هل البحث عن (هوية او (ذاتية ثقافية) انغماس في الماضي او استشراف للمستقبل؟ هل هو نوع من الانانية والانكفاء على الذات ولون من رفض (الآخر) والتربص به ام هو نمط من انماط التستر والتدرع والتأهب للمواجهة؟ لقد تغيرت استرتيجية الامبريالية الدولية في سعيها للسيطرة والهيمنة على العالم من اللجوء الى الغزو والاحتلال المباشر الى استخدام آليات الهيمنة الجديدة ممثلة في الشركات متعددة القوميات وفرض مفهوم (العولمة) بوصفه حضارة القرن الحادي والعشرين. واذا كانت العولمة تعني (توسيعا) لأرض ملعب العلاقات الدولية فإنها تتضمن بالضرورة (تضييقا) على فرص اللاعبين وحدا لحرية حركتهم, فأصبحت سلطة الدولة القطرية تتضاءل شيئا فشيئا مفسحة المجال امام رعاياها لمشاهدة العالم عبر القنوات الحديثة للاتصالات, وللمساهمة بجانب المشاهدة من خلال التفاعلات الاقتصادية والاعلامية وربما السياسية احيانا حين يتعلق الامر بحقوق الانسان. في خضم هذا المعترك تنكمش الشعوب النامية المستهلكة للثقافة الكونية المعلبة او المبثوثة عبر الهوائيات المفتوحة, تزداد حاجتها الى ازالة الصدأ عن بطاقة التعارف التي تدخل بها هذا المعترك ألا وهي الذاتية الثقافية التي لا تمثل مجرد بطاقة تعارف بل تمثل الى جانب ذلك سلاح الدفاع الاستراتيجي ضد هجمة (الآخر) الشرسة. يقول الخبير الاعلامي امين بسيوني في هذا المضمار: الحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية اصبح التحدي المطروح علينا بشدة في عصر السماوات المفتوحة التي تكتظ بالاقمار الصناعية التي تحمل مئات القنوات التلفزيونية من كل انحاء الدنيا بما تحمله من تأثيرات مختلفة تشكل الفكر والوجدان على السواء. وهذا التحدي ليس مطروحا علينا وحدنا في المنطقة العربية ولكنه مطروح على كل شعوب العالم التي تستشعر الخطر على هوياتها الثقافية والحضارية في ظل هذا العالم المفتوح بلا حدود والذي يتمتع فيه المشاهد بحق الاختيار المطلق لما يسمعه او يشاهده. وتنطلق الشعوب في هذا القلق من حقيقة ان العلم بطبيعته عالمي ولكن الثقافة بطبيعتها ليست عالمية, وانما هي تعبير امين وصادق عن الذاتية سواء كانت ذاتية المثقف او المبدع بالدرجة الاولى او الذاتية القومية التي يستمد منها هذا المثقف او المبدع ذاتيته الخاصة. وكلما كانت الثقافة امينة وصادقة في التعبير عن اربتطاها بجذورها الاصلية الضارية في اعماق التاريخ ومنظومة القيم المختلفة والتراث الثقافي والفني والشعبي والمرتبطة في الوقت نفسه بقضايا الواقع المعاش وطموحات وآمال المستقبل لهذا الشعب او ذاك, كلما كانت متميزة وكلما كانت قادرة على النفاذ في النطاق الاقليمي الى النطاق العالمي الواسع. والادباء الكبار الذين يفوزون بجوائز نوبل ويصبحون ادباء عالميين انما يحققون هذه المكانة بصدقهم الشديد في التعبير عن الارض التي ينطلقون منها والثقافة التي ينتمون اليها. فالصدق في التعبير عن الذاتية والمحلية هو الطريق الوحيد للعالمية, هو بطاقة الهوية الخاصة التي يتقدم بها المثقف او المبدع لحديقة الابداع الانساني المتعددة والمتنوعة بطبيعتها. وقد عبرت الوثائق الرسمية العربية عن شعورها بأهمية التربية كعامل حاسم في هذه المواجهة انطلاقا من ان (التربية يجب ان تساعد الاطفال والراشدين على تفهم افضل لثقافتهم الخاصة, ولكن في نطاق مجتمع عالمي يعتبر فيه انفتاح الثقافات الخاصة بعضها على بعض هو الوسيلة الوحيدة لازدهار اي من تلك الثقافات. فقد كان هذه العبارة احد المنطلقات المعيارية الاساسية التي تضمنتها الوثيقة الرئيسية للمؤتمر التربوي العربي الاول لوزراء التربية والتعليم العرب الذي انعقد بمدينة طرابلس في ليبيا في الخامس من ديسمبر عام 1998م. وتتميز الدراسات السابقة في هذا الموضوع بالكثرة الى درجة مزعجة تتناسب مع وصف العصر الحاضر بأنه عصر انتاج المعرفة الكثيفة. وبالرغم من ذلك فإن كثيرا مما كتب في مجال العولمة يشوبه الغموض والعمومية. ومع ذلك فهناك دراسات ذات قيمة منها: 1) دراسة جراهام طومبسون وبول هيرست, 1999 وقد درسا فيها التجليات الاقتصادية للعولمة على مستوى العالم. وانتهيا فيه الى نتيجة مهمة فيما يتعلق بالبحث الحالي, مفادها ان الاقتصاد العالمي الذي تتداخل فيه الاتجاهات القومية, هو اقتصاد تظل فيه الكيانات الرئيسية: اقتصاديات قومية او وكلاء يستمر ارتباطهم وحفاظهم على ارضهم القومية, وبالرغم من التداخل بين هذه الكيانات الاقتصادية المترابطة وما قد يحدث بينها من اندماج, فإن هناك انفصالا نسبيا بين الساحة الداخلية (الهوية) والساحة الدولية (العولمة). 