تلعب المصالح دورا مهما في تشكيل العلاقات السياسية والاقتصادية بين دول العالم المختلفة, بل هي القاعدة الأساسية في بناء تلك العلاقات, وجود مصلحة دولة لدى الدولة الأخرى يمكنه أن يحرر قادتها من القيود الأيديولوجية والفكرية, وتنفيذا لتك القاعدة نجد زعماء دول يقفون على النقيض تماما من زعماء دول أخرى في كل توجهاتهم, لكنهم على استعداد لنسيان ما يفرقهم والإمساك بما يجمعهم, والحديث وتبادل الابتسامات والأنخاب ويخلو كل زعيم إلى نفسه, أو إلى أعضاء وفده لإحصاء المكسب والخسارة في لقاء الآخر الغريم. العلاقات ما بين أسبانيا والمغرب لا تخلو أبدا من مثل هذا المشهد, وان كانت تطورت إلى أبعد الحدود, وقاربت ما بين المسئولين في المغرب وأسبانيا الديمقراطية الطالعة من رماد دكتاتورية الجنرال فرانكو, بل أن الحكومات الأولى التي تولت الحكم في أسبانيا, منذ إقرار الدستور الديمقراطي وإجراء أول انتخابات عامة وديمقراطية في عام 1978 , كانت تعي دائما مدى أهمية التقارب مع المغرب, باعتباره الجار الذي تجمعه مع أسبانيا حدود جغرافية وسياسية تفسدها من وقت لآخر مشكلة (سبت) و (مليلية) , خاصة بعد أن نجحت المغرب في احتلال الفراغ الذي تركه انسحاب الجيش الأسباني من الصحراء الغربية بفضل تغاضي أسبانيا عن مسئوليتها في هذه المسألة. كانت الحكومات الاشتراكية الأسبانية المتعاقبة التي رأسها فيليبي جونثالث منذ عام 1982 وحتى عام 1996 حريصة على مد حبال الود مع المغرب, بل أرسى الزعيم الاشتراكي الأسباني تقليدا سياسيا أصبح من تقاليد السياسة الخارجية الأسبانية, وهو أن أول زيارة يقوم بها أي رئيس وزراء أسباني بعد كل انتخابات عامة تكون للمغرب, وهي السياسة التي اتبعها أيضا رئيس الوزراء الجديد اليميني خوسيه ماريا أزنار, الذي تولى الحكم بعد هزيمة الاشتراكيين وخروج فيليبي جونثالث من الحكم عام 1996 , فقد كانت أول زيارة دولة يقوم بها رئيس الوزراء الأسباني اليميني للخارج إلى المغرب, وكانت زيارته هذا الأسبوع إلى الرباط أول زيارة يقوم بها بعد فوزه مجددا في الانتخابات العامة التي جرت في شهر مارس الماضي . لكن هذه الزيارة لم تكن كالسابقة, ولولا الحاجة المتبادلة بين الدولتين ما كان يمكن لرئيس الوزراء الأسباني أن يجد أحضان المغرب مفتوحة كما وجدها في السابق, ولولا حاجة المغرب إلى أسبانيا في الظروف الراهنة, خاصة أن خوسيه ماريا أزنار كسر قاعدة أسبانية مهمة, وهي قيامه بزيارة رسمية لمدينة سبتة بشمال المغرب بحثا عن دعم سكانها الانتخابي له, التي تعتبرها حكومة الرباط مغربية تخضع للاحتلال الأسباني, وتستغل كل فرصة ممكنة للمطالبة بالجلاء عنها . كانت تلك الزيارة تلبي حاجة (خاصة) لدى رئيس الوزراء الأسباني, الذي كان يشك كثيرا في قدرته على الفوز مجددا في الانتخابات العامة التي جرت في شهر مارس الماضي, مما دفعه إلى كسر تلك القاعدة ومحاولة إحياء الحلم الاستعماري لدى اليمين الأسباني ليمنحه صوته ويتمكن من تحقيق نصر كان مشكوكا فيه حتى عشية تلك الانتخابات . فتحت تلك الزيارة في القلب المغربي جرحا دفع الملك الشاب محمد السادس إلى