تحفل صحافتنا العربية المعاصرة بظواهر مضيئة ومشجعة, واخرى معتمة ومثبطة. وفي المجال الاول ما لا يمكن حصره من الايجابيات التي سنكتفي بإيراد بعض الامثلة عنها:فهناك غزارة المادة الصحفية, الثقافية والعلمية والادبية, التي تتحفنا بها دورياتنا سواء على المائدة المنوعة، التي تأخذ من كل علم بطرف ومن كل فن بقسط, ومن كل ثقافة بسهم, فتصهر شتى ألوان المعرفة في بوتقة واحدة وتقدمها لنا في وجبة ثقافية شهرية ليغترف منها القراء ما وسعهم الاغتراف, او على المائدة المتخصصة التي تغطي ادق فروق العلم واعمق تشعبات التخصص. وهذه المائدة تغذيها الملاحق والملفات المتخصصة التي تصدر بصورة مستقلة عن الدورية, كالملاحق السياسية والاقتصادية والرياضية وملاحق الكتب وغيرها. وهي ذات قيمة تخصصية تضاف الى القيمة التنوعية للدورية. ونذكر كذلك ما اصبحت تحظى به بعض دورياتنا الراقية من صفة دولية, وهذا يعني ان ظهورها في بلدان متقدمة مثل امريكا وأوروبا يتزامن مع صدورها في بلد عربي ما. ومن شأن ذلك ان يساعد على تعريف العالم بوجهات النظر العربية. وهناك ايضا ظاهرة صدور بعض الدوريات العربية على اساس التوجه العربي القومي الشامل, مما يعني المساعدة على توحيد الاهداف والافكار والمفاهيم والرؤى والتطلعات العربية في كل مكان من انحاء وطننا الكبير ولا ننسى جرأة بعض هذه الدوريات في محاولتها كسر الطوق الرقابي والتصدي لموضوعات ساخنة تتعلق بقضايا المجتمع المدني والديمقراطية والحرية والتعددية وحقوق الانسان, في زمن اشتدت فيه الرقابة على الفكر, ولا يفوتنا ذكر التقدم التكنولوجي الكبير في فن الطباعة العربية مما يتيح لدورياتنا ان تظهر في اجمل حلة وابهى شكل وان تتزين بالاغلفة الجذابة والألوان المثيرة والصور والرسومات الاخاذة ولا نريد ان نقطع شوطا بعيدا في شرح الايجابيات, لأن السلبيات ومحاولة التغلب عليها هما الاولى بالاهتمام والاجدر بالتوضيح. ومن بين السلبيات الكبيرة التي ابتليت بها صحافتنا: تسييسها لصالح السلطة وتوجيهها بدرجات نسبية ومتفاوتة تختلف بين كل دورية وأخرى, وبين هذا البلد العربي او ذاك. ولا ننسى كذلك اقتران النشر في بعض الحالات بالمقاييس المصلحية بدلا من المقاييس الثقافية الموضوعية. ولا يفوتنا التنويه بخطورة عدم حصول الكتاب الصحفيين على كامل حقوقهم المادية المعنوية. ونذكر ايضا غياب التشريعات الصحفية الملزمة التي تنظم العلاقات بين الكتاب والدوريات. ومن الواضح ان القضاء على الظواهر السابقة ليس بالامر اليسير, ويحتاج الى وقت طويل جدا والى جهود كبيرة. وسنركز اهتمامنا الآن على بعض المشكلات الصغيرة التي يمكن حلها ضمن نطاق الاسرة الصحفية, دون الحاجة الى اتخاذ قرارات من مستويات اخرى. فهناك شوائب وأدران تعكر صفاء صحافتنا العربية ونقاءها. ومن الضروري التخلص منها حتى نرقى بهذه الصحافة الى وضع افضل. وعلى هذا, سيكون لنا مطاف قصير ببعض السلبيات الصحفية التي وان كانت صغيرة نسبيا الا ان تراكمها يؤدي الى تأثيرات ضارة كبيرة, تنعكس على مجمل العمل الصحفي. فهناك مثلا ظاهرة (الاخطاء اللغوية) الناجمة عن (اخطاء مطبعية). واذا كان من المعيب ان يزود كاتب ما دورية بمادة تشوبها اخطاء لغوية صريحة, فإن الاسوأ من هذا ان يقدم لها مقالا صحيحا وسليما مئة بالمئة, من الناحية اللغوية, ثم يظهر المقال منشورا وهو يتضمن اخطاء نحوية واملائية فاحشة. وهنا يحار لكاتب ويضرب اخماسا بأسداس ويشعر بالمهانة والاسي لظهور اخطاء لم يرتكبها وليس له فيها اي ذنب. وبعد