2) دراسة حسن حنفي وصادق العظم 1999 وهي عبارة عن كتاب يقع في ثلاثمئة صفحة من القطع المتوسط تناول فيها المؤلفان الابعاد الاقتصادية والسياسية والتقنية والمعلوماتية لظاهرة العولمة. وخصص احد فصول الكتاب لدراسة مخاطر العولمة على الهوية الثقافية بوصفها مقدمة لمخاطر اعظم على الدولة الوطنية والاستقلال الوطني والارادة الوطنية. فالعولمة في نهاية المطاف تعني مزيدا من تبعية الاطراف للمركز او تجميعا لقوى المركز وتفتيتا لقوى الاطراف وتضع هذه الدراسة استراتيجية لمقاومة مخاطر العولمة على الهوية الثقافية تتمثل في ثلاثة عناصر هي: 1 ـ اعادة بناء التراث القديم بحيث تزال معوقاته وتستنفر عوامل تقدمه. 2 ـ كسر حدة الانبهار بالغرب ومقاومة قوة جذبه برده الى حدوده الطبيعية والقضاء على اسطورة الثقافة العالمية. 3) زيادة قدرة (الأنا) على الابداع والتفاعل مع الماضي والحاضر. 3 ـ دراسة عبدالله التوم وعبدالرؤوف آدم 1999 وقد اهتمت هذه الدراسة بواقع العولمة وأثرها في انحسار الحدود القومية ومحاولة اخضاع العالم لما يشبه التنويم المغناطيسي ومست الدراسة جانب الثقافة الذي يهتم به البحث الحالي في فصلها الحادي عشر الذي خصص لهذه النقطة كما خصص المؤلفان الفصل السادس عشر لعلاقة العالم العربي بالعولمة وانتهيا الى اهمية ان تقيد الثقافة العربية بحث امكاناتها من وقت لآخر لنكتشف مدى قدرتها على الحركة في عالم ليس من صنعها. وهذا ما يؤكد ما اشارت اليه مقدمة البحث الحالي من اهمية فحص المناهج الدراسية من حين لآخر لبحث مدى فاعليتها في تدعيم الذاتية الثقافية. نحو مفهوم مقبول للذاتية الثقافية: هل ينحني العرب لعاصفة العولمة حتى تمر؟ هذا السؤال قد يكون واردا اذا كان مرور عاصفة العولمة حتميا, ولأن هذا امر مشكوك فيه فإن استمرار الانحناء العربي سيقصم الظهور ما لم تنبعث فيها مرة ثانية ارادة ذاتية تحفزها على النهوض. ولكي يتم النهوض العربي الصامد امام عاصفة العولمة لابد ان تكون القدمان قويتين متينتين ثابتتين, وكذلك لابد ان تكون الارض ثابتة, وهاتان القدمان اللتان تحملان الجسد العربي المهدد بالسقوط هما: الدين والتاريخ. وتلك الارض الواسعة الثابتة التي يقف عليها العرب هي: اللغة. ومما يحفظه المثقفون العرب عن الفكر القومي الاشتراكي العربي المسيحي ميشيل عفلق قوله: (ان كل مسيحي عربي لابد ان يكون مسلما ثقافيا اي انه يرى ان الهوية الثقافية العربية (والاسلام احد عناصرها او لنقل كما قلنا: احد عنصريها) هي القناع الواقي الذي يرتديه كل عربي ـ دون النظر الى عقيدته ـ ازاء كل خطر قادم. وقد شبهنا اللغة التي يجتمع عليها العرب بالارض وشبهنا الدين والتاريخ اللذين يتم بهما النهوض بالقدمين لأن اللغة اقدم من الدين ومن التاريخ, فهي وان كانت جزءا من التاريخ فإنها شهدت صناعته وواكبت نموه وازدهاره. وانطلاقا من هذا الفهم فإن منظومة الذاتية الثقافية العربية تتضمن هذه الابعاد الثلاثة التي هي في الوقت ذاته المكونات الاساسية للثقافة العربية: اللغة والدين والتاريخ. ولكن هذه المكونات الثلاثة لابد ان تكون في حالة ديناميكية حتى يمكن ان توصف الذاتية الثقافية العربية بأنها حية: بمعنى انها تفعل وتنفعل تؤثر وتتأثر . وقد توفرت هذه الحيوية للذاتية الثقافية العربية عبر عصور نموها الطويلة. فعلى مستوى اللغة: اضافت اللغة العربية آلاف المفردات الى معاجم اللغات الاخرى ولا تزال في اللغات الحية المعاصرة كالانجليزية والفرنسية والايطالية وغيرها مئات الكلمات ذات الاصول العربية: صوتا ودلالة. وفي المقابل: فتح المعجم العربي ذراعيه مستقبلا آلاف الكلمات من الفارسية والعبرية والسريانية والحبشية قديما, ومن اللغات الاوروبية