في زيارته للقاهرة الاسبوع الماضي استثمر جون قرنق قائد (الحركة الشعبية لتحرير السودان) هذه الفرصة ليعيد عرضا دعائيا لفكرة (السودان الجديد) تلك العبارة البراقة ذات الغموض المريب. واذ حاول قرنق امام اسئلة الصحفيين المتلاحقة ان يقدم شيئا من الشرح لهذا الشعار فإن الامر لم يزدد الا غموضا. اقصى ما ذهب اليه قرنق في شرح العبارة هو اضافة عبارة (المساواة) فصار التعريف هو (السودان الجديد القائم على المساواة) فلماذا يتعمد قرنق الابهام ويتحاشى الدخول في تفاصيل في هذا السياق؟ في تقديري ان الابهام متعمد ومقصود لأن الافصاح سوف يضطر قرنق لكشف لعبة الخلط العمدي بين الاستراتيجية والتكتيك التي ظل يمارسها بغير قليل من النجاح لمدى السنوات الاخيرة, هذه اللعبة يلخصها السؤال التالي: هل العدو الاستراتيجي لحركة قرنق ـ من منظور الحركة ـ هو (نظام الجبهة الاسلامية) الراهن, كما يردد قرنق على الدوام منذ عام 1989 ـ ام الغالبية الشمالية للشعب السوداني ذات الهوية الاسلامية والثقافة العربية؟ لنأخذ مثلا مسألة (المساواة) المقرونة مع عبارة (السودان الجديد) : هل المقصود منها المعنى القانوني ام المعنى الاجتماعي؟ ان (الحركة) ليس بوسعها على الاطلاق تسمية بند دستوري في الدستور الراهن او اي تشريع قانوني ساري المفعول منبثق عنه يمكن ان تدعي انه ينطوي على عدم المساواة بين المواطنين السودانيين على اساس اختلاف الهوية الدينية او الثقافية او العرقية. ولو استطاعت لفعلت ولو فعلت فإنه يكون من حقها ان تعتبر ان قضيتها محصورة في عدائها للنظام الحاكم الحالي. ومع استبعاد عدم المساواة من المنظور القانوني تبقى مسألة عدم المساواة على الصعيد الاجتماعي. ونطرح السؤال الذي يجب ان يطرح: هل الشماليون على اطلاقهم كأفراد يعتبرون الجنوبيين ادنى منهم مرتبة من منظور القيم الاجتماعية السائدة في الشمال؟ الاجابة: نعم. واذ اقول ذلك فإني ابادر الى القول ايضا ان هذه قيم رديئة تتعارض مع مبادىء الاسلام. فالتفرقة بين انسان وانسان بالمفهوم الاسلامي اساسها التقوى لا الاصل العرقي او الحسب او النسب. تأسيسا على ذلك فإن لشعب جنوب السودان قضية لكنها ليست ـ حسب طبيعتها ـ من نوع القضايا التي تعالج بقوة السلاح والحرب. واذا كان قرنق يعتمد منهج القتال المسلح في تصديه لهذه القضية فإنه يضع نفسه في مواجهة شعب اخر بأكمله.. لا (حكومة الجبهة) وحدها كما يحاول ان يوهمنا. انها قضية عظمى تتعلق بالتصالح الحضاري بين شعبين. والتصالح الحضاري لن يتحقق في مدى سنوات معدودة بأسلوب القهر القتالي. انه تطور اجتماعي بطيء قد يستغرق عشرات وربما مئات السنين عبر اجيال تعقبها اجيال. وازاء هذا الوضع فإن على الشعب الجنوبي ان يقرر ما اذا كان على استعداد لانتظار تفاعل العملية الحضارية حتى تبلغ منتهاها في المستقبل البعيد غير المرئي الآن والا يقرر الانفصال الفوري عن الشمال. وهذا هو معنى ممارسة (حق تقرير المصير) . والسؤال المتبقي هو: ألا يدرك طبيعة القضية في اطارها الصحيح؟ نعم يدرك. لكن المشكلة هي ان حركة قرنق ارتبطت ارتباطا لا فكاك منه بقوى خارجية (الولايات المتحدة, المسيحية العالمية الخ) ذات اجندة مختلفة تماما لا علاقة لها بأية نوايا حسنة تجاه السودان ـ جنوبه مع شماله.