تكتبها: عائشة إبراهيم سلطان تحدثنا في هذه الزاوية ذات يوم حول تجربة أستاذ التربية في إحدى الجامعات الأمريكية الذي تفاجأ ذات يوم بانتحار طالبته المتميزة والتي كان يظن بأنه يعرفها جيدا, لكنه اكتشف بأنها انتحرت آخذة معها وللأبد سر شقائها الذي أودى بها لهذا المصير, دون أن يعرف هو أو أحد والديها, وحتى أصدقائها, ماهية هذا السر!! يومها اعترف لنفسه بأنه وكل المحيطين بها لم يكونوا يعرفونها أو يحبونها, كانوا فقط يتفرجون على جمالها وتميزها. هذا الاعتراف قاده إلى مغامرة افتتاح فصل دراسي سمَّاه (فصل الحب) أراد من خلاله أن يعلم طلابه كيف يحبون بعضهم بعضا, وكيف يتعاطون مع هذا الحب, وينمون معه, ويتعلمون منه جماليات الحياة, وتفاصيل الآخرين, وحميمية العلاقات الإنسانية. ويبدو ان تجربة هذا الأستاذ انتقلت عدواها - إن صح التعبير - إلى باريس حيث يتعلم الباريسيون الذين اكتشفوا فشلهم في العلاقات العاطفية كيفية انجاح هذه العلاقات. التجربة الباريسية التي تتحدث عنها مؤسسة ومديرة المدرسة فيرونيك جوليان (42 سنة) تختلف عن التجربة الأمريكية في الشكل والمضمون معا. ففي حين تهدف المدرسة الباريسية إلى تعليم الناس الجرأة وطرق اجتذاب قلب الطرف الآخر, وأسس انتقاء أنواع وألوان الثياب الملائمة, و... فإن هدف فصول البروفيسور (ليو) الأمريكي تعتمد على فهم فلسفي إنساني شامل يتعدى العلاقة العاطفية الحسية بين المرأة والرجل ليشمل المحيط الإنساني الذي يتعامل معه الإنسان بكل شخوصه. في مسألة (أنسنة) الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية وأجواء العمل, يدور حديث ينفي هذا الاتجاه في الحياة الأمريكية حيث لا أنسنة ولا خصوصية ولا هم يحزنون, فكل شيء قابل للمساومة والمزايدة والعرض والطلب, وحيث الخصوصية مفتقدة والحميمية مصطلح رومانسي انقرض! وأغلب الذين يعيشون في الغرب وأمريكا واليابان يعرفون ذلك, إلى الدرجة التي دفعت اليابانيين إلى انشاء فنادق خاصة للقاءات الحميمة بين الأصدقاء والأحبة يسمونها بفنادق الحب, ذلك ان البيوت الضيقة في اليابان لا تسمح بجلسات هادئة وخاصة بين الأصحاب والأصدقاء. في المشهد الحياتي اليومي يفتقد الإنسان النبض الحقيقي الإنساني, فالوجوه غريبة والملابس خليط من كل الدنيا والطعام عالمي, والأضواء تعمي العيون, والموسيقى صراخ, والغناء زعيق لا يتوقف, والإنسان لاهث بين العمل ولقاءات المطاعم المزدحمة, والبيوت التي لم يعد يجد فيها راحته لأكثر من سبب. ماذا يفعل الإنسان في مثل هذه الأحوال, هل يذهب إلى باريس أم إلى أمريكا؟ وبداية هل يحتاج الإنسان فعلا لأن يتعلم الحب؟ الحب الإنساني بمعناه الواسع وليس الباريسي الضيق؟ ربما يحتاج فعلا, خاصة ونحن نكتشف بأننا نمر بزميل لنا في العمل زمنا دون أن نعرف اسمه, ونباغت بأننا وبعد أكثر من عشر سنوات لا نعرف من هم بالضبط سكان الشقة المقابلة لنا!