الحديثة. وعلى مستوى الدين: حدث تطور هائل في الفقه الاسلامي على مدى العصور بحيث تحققت بالفعل مواءمة صلاحية الشرعية لكل زمان ومكان فأصلحت المجامع الفقهية المعاصرة تقدم حلولا شرعية اجتهادية مبنية على اسس علمي اصول الفقه والفقه لكثير من المعاملات المعاصرة كحوادث القتل الخطأ, ومعاملات البنوك والائتمان والتأمين والتحويلات ونقل الاعضاء. بل حتى في الامور المتعلقة بالعيادات ذاتها استطاع الفقه المعاصر تقديم حلول لتكدس لحوم الاضاحي في المشاعر المقدسة بمنى, وأمكن تقديم اجتهادات مماثلة في مناسبات الصوم والفطر وتقدير احكام شرعية كثيرة تلائم الاقليات المسلمة التي تعيش في ظروف مغايرة تماما لتلك الظروف التي تم تدوين الفقه الاسلامي تحت تأثيرها. وقد استندت التطورات المعاصرة في الفكر الديني الى تراث علماء العصور التالية لعصر النبوة حيث حقق الاجتهاد تقدما علميا ملحوظا. وعلى مستوى التاريخ: اسهم العرب اسهاما واضحا في صنع التاريخ الانساني بما قدموه من اسهامات علمية في العصور المبكرة والوسطى كما استطاعوا السيطرة السياسية والعسكرية على قطاعات عريضة من العالم, وتركوا بصماتهم الحضارية حتى اليوم في تلك البلدان التي حكموها, كما انهم في المقابل افادوا من حضارات كثيرة سادت ثم بادت ولا يزال التاريخ العربي سجلا حافلا بمئات الشواهد من عمليات التفاعل الثقافي بين العرب وغيرهم. وتأسيا على ما سبق يمكن القول بأن الذاتية الثقافية العربية تجمع عناصر التراث المشترك للدين واللغة والتاريخ بما يشكل في النهاية وحدة ثقافية عربية, تتكون تلقائيا من اندماج وتكامل عدة ذاتيات ثقافية اصغر حجما لكل دولة على حدة فلكل دولة تراثها الثقافي بخصوصيته المعروفة. ولكن وجود العناصر الثلاثة يمكن ان يؤدي في النهاية الى ما اطلق عليه في مرحلة نشوء الجامعة العربية مشروع (الوحدة الثقافية العربية) والذي عبرت عنه مفردات كثيرة من المنتديات والاجتماعات الرسمية للوزراء العرب. وفيما بعد بدأت المتغيرات الدولية تتسارع مهددة كل القوميات وكل الوحدات الثقافية في العالم اجمع. وصار العالم نهبا لقطبين كبيرين هما الولايات المتحدة الامريكية كزعيم قوي للتيار الرأسمالي السائد في الغرب, والاتحاد السوفييتي كزعيم تقليدي للاتجاه الاشتراكي السائد في الشرق, وبدأت الحرب الباردة بين القطبين تمر بموجات مد وجزر فتتباعد احيانا وتتقارب احيانا اخرى. ومع بداية مرحلة الحرب الباردة في عام 1972 بين القطبين الامريكي والروسي تشكلت ملامح العصر العالمي الجديد الذي نعيشه الآن والذي اتفق السياسيون على تسميته بالنظام العالمي الجديد او الأمر الجديد او النظام احادي القيادة. ومنذ بداية الحرب الباردة وسياسة كلا القطبين تحفر الطريق لم آل اليه كل منهما فانهار القطب السوفييتي وتفتت وتضخم القطب الامريكي ويحاول الآن امتلاك كل مفاتيح السيادة في العالم بعد ان انفرد بالساحة السياسية وهيمن على الاقتصاد العالمي ونثر منظومة القيم الامريكية في عقول النخبة الفكرية الموؤثرة في مختلف دول العالم. والغريب ان كلا القطبين كان ينفذ سياسة خارجية واحدة تجاه الصفوة في العالم فقد اتخذ كل من الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة الامريكية هدفا استراتيجيا واحدا في مد النفوذ على الدول الاخرى يتمثل في التأثير في البناء الفكري للنخبة المؤثرة واجتذاب ولائها الفكري والتحكم في افكارها المستقبلية عبر اقناعها بأن النظرية السياسية التي يروج لها هي الافضل وان ما يروج له القطب الآخر هو الشر بعينه ولكن اختلفت الاساليب التي مارسها كل قطب تجاه الصفوة المؤثرة فتباينت ردود الفعل ووصلنا الى ما نحن فيه الآن. ويعتبر مشروع التكامل الاقليمي المصاحب لعملية التسوية الراهنة للصراع العربي الاسرائيلي واحدا من اهم الاخطار التي تهدد الهوية القومية العربية ان لم يكن اهمها على الاطلاق لأن ذلك في النهاية هو طمس هذه الهوية الجامعة للأمة العربية وتفكيك ترابطها وتجزيء الوطن العربي الى اجزاء منفصلة لا رابط بينها مستفيدا من حالة الانحسار المريرة التي تواجه الحركة بعد ضربتين أليمتين تعرضت لهما: الاولى