القيام بزيارة (خاطفة) وغير رسمية إلى مدريد, كان سببها المعلن تناول طعام الغداء مع الملك خوان كارلوس لشكره على أداء واجب العزاء بنفسه في الملك الراحل الحسن الثاني, الذي كانت تربطه بالعائلة المالكة الأسبانية علاقات خاصة, ولكن السبب غير المعلن, والذي أشارت إليه معظم وسائل الإعلام الأسبانية, هو تنبيه رئيس الوزراء اليميني إلى خطورة كسر قواعد العلاقات التقليدية بين المغرب وأسبانيا من أجل مصلحة خاصة وشخصية تهم خوسيه ماريا أزنار وحده (!). إلى جانب كل هذا, أحاطت بزيارة رئيس الوزراء الأسباني للمغرب الأسبوع الماضي أيضا ظروف معاكسة, منها أنها جاءت بعد الأحداث المؤسفة التي وقعت في قرية (الايخيدو) , والتي أيقظت في الشعب الأسباني كراهيته التاريخية للمغاربة, ومن بعدها أعمال العنف التي قام بها بعض (صغار) المهاجرين المغاربة في وسط العاصمة مدريد, والتي كاد يروح ضحيتها أحد الصحافيين بجريدة (الموندو) المؤيدة للحزب الشعبي الحاكم في أسبانيا . أيضا تأتي هذه الزيارة في الوقت الذي بدأ فيه (موسم الهجرة إلى الشمال) , الذي يستغل فيه المهاجرون المغاربة والأفارقة الهدوء الربيعي الذي يخيم على مياه مضيق جبل طارق للعبور بشكل غير شرعي إلى الشواطئ الأسبانية, مما يبدأ معه صداع الرأس السنوي الذي اعتاد عليه البوليس الأسباني خلال السنوات الخمس الأخيرة, التي شهدت تزايدا مطردا في نسبة عابري هذا المضيق بحثا عن جنة الحياة الأوروبية, وأيضا تزايد ظهور مشاهد الغرقى من (ذوي الظهور المبتلة) على شاشات التليفزيون وعلى الصفحات الأولى من الصحف الأسبانية, مما يدفع بالمسئولين الأسبان إلى الحديث علانية عن (تسيب) الإدارة المغربية, التي تسمح للمافيات التي تستغل هؤلاء المهاجرين إلى إغراق أسبانيا بهم, أو إغراقهم في مياه المضيق التي امتدت هذا العام إلى المحيط الأطلنطي من خلال الهجرة من الشواطئ المغربية إلى جزر الكناري . كل هذه الظروف دفعت رئيس الوزراء الأسباني إلى الحرص على أن يقدم مسبقا شروط حصوله على موافقة المغرب على قبول اعتذاره عن أفعاله السابقة, وذلك من خلال تقديم دعمه المالي لعدد من المشروعات الاستثمارية الأسبانية والأوروبية, التي من المقرر أن يبدأ تنفيذها في منطقة شمال المغرب, التي كانت يوما ما تحت الحماية الأسبانية . فقد أعلنت أسبانيا, خلال اليوم الأول لزيارة خوسيه ماريا أزنار للمغرب, عن البدء في تنفيذ مشروع (البيدر) الاستثماري, الذي يدعم قيام عدد من المشروعات الصناعية والزراعية, وذلك من خلال تمويل تقدمه مؤسسة التعاون الأسبانية, والذي يقدر خلال هذا العام بمبلغ 580 مليون بيزيتة أسبانية حوالي 5.3 مليون دولار أمريكي ويتم توجيه هذه المشروعات بشكل أساسي لتنمية المنطقة المتوسطية لشمال المغرب, التي يسكنها ستة ملايين مواطن مغربي, أي حوالي 25 في المائة من مجموع سكان المغرب . واهتمام أسبانيا بتنمية تلك المنطقة بالذات لأنها المنطقة الأقرب إلى حدودها في (شمال أفريقيا) , وان كانت هذه المشروعات التي خرجت إلى النور في هذه الزيارة الجديدة مقررة من قبل خلال قمة دول المجموعة الأوروبية والدول العربية