتعاقد على تنفيذها بل تعني فحسب بروز مركز قوة عسكرية او اقتصادية في الغرب يتولى منفردا او بالمشاركة مع غيره السيطرة على العالم وتوجيهه. والقاعدة الثابتة في اي نظام عالمي جديد, تقضي بأن نخرج نحن العرب من المولد بلا استقلال كامل وبلا وحدة شاملة فالتجارب التاريخية علمت الاوروبيين, وهم عنصريون حتى فيمابينهم, خطورة ان يكون العرب مركزا لقوة اقليمية على استقرارهم وعلى طرق مواصلاتهم وعلى مواردهم من المواد الخام.. والنظم العالمية الجديدة, تعني دائما استقرار العالم في كفالة الغرب, وهدوئه تحت اجنحته القوية, المتحضرة المتفوقة وكل تمرد على ذلك هو اخلال بالاستقرار يستحق التأديب والتهذيب والاصلاح. لذلك يبدو مولد الكلام العربي عن الاستقرار في ظل النظام العالمي الجديد دليلا على ان العرب طوعوا انفسهم بأنفسهم لقاعدة تقسيم الادوار التي فرضها الغرب منذ تولى قيادة العالم ورضوا بموقف المتفرجين الموهوبين في تشجيع اللعبة الحلوة ويئسوا من مجرد التفكير بالمشاركة في المباراة لأنها تدور بين حيتان كبيرة ولان مقاعد المتفرجين اكثر راحة من بطون الحيتان فهم يفضلون التشجيع عن اللعب واذا لعبوا, فمع الاسماك الصغيرة مثلهم لذلك يتفرج بعضهم على المباراة بلا قلق, فهم يتوهمون انهم في كفالة النظام العالمي الجديد, مطمئنين الى ان مقامهم على الخريطة محفوظ بتعهداته, فهم في ظل هذا الوهم آمنون من السقوط بصرف النظر عن الجانب الذي اضطجعت عليه الكرة الارضية. وهم يتفرجون وحدهم حتى لا يرتاب النظام العالمي الجديد, في ولائهم اذا وا وجدهم يتفرجون مع غيرهم من العرب المرشحين للوقوع من فوق خريطته لمجرد سوء حظهم, مع ان الجميع اعضاء في رابطة مشجعي اللعبة الحلوة. وبعد عام من ميلاد النظام العالمي الجديد, قل حماس كثيرين من العرب, للحكم الشائع بأن هذا الجديد هو الاستقرار كما ولدته امه اذ لم يتحقق الاستقرار في اوروبا ذاتها, ولم تؤد الانقلابات التي وقعت في دول المنظومة الاشتراكية الى استقرار في دولها ونشبت الحروب الاهلية والقلاقل القومية حتى بدأت اوضاعها غير المستقرة تؤثر بالسلب على الاستقرار في دول اوروبا الغربية وخلق انفراط الاتحاد السوفييتي مليون مشكلة تهدد الاستقرار لا في اوروبا فحسب بل في العالم كله, لتعدد جبهات اتخاذ القرار في بلد كان امبراطورية يحكمها فرد, فأصبح شظايا لا يحكمها احد بعد ان توالد اللاعبون بالسلطة كالارانب في بلد به ترسانة نووية لا يمكن الاطمئان اليها في ظل ارانب العصر الديمقراطي السوفييتي اذ قد يعبث احدهم بأحد ازرارها فيفجر العالم مما دفع النظام العالمي الجديد, لكي يلعن (ابو) الديمقراطية, ويفكر في البحث عن شمولية من النوع الرأسمالي طبعا لكي ترث المرحوم السوفييتي. والامثلة على عدم استقرار العالم في ظل النظام الجديد كثيرة ومنها ماهو بشائر ستطرح ثمارها الناضجة بعد قليل فالاتجاه الالماني نحو اوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي سيخلق بعد قليل مبررات للشقاق والخلاف ودوامات الصراعات العرقي والحرب الاهلية اليوغوسلافية تهدد استقرار وسط اوروبا. وفي الشرق الاوسط الذي كان اول الموعودين من قبل (النظام) بأن يستقر ويهدأ, لم يحدث شيء الا ان كل واحد قد (استقر) داخل حدوده, يبحث عن حلول لمشاكله التي تراكمت منذ بزوغ فجر النظام العالمي الجديد وربما لا يكون هو السبب المباشر لذلك التراكم السريع لكنها مصادفة تدعو للتأمل. ومع اننا قد اندفعنا جميعا الى (مدريد) لنستند على مقاعدنا في مؤتمر السلام ونثبت للنظام العالمي الجديد اننا راغبون في الاستقرار حريصون عليه الا ان الذي قيل لنا لم يزد على ذلك الذي قيل عندما اندفعت وفود حركاتنا القومية في اعقاب الحرب العالمية الاولى تدق ابواب مؤتمر الصلح في فرساي, تطلب حق تقرير المصير فقيل لها ان هذه ليست من قضايا النظام الدولي الجديد لكنها قضايا ثنائية يتم التفاوض حولها بين كل طرف عربي وولي امره الاوروبي ليمنحه ما يستحقه من مصير بلا تدخل من المؤتمر, لأن حق تقرير المصير حق اوروبي او هو حق اسرائيلي لكن المؤكد انه ليس حقا عربيا. ولا جديد في ان يعجز النظام العالمي الجديد عن الزام اسرائيل, وليست هناك مفاجأة في تمسكه واصراره على مواصلة المفاوضات المتعددة الاطراف التي تناقش مستقبل المنطقة في ظله قبل ان تسفر المفاوضات الثنائية عن اعادة الحقوق لاصحابها فمايعني النظام العالمي هو استقراره واطمئنانه الى ان المنطقة لن تخل بهذا الاستقرار. لذلك يقفز فوق ما هو حقنا الى ما هو حقه ويحملنا على ان نعترف في معاهدة اقليمية بوجود اسرائيل على حالتها وبشروطها على خريطة المنطقة قبل ان تعترف هي بشيء, مكررا بذلك اللعبة التي لعبها في اعقاب الحرب العالمية الاولى حين رفض مؤتمر الصلح ان يستقبل الوفود العربية التي احتشدت على ابوابه بدعوى انها جاءت تعرض قضايا ثنائية لا مكان لها في المؤتمر ثم عقد بعد ذلك ودون حضورنا مؤتمر (سان ريمو) ليقرر مصيرنا بتوزيعنا على الدول المنتصرة كمناطق نفوذ ضمانا لعدم الخلاف بين اطراف النظام العالمي الجديد وحتى لايهتز الاستقرار اذا ما حدث خلل في التوزيع. ذلك ان النظام العالمي كان دائما اوروبيا غربيا والاستقرار الذي سيحققه كان دائما قاصرا على الغرب ومجلس الامن انشىء اساسا ليحافظ على امنه. ومشكلة هذاالنوع العنصري من الاستقرار انه معرض دائما للقلاقل, لانه يقوم دائما على حساب الاخرين ولأن الاستقرار الحقيقي هو الذي يقوم على عدل حقيقي! ومشكلتنا اننا عاجزون عن ان نتصرف معا, عازفون عن مغادرة مقاعد المتفرجين مصرون على انتظار المن والسلوى من كل نظام عالمي جديد, وتلك هي مسئوليتنا الحقيقية عن عدم استقرار العالم.