هي الاستسلام الغربي امام المشروع الصهيوني والقبول بمنظوره في حل الصراع بما يحقق اهدافه, والثانية هي حرب الخليج الثانية التي حطمت الكثير من الثوابت والمحرمات التي ظل العمل الغربي والحركة العربية ملتزمتين بها على مدى العقود الخمسة الماضية من نشأة الدول القطرية العربية. فالمشروع الاقليمي يطرح كبديل للمشروع القومي العربي حيث يأخذ من قاعدة الانتماء الجغرافي الواحد اساسا لدعوة تكاملية وظيفية بدلا من قاعدة الهوية العربية الجامعة لكافة الاقطار العربية كأساس للمشروع الوحدوي العربي. والهدف الاساسي لهذا المشروع مزدوج فهو من ناحية يريد ان يعطي لاسرائيل الوجود في المنطقة ونزع كل عوائق اندماجها الاقليمي مع من تريد من دولها وهو من ناحية اخرى يرمي الى كسر وحدة الامة بتغييب هويتها الموحدة الجامعة, واعطاء الفرصة لاستراتيجية كل الاطراف لجذب دول عربية الى هياكل وارتباطات مع دول اقليمية مجاورة بعيدا عن قاعدة التوحد العربي, وهو ما يمكن اسرائيل من فرض الهيمنة على منطقة القلب والقيام بدور الدولة القائد في الاقليم الشرق اوسطي. وهناك رأي يقول ان امريكا كانت تفتش عن موقع تتبين من خلاله الدرجة التي بلغها تحكمها بالعالم وهو تحكم ظل يفعل فعله الى ان تسبب في انقلاب كوني لا سابق له نجم عن انهيار الاتحاد السوفييتي فحين حدثت أزمة الخليج وجدت واشنطن الفرصة التي كانت تتحينها فاستغلتها لاظهار الطبيعة الحقيقية للنظام الدولي واستخدمتها ليس من اجل (نظام عالمي جديد) لم ينقطع يوما عن الوجود هو النظام الامريكي للعالم, بل للاعلان عن وجود هذا النظام واسماء اطرافه وعن دخوله في طور الفاعلية طور ردع خصومها واعدائها الفعليين والمحتملين في المنطقة العربية والعالم. (النظام الدولي الجديد) هو اذا نقطة انعطاف نوعية في تراكمات عالمية واقليمية كانت تتكرس في واقعنا منذ وقت طويل, الى ان نقلتنا من واقع يتمحور حول دولتين عظيمتين الى واقع نقيض محوره دولة واحدة هي امريكا, هذا النظام تقاطع مع حقائق تكونت بفضله ايضا في الوطن العربي منها: نهاية المشروعات والطموحات التي رمت الى تحويل الوطن العربي من موضوع لارادات الآخرين الى ذات مستقلة وفاعلة هي موضوع ذاتها ترى نفسها بدلالة مصالحها وخططها واهدافها الخاصة بدلا من ان تراه بدلالة مصالح الآخرين وخططهم واهدافهم مع انخراطها في النظام الجديد. هذا على المستوى السياسي/ العسكري اما على المستوى الاقتصادي الثقافي فقد تم الترويج بكثافة لمفهوم العولمة باعتباره خلاصة الحضارة الغربية الرأسمالية والوصفة السحرية لدخول القرن الحادي والعشرين. علاقة العولمة بالهوية الثقافية: اصبح مفهوم (العولمة) اكثر المفاهيم المستخدمة تداولا في التحليل السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال سنوات التسعينيات من القرن العشرين بوصفها مخاضا للقرن الحادي والعشرين الموصوف حتى الآن بأنه سيكون قرن تكنولوجيا المعلومات. وليس البحث الحالي بحاجة الى نفض الغبار عن تلك التعريفات المتضاربة للعولمة فقد اشار متخصصون كثيرون الى انها تفتقر الى تعريف واضح محدد ولكن من الممكن الاستئناس بالتعريف الذي ارتضته اوروبا لهذا المفهوم حيث ورد في تقرير اللجنة الاوروبية على النحو التالي العولمة: يمكن ان تعرف بأنها العملية التي عن طريقها تصبح الاسواق والانتاج في الدول المختلفة تعتمد كل منها على الاخرى بشكل متزايد بسبب ديناميكيات التجارة في السلع والخدمات وتدفق رأس المال والتكنولوجيا وهي ليست ظاهرة جديدة ولكنها استمرار للتطورات التي تتابعت لفترة طويلة من الزمن. ويلاحظ على هذا التعريف انه ذو طابع اقتصادي بحت ومن ثم فإنه لم يقل كثيرا على ما يدل عليه ضمنا من حتمية ذوبان الهويات الوطنية في عمليات تدويل الاقتصاد. ويحدد المفكر العربي محمد عابد الجابري عشر اطروحات لعلاقة العولمة بالهوية الثقافية على النحو التالي: الاطروحة الاولى: ليست هناك ثقافة عالمية واحدة, بل ثقافات ويقصد بالثقافة هنا: ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والابداعات والتطلعات التي تحتفظ لجماعة بشرية, تشكل امة او ما في معناها, بهويتها