المتوسطية الذي جرى في برشلونة عام ,1995 والذي تمت فيه الموافقة على عدد من المشروعات التنموية في المنطقة باستثمارات سنوية تقدر بمبلغ 3300 مليون دولار, وذلك لمدة خمس سنوات, ولكن لم يتم وضعها موضع التنفيذ حتى الآن . هذه المشروعات التي أراد رئيس الوزراء الأسباني أن يقدمها كعربون صداقة جديد يمكنه أن يؤدي إلى نسيان خطئه الجسيم الذي ارتكبه بزيارة مدينة سبتة قبيل الانتخابات الأسبانية, مع ذلك يبدو أن تلك الهدية لم يكن مفعولها كاملا, أو كما كان يحلم رئيس الوزراء الأسباني, فقد أبدى رئيس الوزراء المغربي عبد الرحمن اليوسفي تحفظاته العلنية على عدد من القضايا التي طرحها رئيس الوزراء خوسيه ماريا أزنار خلال المؤتمر الصحافي المشترك الذي جمعهما معا خلال اليوم الأول للزيارة, حيث أعاد المسئول المغربي إلى الأذهان المشاكل التي يواجهها العاملون المغاربة في أسبانيا, ووجه اتهامات مباشرة ضد رجال الأعمال الذين يستغلون حاجة المهاجر المغربي للعمل, ويتعاقدون معه بأجور متدنية, ولا يقدمون له المناخ المناسب لنوعية العمل الذي يقوم به. تماما كما كان يحدث في السابق في العلاقات ما بين أسبانيا والمغرب أعاد رئيس الوزراء المغربي أمام زميله الأسباني إحياء القضية الأبدية التي تسمم العلاقات ما بين البلدين, والتي يعتبر إحياؤها مؤشرا على حالة تلك العلاقات, لأن المغرب تحاول تجنب الحديث عنها إلا من أجل الضغط لتحقيق بعض مصالحها الوطنية, فقد حدث مجددا الحديث من جانب رئيس الوزراء المغربي عن وضعية مدينتي (سبتة) و (مليلية) , مؤكدا على أن وضعهما الحالي يزيد من حدة التوتر, لكنه لم يطرح المطالبة ببحثه في الوقت الراهن, لأنه يعرف أن لبلاده مصلحة في تحسين العلاقات مع أسبانيا في الوقت الراهن, وذلك بالاستفادة من تلك العلاقات المتميزة لتكون أسبانيا المتحدث باسم المغرب أمام الاتحاد الأوروبي لتحقيق مزيد من التعاون مع المغرب, الذي بدأ يطرح إمكانية انضمامه إلى الاتحاد, وهي قضية حية دائما في كل اللقاءات الأسبانية المغربية. في المقابل لم يحاول رئيس الوزراء الأسباني الرد على زميله المغربي بشكل مباشر, وإنما اكتفى بالقول أنه (لا يشارك اليوسفي في بعض آرائه) , بالطبع كان خوسيه ماريا أزنار يتطلع إلى تعاون مغربي أكبر أيضا مع الاتحاد الأوروبي, لأن أسبانيا من أكبر المستفيدين من ذلك التعاون, وبشكل خاص مسألة الاتفاق حول الصيد في المياه الإقليمية المغربية, لأن هناك الآلاف من الصيادين الأسبان في حالة بطالة منذ انتهاء اتفاقية الصيد القديمة في نوفمبر الماضي, وينتظرون توصل الاتحاد الأوروبي والمغرب إلى اتفاق جديد حتى يمكنهم العودة لممارسة نشاطهم. كل هذه القضايا كانت مطروحة على بساط البحث بين المغرب واسبانيا خلال زيارة رئيس الوزراء الأسباني خوسيه ماريا أزنار إلى المغرب الأسبوع الماضي, وهو ما يؤكد مجددا على مدى أهمية تحقيق المصالح العليا للدولة في تشكيل العلاقات بين الدول, وكان موقف المغرب الرسمي خلال هذه الزيارة, كما كان دائما, موقفا مبنيا على أساس تحقيق المصالح الوطنية أيضا . كاتب وصحفي مصري مقيم في اسبانيا