بقلم: خير الدين العايب بدأت بريطانيا ممارسة ظغوط على زيمبابوي اخر مستعمراتها في افريقيا التي حصلت على الاستقلال منذ 20 عاما فقط بتوجيه انتقادات للرئيس روبرت موجابي لتغاضيه عن احتلال المزارعين السود مزارع البيض وشنهم هجمات على شخصيات قتل فيها 15 شخصا على الاقل في عشرة اسابيع من اعمال العنف. واكتفي موجابى الذي قاد مرحلة الكفاح المسلح في السبعينيات مع زميله الزعيم جو شوا نكوما باعلان اقتراح مفاده ان يوزع نصف الاراضي التي يملكها البيض على المزارعين السود وصور نفسه على انه يقود معركة جديدة ضد الاستعمار لكن اقتراحه قوبل برفض بريطاني لسبب ان المزراعين البيض يرجع الفضل اليهم في استصلاح الاراضي الزيمبابوية وذلك منذ عشرات السنين كما انهم ساهموا في انعاش الاقتصاد الزيمبابوي فإليهم تؤول الاراضي لانهم ارتبطوا بها منذ القدم بل اكثر من ذلك يعتبر هؤلاء البيض انفسهم مواطنين زيمبابويين اكثر منهم مواطنين بريطانيين لكن قدامى المحاربين السود يعتقدون ان الاقلية البيضاء لا تزال تمارس التمييز العنصري مع السود الذين تشغلهم من خلال سيطرتها على 70 بالمئة من الاراضي الخصبة في زيمبابوي. ولا يشكل الوضع المتوتر السائد حاليا في زيمبابوي خطرا كبيرا على نظام الرئيس موجابى فقط وانما يشكل خطرا ايضا على المنطقة بأسرها حيث تتخوف الدول المجاورة كجنوب افريقيا والموزمبيق وناميبيا من ان تفضي الازمة الى ركود اقتصادي دائم من شأنه ان يؤثر على المبادلات التجارية بين دول المنطقة من اجل التنمية في منطقة غرب افريقيا. كما يتخوف رجال الاعمال في تلك المنطقة من احتمال ان يعجز رجال الاعمال في زيمبابوي بما في ذلك الدولة نفسها عن الوفاء بديونهم. اضافة الى ذلك تردد المستثمرين الدوليين, الذين قد يحجمون عن المغامرة بأموالهم في بلد يشهد كل هذه الاضطرابات مما يزيد من هذا العجز بل ان هناك من ربط بين الازمة في زيمبابوي وبين انخفاض العملة في جنوب افريقيا. اما المشكلة الكبرى التي تواجه المنطقة فتتمثل في التخوف من انتقال العدوى الى بعض الدول المجاورة اذ قد يطالب ايضا قدامى المحاربين في كل من ناميبيا وجنوب افريقيا وكينيا بما يطالب به حاليا زملاؤهم في زيمبابوي اي استعادة اراضي البيض التي سلبت من اجدادهم عندها ستشهد منطقة غرب افريقيا توترا امنيا لا تحمد عقباه لا تستطيع لا رابطة دول الكومنوالث ولا منظمة الوحدة الافريقية التحكم فيه على اساس ان مطالب الشعوب الافريقية مطالب مشروعة فهي دول ترغب في استكمال سيادتها على اراضيها كاملة, فالعديد من المستعمرات البريطانية او الفرنسية سابقا لا تزال الكثير من اراضيها بيد المستعمرين القدامى الذين يستغلون السكان الاصليين في خدمة الاراضي استغلالا يتعارض مع مبادىء حقوق الانسان. ولكن العديد من الشعوب الافريقية خاصة في المستعمرات البريطانية سابقا بدأت منذ سنوات قليلة تعبر عن رغبتها في اكمال سيادتها المنقوصة لهذا ظهرت حركات طالبت حكوماتها باسترداد الاراضي كما حصل في كينيا التي دعا احد نواب المعارضة فيها الفلاحين الذين هم بدون اراض لاحتلال المزارع المملوكة للبيض وطالب بنزع المزارع الكبرى التي ما تزال بحوزة الاجانب ولا سيما مزارع الشاي والقهوة التي يديرها اسيويون وكينيون من اصل بريطاني. بل حتى في جنوب افريقيا ابدى مؤتمر عموم افريقيا تذمره من انه وبعد مضي ست سنوات على نهاية حكم التمييز العنصري لا يزال 87 بالمئة من الاراضي تحت سيطرة الاقلية البيضاء. والى جانب الاضطرابات التي تظل هامشية فإن مزراعي جنوب افريقيا البيض تهددهم العصابات اكثر مما يهددهم احتلال الاراضي التي يستغلونها من قبل قدامى المحاربين. واذا كان نظام بريتوريا لم يجعل من مسألة اعادة توزيع الاراضي الحساسة ذريعة انتخابية فإن موجابي قد استخدم هذه الحركة لاسترداد ولو جزء من شعبيته التي افتقدها تحسبا للانتخابات التشريعية المقبلة. وتجد بريطانيا نفسها اليوم عاجزة عن حل مشكلة اراضي المزارعين البيض وحتى موقف حلفهائها في منظمة الكومنولث كان صامتا لاسباب منها انه لا يوجد زعماء يمكنهم تبني الاقلية البيضاء حتى ان زعماء جنوب افريقيا والموزمبيق وناميبيا رفضوا انتقاد موجابي علانية بعد الاجتماع معه الشهر الماضي. لأجل ذلك بدأ البريطانيون حماة الاقلية البيضاء في زيمبابوي يفكرون في ترحيل عدد كبير من البيض الذين لا يرغبون في قوانين الاصلاح الزراعي التي ينوي الرئيس موجابي القيام بها قريبا. والواقع ان الرئيس موجابي لا يستطيع ايقاف حملة المحاربين القدامى باسترداد الاراضي من الاقلية البيضاء لان ما يطالبون به يعد مطلبا طالب الشعب به منذ الاستقلال عن بريطانيا في عام 1980 وقد تأخرت الحكومة في تنفيذه الى اليوم خوفا من رد الفعل البريطاني الذي قد يوقف المساعدات المالية والاقتصادية على الحكومة. كما ان الرئيس موجابي لا يستطيع اليوم ايقاف حملة المزارعين لانه سيخسر ثقله السياسي في الداخل بل ربما يخسر منصبه الرئاسي اذا عارض حملة المزارعين. فالقضية إذن تتعلق بتصفية ما تبقى من بقايا الاستعمار الاوروبي في افريقيا التي ترغب شعوبها في الخروج من حلقة التخلف وتعمل على بناء مجتمعاتها الحديثة من خلال بناء تجمعات اقتصادية مبنية على الاعتماد المتبادل والشراكة الاقتصادية كما هو الحال عليه بالنسبة لتجمع غرب افريقيا الذي قطع اشواطا كبيرة في الاندماج والاعتماد المتبادل بين دوله وهذا ما يؤكد لماذا رفضت دول غرب افريقيا مساندة بريطانيا في حملتها لاسترداد الاراضي في زيمبابوي لأنها تؤمن ان مطالب زيمبابوي مطالب مشروعة ويتعين مساعدتها والوقوف الى صفها الى حين تحرير اراضي افريقيا كاملة من جميع اشكال الهيمنة والاستغلال وتعرف بريطانيا انها لن تنجح في مسعاها لأنها تجد نفسها وحيدة لا يساندها احد في معركة تخوضها زيمبابوي ومعها افريقيا من اجل بناء السيادة المنقوصة.