الحضارية, في اطار ماتعرفه من تطورات بفعل ديناميتها وقابليتها للتواصل والاخذ والعطاء. وبعبارة اخرى ان الثقافة هي المعبر الاصيل عن الخصوصية التاريخية لأمة من الامم عن نظرة هذه الامة الى الكون والحياة والموت والانسان ومهامه وقدراته وحدوده, وما ينبغي ان يعمل وما لا ينبغي ان يأمل. تلزم عن هذا التعريف, لزوما ضروريا النتيجة التالية وهي تشكل قلب هذه الاطروحة وجوهرها وهي انه: ليست هناك ثقافة عالمية واحدة, وليس من المتحتمل ان توجد في يوم من الايام وانما وجدت وتوجد وستوجد ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية او بتدخل ارادي من اهلها على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة. من هذه الثقافات ما يميل الى الانغلاق والانكماش ومنها ما يسعى الى الانتشار والتوسع ومنها ما ينعزل حينا وينتشر حينا آخر. الاطروحة الثانية: الهوية الثقافية مستويات ثلاثة: فردية, وجمعوية, وطنية قومية, والعلاقة بين هذه المستويات تتحدد اساسا بنوع (الآخر) الذي تواجهه ان الهوية الثقافية كيان يصير يتطور وليست معطى جاهزا ونهائيا. هي تصير وتتطور اما في اتجاه الانكماش واما في اتجاه الانتشار وهي تغتني بتجارب اهلها ومعاناتهم وانتصاراتهم وتطلعاتهم وايضا باحتكاكها سلبا وايجابا مع الهويات الثقافية الاخرى التي تدخل معها في تغاير من نوع ما. وهناك ثلاثة مستويات في الهوية الثقافية لشعب من الشعوب: الهوية الفردية والهوية الجمعوية والهوية الوطنية (او القومية) والعلاقة بين هذه المستويات ليست قارة ولا ثابتة بل هي في مد وجزر دائمين يتغير مدى كل منهما اتساعا وضيقا, بحسب الظروف وانواع الصراع واللاصراع والتضامن واللاتضامن, التي تحركها المصالح: المصالح الفردية والمصالح الجمعوية والمصالح الوطنية والقومية. الاطروحة الثالثة: لا تكتمل الهوية الثقافية الا اذا كانت مرجعيتها: جماع الوطن والامة والدولة لا تكتمل الهوية الثقافية ولا تبرز خصوصيتها الحضارية ولاتغدو هوية قادرة على نشدان العالمية, على الاخذ والعطاء, الا اذا تجسدت مرجعيتها في كيان مشخص تتطابق فيه ثلاثة عناصر: الوطن والامة والدولة. الوطن: بوصفه (الارض والاموات) او الجغرافيا والتاريخ, وقد اصبحا كيانا روحيا واحدا, يعمر قلب كل مواطن: الجغرافيا وقد اصبحت معطى تاريخا والتاريخ وقد صار موقعا جغرافيا. الأمة بوصفها النسب الروحي الذي تنسجه الثقافة المشتركة وقوامها ذاكرة تاريخية وطموحات تعبر عنها الارادة الجماعية التي يصنعها حب الوطن, اعني الوفاء لـ (الارض والاموات) للتاريخ الذي ينجب والارض التي تستقبل وتحتضن. الدولة: بوصفها التجسيد القانوني لوحدة الوطن والامة والجهاز الساهر على سلامتها ووحدتهما وحماية مصالحهما. وتمثيلهما ازاء الدول الاخرى, في زمن السلم كما في زمن الحرب ولابد من التمييز بين (الدولة) ككيان مشخص ومجرد في الوقت نفسه كيان يجسد وحدة الوطن والامة من جهة والحكومة او النظام السياسي الذي يمارس السلطة ويتحدث باسمها من جهة اخرى وواضح اننا نقصد هنا المعنى الاول. الاطروحة الرابعة: ليست العولمة مجرد آلية من آليات التطور الرأسمالي, بل هي ايضا وبالدرجة الاولى ايديولوجيا تعكس ارادة الهيمنة على العالم العولمة التي يجري الحديث عنها الآن: نظام او نسق ذو ابعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد, العولمة الآن نظام عالمي او يراد لها ان تكون كذلك يشمل مجال المال والتسويق والمبادلات والاتصال... الخ كما يشمل ايضا مجال السياسة والفكر والايديولوجيا. والعولمة تعني ايديولوجيا التعبير بصورة مباشرة عن ارادة الهيمنة على العالم وامركته وقد حددت وسائلها لتحقيق ذلك في الامور التالية: 1) استعمال السوق العالمية اداة للاخلال بالتوازن في الدول القومية, في نظمها وبرامجها الخاصة بالحماية الاجتماعية. 2) اتخاذ السوق والمنافسة التي تجري فيها مجالا لـ (بالمعنى الدارويني للكلمة, اي وفقا لنظرية داروين في (اصطفاء الانواع والبقاء للاصلح) وهذا يعني ان الدول والامم والشعوب التي لا تقدر على (المنافسة) سيكون مصيرها بل يجب ان يكون الانقراض. 