اليكم أحدث صورة للمجتمع الغربي: عناصر الصورة الرئيسية تتكون من ام شابة في منتصف عشرينيات العمر وابنين, عمر أحدهما ثلاث سنوات والثاني سنتان.. ووالدة الشابة.. وجيران.. وعشيق الشابة. الأم الشابة خرجت من شقتها، وأغلقت الباب الخارجي تاركة الطفلين بالداخل.. لم تكن تعتزم غيابا لدقائق او حتى بضع ساعات كأن تمضى وقتا في التسوق الضروري مثلا. كانت تنوى الشخوص الى شقة عشيقها تمضى معه وقتا طويلا. وامتد وقت التسلية واللذة الى خمسة عشرة يوما! ماذا عن رعاية الطفلين في هذه الاثناء؟ كلفت الشابة جدتهما.. أي أمها بهذه المهمة. لم يكن للشابة زوج.. فهي (أم عازبة) . والجدة لم تكترث لانشغالها بشئونها الشخصية. لمدى خمسة عشرة يوما ظل الطفلان الصغيران بلا اكل او ماء فلفظا انفاسهما الاخيرة جوعا وعطشا. من حين لاخر كانا يصيحان من قبيل الاستغاثة اليائسة. تسامع الجيران اصوات الاستغاثة لكن لم يأبه أحد لها. قدمت الام الشابة الى المحاكمة فتلقت حكما بالسجن المؤبد. وخلال جلسات المحاكمة قال الطبيب الشرعي في تقريره ان الطفلين عاشا عذابا مريرا قبل الوفاة. ليس هذا سيناريو خياليا مرشحا لفيلم سينمائي او تلفزيوني وانما حادثة حقيقية وقعت في مدينة فرانكفورت الالمانية قبل نحو عام وصدر حكم المحكمة خلال هذا الاسبوع. ورغم الطابع الدرامي للحادثة الا أنها لا يمكن من حيث مغزاها الاساسي ان تضف كحادثة شاذة نادرة التكرار في المجتمع الغربي. ربما يمكن ان توصف التداعيات التفصيلية بأنها غير عادية لكن يبقى جوهر القصة شاهدا على القيم السلوكية للانسان الغربي تجاه فكرة (الاسرة) . لقد كان من الممكن ألا يقضى هذان الطفلان لو كانت الأسرة مكتملة بصورة طبيعية بوجود رجل كزوج للمرأة وأب للطفلين. لقد انجبت هذه الشابة طفليها من رجل لا ترتبط معه برباط زوجيه.. فهما ابنا سفاح. هنا تلزمنا وقفة صغيرة.. فظاهرة (الام العازبة) التي كانت شيئا شاذا ومدعاة لاستشعار العيب في المجتمعات الغربية حتى نهاية ستينيات القرن الماضي باتت الان الطابع الاغلب لعلاقة الارتباط بين رجل وامرأة.. كعلاقة وقتية تتحمل المرأة وحدها ما ينجم عنها من مسئولية اذا اكتشفت انها بسبيل ان تصير أما. باسم (قدسية) الحرية الفردية يمارس الرجال والنساء في الغرب الجنس دون قيود بما في ذلك الارتباط الزواجي. ومع مرور الزمن اتسعت هذه القدسية لتشمل كافة تفاصيل السلوك الفردي لترسخ قاعدة المركزية الذاتية للفرد. من هنا نفهم لماذا قدمت الام الشابة متعتها الشخصية بالذهاب الى أحدث عشاقها على رعاية ابنيها.. ونفهم لماذا لم تأبه الجدة لوجود الطفلين الصغيرين وحيدين داخل شقة مغلقة.. ولماذا لم يكترث الجيران لصيحات الاستغاثة المتكررة. هذا هو نموذج (الأسرة) السائد في الغرب: وحدة تتفكك وتتحلل.. وبالتداعي يشمل التفكك والتحلل النسيج الاجتماعي كله. وبازاء هذا النموذج القبيح فاني اتساءل كيف تتبرع شخصيات عربية مسلمة من الذين يصنفون كرجال ونساء الفكر للدعوة في مؤتمرات وندوات لا تنتهي الى اعتبار منظومة القيم الاجتماعية الغربية مثالا يجب ان يحتذى.