التقصي والتحري يتبين ان سبب الاخطاء سوء التنضيد والتصحيح الطباعيين والذي يمكن ان يحول كلمة مثل (افرادا) الى (افراد) و(مئات) الى (مآت) و(يقولوا) الى (يقولو) ومناوشات) الى (مناوشاة). ومع ان الاخطاء المطبعية تشوه المادة الصحفية وتجعلها احيانا, مشوشة وغير مفهومة غير ان القارىء لا يلوم الكاتب عليها لانه يعرف انه ليس مسئولا عنها. اما عندما تظهر اخطاء نحوية واملائية بسبب سوء الطباعة, فإن القارىء قد لا يفسرها على هذا الاساس وربما يتهم الكاتب والدورية بالجهل اللغوي, فتسوء سمعتهما وبالطبع فإن الحل الامثل لهذه المشكلة, يتجلى في تحسين التدقيق المطبعي بالاستناد الى اصل المادة الصحفية ولكن اذا وقع الخطأ فلا بد من التنويه به وتصحيحه في العدد التالي من الدورية. وننتقل الآن الى ظاهرة اخرى اشد خطورة, ويحدث هذا عندما تضيف دورية ما, من تلقاء نفسها كلاما لم يقله الكاتب في مقاله الاصلي اما عن سوء نية وهذا امر نادر او بهدف اغناء المقال حتى يشغل حيزا اكبر من الصفحات وهو الاغلب. ومع ان هذا النهج مرفوض من اساسه فإن الضرر يكون اخف, عندما تكون الاضافات متوافقة مع افكار الكاتب وتوجهاته, اما حينما تكون متعارضة ومتناقضة معها, فإن الاساءة تصبح كبيرة للغاية ولنا ان نتصور مدى الخطورة عندما تنسب دورية ما الى الكاتب آراء مهمة لا يؤمن بها. وقد سبق لصاحب هذا المقال ان نشر مقالا بعنوان (مواقف مع السياسة الامريكية) في عدد 11 يوليو, 1981 من مجلة (المستقبل) التي كانت تصدر منذ اكثر من عقدين من الزمن في لندن وقد ظهر المقال بعد ان اضافت اليه المجلة افكارا جديدة, من تلقاء ذاتها. واذا كان هذا يعد عملا غير شرعي فإن الاسوأ منه ان مضمون الاضافة جاء متناقضا مع افكار الكاتب وآرائه الخاصة. وقد يحق للدورية في حالات معينة وبحكم الضرورة ان تحذف بعض الجمل والعبارات وحتى الفقرات من مقال كاتب ما, شريطة ألا يؤدي هذا الحذف الى تغيير المعنى ومنع الانساق والاتصال بين اجزاء المقال, الا انه ليس من حقها ان تضيف شيئا الى المادة الاصلية بين اجزاء المقال, الا انه ليس من حقها ان تضيف شىئا الى المادة الاصلية ولا سيما عندما يتعلق الامر بالكتابة السياسية مما يمكن ان يؤدي الى احراج الكاتب وتوريطه فيما لا تحمد عقباه. ومن الظواهر السيئة في صحافتنا العربية, ان تقوم دورية ما, بنشر مقال يتضمن معلومات علمية او بيانات احصائية مهمة دون التحقق من صحتها. ومع ان اللوم في هذه الحالة يقع على الكاتب بالدرجة الاولى الا ان للدورية بعض المسئولية فيه, لان عليها ألا تقبل للنشر العلمي والفكري الا مقالات الكتاب الذين يكتبون داخل مجال تخصصاتهم وخبراتهم مما يكسب اعمالهم مصداقية وموثوقية. ومن الممارسات الصحفية السيئة, ان يعرض كاتب كتابا ما موردا افكار المؤلف الاصلي, وكأنها افكاره هو. وفي هذه الحالة, تختلط الامور على القارىء ويصبح غير قادر على التفريق بين آراء مؤلف الكتاب وآراء الكاتب الذي يعرضه. ومن الظواهر السلبية الاخرى ان تجمد الدورية مقال كاتب ما لعدة سنوات ثم تنشره بعد ذلك وفي هذه الحالة يكون قد فقد جدته ومواكبته للاحداث وتغدو المعلومات الواردة فيه عتيقة ولا تتناغم مع المستجدات. كان هذا غيضا من فيض وقطرات من ماء غزير.. ومجرد امثلة بسيطة عن ممارسات صغيرة غير مستحبة نجدها في بعض وليس في جميع دورياتنا وهناك غيرها الكثير مما يستحسن بصحافتنا العربية ان تتجنبها حرصا على سلامة مسيرتها, وقد اخترنا هذه السلبيات الصغيرة لأن حلها في المتناول. كاتب سوري