3) اعطاء كل الاهمية والاولوية للاعلام لاحداث التغيرات على الصعيدين المحلي والعالمي باعتبار ان (الجيوبوليتيك) او السياسة منظورا اليها من زاوية الجغرافيا, وبالتالي الهيمنة العالمية, اصبحت تعني اليوم مراقبة (السلطة اللامادية) سلطة تقانة تكنولوجية الاعلام التي ترسم اليوم الحدود في (الفضاء السيبرنيتي) حدود المجال الاقتصادي السياسي التي ترسمها وسائل الاتصال الالكترونية المتطورة. وهكذا فبدلا من الحدود الثقافية, الوطنية والقومية, تطرح ايديولوجيا العولمة حدودا اخرى غير مرئية ترسمها الشبكات العالمية بقصد الهيمنة على الاقتصاد والاذواق والفكر والسلوك. الاطروحة الخامسة: العولمة شيء و(العالمية) شيء آخر, العالمية تفتح على العالم, على الثقافات الاخرى, واحتفاظ بالخلاف الايديولوجي, اما العولمة فهي نفي الآخر واحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الايديولوجي. العولمة ارادة للهيمنة, وبالتالي قمع واقصاء للخصوصي, اما العالمية فهي طموح الى الارتفاع بالخصوصية الى مستوى عالمي, العولمة احتواء للعالم, والعالمية تفتح على ما هو عالمي وكوني. نشدان العالمية في المجال الثقافي, كما في غيره من المجالات, طموح مشروع ورغبة في الاخذ والعطاء في التعارف والحوار والتلاقح, انها طريق الانا للتعامل مع الآخر بوصفه (انا ثانية) طريقها الى جعل الايثار يحل محل الاثرة, اما العولمة فهي طموح, بل ارادة لاختراق (الآخر) وسلبه خصوصيته, وبالتالي نفيه من (العالم) العالمية اغناء للهوية الثقافية, اما العولمة في اختراق له وتمييع. والاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة يريد الغاء الصراع الايديولوجي صراع حول تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتشريع للمستقبل, اما الاختراق الثقافي فيستهدف الاداة التي تم بها ذلك التأويل والتفسير والتشريع, يستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم: الادراك الاطروحة السادسة: ثقافة الاختراق تقوم على جملة اوهام هدفها: التطبيع مع الهيمنة وتكريس الاستتباع الحضاري ولا يعني حلول الاختراق الثقافي محل الصراع الايديولوجي, كما يريد المبشرون بالعولمة ان يوهموا الناس, كلا ان الاختراق الثقافي, بالعكس من ذلك محمل بأيديولوجيا معينة, هي ايديولوجيا الاختراق, وهي تختلف عن الايديولوجيات المتصارعة, كالرأسمالية والاشتراكية, في كونها لا تقدم مشروعا للمستقبل, لا تقدم نفسها كخصم بديل آخر تسميه وتقاومه, وانما تعمل على اختراق الرغبة في البديل وشل نشدان التغيير لدى الافراد والجماعات. الاطروحة السابعة: نظام يعمل على افراغ الهوية الجماعية من كل محتوى, ويدفع الى التفتيت والتشتيت, ليربط الناس بعالم اللاوطن واللاأمة واللادولة, أو يغرقهم في اتون الحرب الاهلية. ومع التطبيع مع الهيمنة والاستسلام لعملية الاستتباع الحضاري يأتي فقدان الشعور بالانتماء لوطن او امة او دولة, وبالتالي افراغ الهوية الثقافية من كل محتوى, ان العولمة عالم من دون دولة, من دون امة, من دون وطن, انه عالم المؤسسات والشبكات العالمية (عالم الفاعلين) وهم المسيرون و(المفعول فيهم) وهم المستهلكون للسلع والصور والمعلومات والحركات والسكنات التي تفرض عليهم, اما وطنهم فهو الفضاء المعلوماتي الذي تصنعه شبكات الاتصال, الفضاء الذي يحتوي ـ يسيطر ويوجه ـ الاقتصاد والسياسة والثقافة. العولمة نظام يقفز على الدولة والامة والوطن, نظام يريد رفع الحواجز والحدود امام الشبكات والمؤسسات والشركات المتعددة الجنسية, وبالتالي اذابة الدول الوطنية وجعل دورها يقتصر على القيام بدور الدركي لشبكات الهيمنة العالمية, والعولمة تقوم على خصوصية, اي على نزع ملكية الوطن والامة والدولة ونقلها الى الخواص في الداخل والخارج, هكذا تتحول الدولة الى جهاز لا يملك ولا يراقب ولا يوجه, واضعاف سلطة الدولة والتخفيف من حضورها لفائدة العولمة يؤديان حتما الى استيقاظ وايقاظ اطر للانتماء سابقة على الامة والدولة, اعني القبيلة والطائفة والجهة والتعصب المذهبي.. الخ والدفع بها جميعا الى التقاتل والتناحر والافناء المتبادل, الى تمزيق الهوية الثقافية الوطنية القومية.. الى