بقلم: أحمد عمرابي في كتابهما (ما وراء الاسطورة: ياسر عرفات والثورة الفلسطينية) يقول الصحفيان البريطانيان اندرو جوارز وتوني ووكر ان ابرز ما يميز شخصية عرفات كزعيم سياسي هو الأسلوب المسرحي. واذا كان أبو عمار قد قضى عمرا سياسيا كاملا يمارس التمثيل السياسي فانه يجد نفسه الان, وقد بلغ السجال التفاوضي بينه وبين الاسرائيليين ذروته, امام اختبار صعب يتصل بفرع اخر من فروع الفن المسرحي.. الا وهو الاخراج. القصة روتها (لوموند) احدى كبريات الصحف الفرنسية: لقد توصل الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي الى اتفاق حول الخطوط العريضة لمستقبل الارض الفلسطينية بما يعرف باسم (الوضع النهائي) .. وهو اتفاق حسم, كما تروي الصحيفة, القضايا المصيرية الثلاث التي تعتبر ثوابت فلسطينية: القدس واللاجئون والمستوطنات. وتقول الصحيفة الفرنسية ان الاتفاق ينطوي على تنازل فلسطيني كامل تقريبا عن هذه الثوابت. لكن يبقى الاختبار التاريخي الحرج الذي يواجه عرفات: كيف يمكن بيع الاتفاق للشعب الفلسطيني؟ وبالاحرى كيف يمكن اخراجه مسرحيا بحيث يبدو التنازل وكأنه انتصار وطن؟ الخطوط العريضة لبنود الاتفاق كما تروى (لوموند) هي كما يلي: القدس: تبقى تحت السيادة الاسرائيلية عاصمة موحدة للدولة اليهودية لكن يسمح بمشاركة فلسطينية تتخذ شكل ادارة بلدية في الجزء الشرقي من المدينة المقدسة. اما عاصمة الدولة الفلسطينية المرتقبة فسوف تكون قرية أبو ديس الواقعة في ضواحي القدس على ان يطلق عليها (القدس العربية) ! اللاجئون: يسمح بعودة (رمزية) .. أي عدد محدود من اللاجئين.. ربما مئات او الاف (من بين 3.5 مليون لاجيء). المستوطنات الواقعة في الضفة وغزة: تتبع اراضي المستوطنات للسلطة الفلسطينية على ان تكون (مستأجرة) لاسرائيل.. وان تتولى السلطات الاسرائيلية ايضا مسئولية امن هذه المستوطنات. وهكذا تنتهي (ثورة حتى النصر) الى تسليم ما تبقى من فلسطين التاريخية الى اليهود.. بموافقة فلسطينية. فالقدس سوف تذهب نهائيا.. وملايين اللاجئين لن يعودوا الى وطنهم.. والسيادة الأمنية الاسرائيلية على المستوطنات سوف تكون السيادة الحقيقية حينها جنبا الى جنب مع سيادة فلسطينية شكلية. ورغم ان المصادر الرسمية على الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي نفت رواية (لوموند) الا ان النفي يمكن ان يؤخذ به على اساس ان التفاصيل الفنية الدقيقة لم يفرغ من وضعها بعد. فبهذا المعنى لا يعتبر الاتفاق مبرما من المنظور الرسمي رغم انه واقع من ناحية الخطوط العريضة. ولا ادري كيف يواجه عرفات مسألة (الاخراج) . ربما يعرض المشاركة الفلسطينية في ادارة مدينة القدس على المستوى البلدي على اساس انها مشاركة حقيقية في السيادة. وربما يعرض (ابو ديس) على اساس انها القدس الشرقية.. وقد يقول ان العودة الرمزية لعدد من اللاجئين تعتبر دفعة اولى. وربما يتباهى بان الطرف الفلسطيني (فرض) على الاسرائيليين السيادة الفلسطينية على المستوطنات. ومما لاشك فيه ان مثل هذا الاتفاق سوف تصحبه اذا أبرم فعلا حملة ترويجية عالمية ضخمة تلعب فيها واشنطن دور قائد الاوركسترا لتصوير بنود الاتفاق كمكاسب تاريخية للشعب الفلسطيني. فهل يقبل الشعب الفلسطيني الاتفاق؟ وماذا سيقول التاريخ عن عرفات؟