الحرب الاهلية. ولابد من التأكيد هنا على ان مفهوم الهوية الثقافية القومية المقصود هنا بمعنى الهوية المشتركة لجميع ابناء الوطن العربي من المحيط الى الخليج, لا يعني قط الغاء ولا اقصاء الهويات الوطنية القطرية انه لا يعني فرض نمط ثقافي معين على الانماط الثقافية الاخرى, المتعددة والمعايشة, عبر تاريخنا المديد داخل الوطن العربي الكبير, كلا, ان التعدد الثقافي في الوطن العربي واقعه اساسية لا يجوز القفز عليها, بل بالعكس لابد من توظيفها بوعي في اغناء واخصاب الثقافة العربية القومية وتوسيع مجالها الحيوي. الاطروحة الثامنة: العولمة وتكريس الثنائية والانشطار في الهوية الثقافية العربية ان الاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة لا يقف عند حدود تكريس الاستتباع الحضاري بوجه عام, بل انه سلاح خطير يكرس الثنائية والانشطار في الهوية الوطنية القومية, ليس الآن فقط, بل على مدة الاجيال الصاعدة والقادمة, ذلك ان الوسائل السمعية والبصرية المرئية واللامرئية التي تحمل هذا الاختراق وتكرسه انما تملكها وتستفيد منها فئة معينة هي النخبة العصرية وحواشيها, فهي التي تستطيع امتلاكها والتعامل مع لغاتها الاجنبية, بحكم التعليم العصري الذي تتلقاه امام عموم الشعب, وعلى رأسه النخبة التقليدية فهو في شبه عزلة يجتر بصورة او بأخرى ثقافة (الجمود على التقليد, والنتيجة استمرار اعادة انتاج متواصلة ومتعاظمة للثنائية نفسها, ثنائية التقليدي والعصري, ثنائية الاصالة والمعاصرة في الثقافة والفكر والسلوك. الاطروحة التاسعة: ان تجديد الثقافة, اية ثقافة, لا يمكن ان يتم إلا من داخلها: باعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها, والتماس وجوه من الفهم والتأويل لمسارها تسمح بربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل. الاطروحة العاشرة: ان حاجتنا الى الدفاع عن هويتنا الثقافية بمستوياتها الثلاثة, لا تقل عن حاجتها الى اكتساب الاسس والادوات التي لابد منها لدخول عصر العلم والتقانة, وفي مقدمتها العقلانية والديمقراطية. علاقة اللغة بالذاتية الثقافية: من الطبيعي ان تجرف موجات العولمة العاتية كل السابحين في تيارها ما لم يكونوا مسلحين بخصوصيات ثقافية قادرة على المقاومة والسباحة ضد التيار او على الاقل الى جانبه, واللغة هي وعاء الفكر ووسيلة التواصل بين المتحدثين بها ومن ثم فهي احد المضادات الحيوية للعولمة. ومن اصالة الهوية القومية قوة الاستمساك باللغة, فاللغة القومية كما يقول رايشمان مفهوم سك سكا اجتماعيا تاريخيا وهو يرجع الى وجود نظام لغوي شامل يمكن تسميته باللغة الموحدة, او اللغة المشتركة التي تدونها الجماعات الناطقة بها. ويشبه ماريو باي اللغة بأنواع النقود من حيث ان القيمة الحقيقية للنقود لا تكمن في ذاتها وانما تنتج قيمة النقود مما يضفيه عليها المجتمع الذي يتعامل بها, وهذا يعني, كما يقول د. رمضان عبدالتواب ان قيمة اللغة في تمسك اهلها بها, ورواجها بينهم, واحترامهم اياها. ويبذل مجمع اللغة العربية في مصر, مع المجامع اللغوية العربية الاخرى, جهودا كبير في الحث على احترام اللغة العربية وصيانتها من العبث بها, وتوصية الجامعات والمراكز والبحوث والمؤسسات التعليمية المختلفة ببذل اقصى الجهد لتعريب التعليم والافادة من المعاجم العلمية التي ينتجها في مجالات العلوم الطبيعية والحيوية والاساسية وما ذلك كله إلا لون من الوان الحفاظ على اللغة لكونها صورة الهوية. واذا سرنا مع الادب العربي في عصوره الحديثة وتابعنا ما يترجم سنويا من اعمال الادباء العرب الى اللغات الاخرى للمسنا تطورا ملحوظا للدراسات المهتمة بالادب المقارن, والتي تعكس من خلال ترجمة النصوص الروائية بصفة خاصة انماط حياة المجتمعات الاخرى فتكون الذاتية الثقافية التي تعكسها رواية ما, معبرة عن حضارة وتراث وواقع الامة التي انتجت فيها تلك الرواية. وقد عني المفكر الانجليزي تيري ايجلتون بهذه الظاهرة واعتبر ظهور اعمال لادباء من العالم الثالث المتحدث بالانجليزية ممن لا يحمل اصحابه الهوية البريطانية مأرقا حقيقيا. وفي وصفه للمأزق الثقافي الذي نشأ في انجلترا اثر ظهور اجيال جديدة من متحدثي الانجليزية دون الانتماء للهوية البريطانية, بين لنا تيري كيف تحول البحث الاكاديمي المعني بـ (الدراسات الانجليزية) الى (ادب العالم الثالث المكتوب بالانجليزية) الى ان صار يطلق عليه (ادب الكومنولث) . وقد ادى الاحساس باتساع مفهوم الادب المكتوب بلغة واحدة ويعكس ذاتيات ثقافية متنوعة بإيجلتون الى الاعتقاد في امكانية تحول الادب الى لغة عالمية مشتركة فهو بمثابة وحدة سياسية تتيح للجميع حقا متساويا في المشاركة مثلما يشترك المواطنون في تأسيس الدولة على مبدأ المساواة. وانطلاقا من هذا المبدأ فإن مناهج اللغة العربية التي تدرس في مدارسنا يجب ان تحمل عدة رسائل في آن واحد: الاولى: ان توطد العلاقة بين المتعلمين والخصوصية الثقافية لمجتمعاتهم. الثانية: ان يتم تدريسها تدريسا فعالا جذابا يقوي انتماء دارسيها اليها. الثالثة: ان تتضمن تلك المناهج قدرا من المعرفة بقضايا العولمة والهوية لما لذلك من اهمية في ربط المتعلم ببيئته وقومه. علاقة التاريخ بالذاتية الثقافية ولا يقل خطر العولمة على التاريخ عن خطرها على اللغة, بل ان التاريخ عند اي شعب من الشعوب قد يكتسب قداسة تفوق قداسة اللغة, فعلى حين يفرط الانسان المصري في لغته القومية ويكتب اسماء المحال التجارية باللغة الانجليزية, نجده يرفض بشدة ان يزور تاريخه, او تهان رموزه الوطنية او ينسب اليه او الى احد زعمائه ما يرى فيه مساسا بسيادته وشموخه, ولذلك يستشعر المصريون حاليا خطر العولمة على تاريخ الامة العربية جمعاء. فبعد ان انتهت الامبريالية الامريكية الصهيونية من اسقاط المعسكر الاشتراكي العالمي وتحويل دوله الداعمة في حينها لبلدان العالم الثالث الى مزاحمة لهذه البلدان في التسول على ابواب المنظمات الاقتصادية الدولية. اصبحت الامبريالية الامريكية الصهيونية متفرغة للعالمين العربي والاسلامي كليا, بالتصدي لأية عملية تنموية واجهاضها في اي منهما. وبدلا من ان يكلف الامبرياليون الصهاينة انفسهم العناء القتالي في هذا البلد او ذاك فإنهم يستعدون بعضهم على البعض الآخر في هذه البلدان, ويقومون بتشجيع المنظمات الارهابية المتطرفة المتصارعة فيما بينها او مع حكوماتها او ضد شعوبها, ويمدونها بكل انواع التمويل والتسليح والتدمير والتخريب والتخلف. كل شيء بثمنه المضاعف عشرات المرات وعلى الشعوب المستضعفة ان تدفع الثمن اضعافا مضاعفة سواء من ابنائها الابرياء او ثمنا للأسلحة التي اشتراها المتحاربون منها حتما بعد اضافة الفوائد الربوية الفاحشة عليها عدة مرات وكل هذا يؤخر مسيرة التنمية في هذه البلدان عشرات السنين وربما القرون. وشواهد التاريخ تدل على مواقف حاسمة في الدفاع عن الذاتية الثقافية ضد موجات الغزو الفكري والثقافي وتعد فرنسا رائدة في هذا الميدان. فقد اثار التدفق الاعلامي والثقافي القادم من الولايات المتحدة الامريكية قلق فرنسا. فقد علق شارل ألبير ميشاليه على ظاهرة التدفق الاعلامي الامريكي فرأى انها من اخطر الظواهر تهديدا للأمن الثقافي والايديولوجي والوحدة والهوية القومية داخل اليوم الوطني للدولة. وحين ارست اوروبا معاهدة ماستريخت ضمن مسيرة البناء الاوروبي الموحد, اجري استفتاء على تلك المعاهدة التي تدعم الوحدة الاوروبية في 20 يوليو 1992 ووفق عليها. ولكن ألين كوتا Alain Kotta اصدر كتابا عنوانه (من اجل اوروبا: ضد ماستريخت) التي رأى فيها ـ شأن كل اليسار الفرنسي خطرا على السيادة الفرنسية وتخوفا من الهيمنة الالمانية. ان اي تعاون دولي بريء من الهوى تتقبله المجتمعات بروح السماحة ما دام قائما على التسامح واحترام الثقافات اما العولمة بمفهومها الامريكي المعاصر فإنها لا تمثل نمطا من انماط التعاون الدولي, بقدر ما تمثل هيمنة القوة وغطرسة الكبرياء, وغرور الثروة وهي بهذه الاسلحة ومن منطلق عقدة النقص التي يحس بها الامريكيون من جهة حداثة دولتهم وكونها بلا تاريخ عريق, تحاول ان تنتقص اقدار الدول ذات التاريخية العريقة. مما يضاعف العبء على مناهج التاريخ في الدول المستهلكة للثقافة الامريكية بنوع خاص. عميد كلية التربية ـ سوهاج ـ مصر من كتاب (البيان)