يقع إعلان قيام الدولة اليهودية في قلب العالم العربي, على انقاض فلسطين, بين أبرز أحداث التاريخ العربي منذ بداية الحروب الصليبية قبل تسعة قرون, إنه الحدث الذي ترتب عليه افتتاح مشروع كيان استيطاني متكامل على شكل دولة, تم الاعتراف بها عاجلا من قوى قمة النظام الدولي في منتصف مايو 1948 , الامر الذي لا يحاكيه تاريخيا سوى نجاح الحملات الصليبية (حملات الفرنجة) في تأسيس ممالك للاستيطان الأوروبي في مطلع الألفية الثانية في المكان ذاته . بين هذين الحدثين شهدت المنطقة مشاريع مشابهة في كثير أو قليل لهما من حيث البعد الاستيطاني الاستعماري, هناك المحاولة الايطالية في ليبيا, والمحاولة الأكثر أهمية للفرنسيين في الجزائر, لكن هذه المشروعات لم تصل إلى طور الدول الاستيطانية المستقلة عن الوطن الأم, كما أنها خلت نسبيا من خاصية الاحلال, أي ازاحة السكان الاصليين ونبذهم إلى الملاجئ واستقبال المستوطنين الغزاة في ممتلكاتهم . وعلى غرار غزو الفرنجة, أدى قيام اسرائيل إلى تداعيات فاضت بتأثيرها عن فلسطين إلى محيطها الاقليمي الحضاري العربي الاسلامي, وبعد أكثر من خمسة عقود مرت على هذا الحدث الذي أدمى وجه العالم العربي, مازال هناك ما يستدعي المزيد من الجهد البحثي في إطار التعرف على ما جرى عند البدايات, وفيما يتعلق بالحروب العربية الاسرائيلية لعامي 1948 و 1949 , التي اندلعت فور اعلان الدولة اليهودية, نلاحظ ان هذا الجهد مطلوب على صعيدين. الأول هو تصحيح الروايات التاريخية المقبولة حول وقائع بعينها, والثاني, هو تحري بعض الوقائع التي تكاد تدخل في سياق المسكوت عنه عن عمد أو بغير قصد, والصلة قائمة بين هاتين الناحيتين, يبدو ذلك جليا بين يدي الراغبين في متابعة أدوار بعض الاطراف في تلك الحروب, كالعسكرية الفلسطينية التي مثلتها بجدارة قوات الجهاد المقدس تحت إمرة الهيئة العربية العليا لفلسطين بزعامة الحاج أمين الحسيني وأبن عمومته القائد عبد القادر الحسيني . فالروايات المتواترة حول هذا الدور, لا تكاد تعدو مجموعة من الملاحظات والمتفرقات المبثوثة باقتضاب في المتون والادبيات التي أرخت للحرب أو سعت للتأصيل من وجهة نظر عربية أو صهيونية على حد سواء . وبالتداعي أصبح دور العسكرية الفلسطينية مهملا في أسوأ الفروض أو محدودا في أحسنها, ومع مرور الوقت قد يغيب هذا الدور ويصير التجاوز والسكوت عنه أمرا طبيعيا .. هذا, على حين أن الحقيقة غير ذلك بالمرة . هناك مثل آخر يمكن التدليل من خلاله على العلاقة بين الحاجة لتصحيح بعض الوقائع وكشف المسكوت عنه بخصوص مجريات حرب 1948 , فالشائع في المنظور العربي أن تلك الحرب بدأت بدخول الجيوش العربية فلسطين في 15 مايو 1948 .. لكن الصحيح أن الدور العربي الرسمي, دور الجيوش العربية, هو الذي بدأ في ذلك اليوم, بينما كانت المعارك قد اندلعت بالفعل قبل ذلك بخمسة شهور غداة صدور قرار التقسيم المعروف . والفرق بين المنظور الشائع وتصحيحه على هذا النحو, هو أن التصحيح يكشف عن دور العسكرية الفلسطينية بين قرار التقسيم وإعلان الدولة اليهودية . فقوات الجهاد المقدس الفلسطينية, هي التي اضطلعت بأكبر مهمات القتال الميداني في طول البلاد وعرضها, قبل أن يرفع الستار عن اسرائيل الدولة . وبدخول الجيوش العربية المشاركة, جرت تحولات بعيدة الأثر على مجريات القتال, وعلى دور هذه القوات . أيضا, ضمن المقولات الرائجة على نطاق واسع في شأن الحرب العربية الصهيونية الأولى, غياب المعلومات عن القيادات العربية آنذاك حول موازين القوى العسكرية مع العدو الصهيوني . وفي هذا ما يوحي بأن الجانب العربي فوجئ بتفوق قوات العدو, وهو زعم كان يبدو مقبولا في معرض تغطية الهزيمة العربية, ورفع المعنويات المنهارة استعدادا لجولة أو جولات مقبلة.. لكنه في الحقيقة لا يصمد لما كشف عنه النقاب ويفترض أن يؤخذ على محمل الجد عند الرواية الكاملة للحرب بعد كل هذا الوقت . بهذا الخصوص, هناك ما يثبت معرفة جل القيادات العربية المعنية بجموع القوات التي حشدها الجانب الصهيوني من حيث العدد في الميدان والظهير الاحتياطي والتسليح والتشكيلات العسكرية, والخبرة القتالية .. الخ, وقد جاءتهم هذه المعلومات من مصادر متعددة, اللجنة العسكرية الفنية التي أوكل إليها مجلس الجامعة العربية مهمة تقدير الموقف العسكري, والمندوبين الفلسطينيين إلى اجتماعات الجامعة الرسمية واللقاءات القيادية, وبعض المسؤولين والضباط الانجليز . وكان من المعلوم, طبقا لهذه المصادر لا سيما الفلسطيني منها الادرى بشؤون الميدان, أن عرب فلسطين معرضون للفناء إذا ماداهمهم الصهاينة وإذا لم يتوفر لهم الدعم التسليحي والمالي وتعزز استعدادهم القتالي. كان هذا معلوما على الاقل منذ ستة أشهر قبل 15 مايو المشؤوم. وهذا يقودنا إلى واقعة أخرى أقرب إلى المسكوت عنه, فاستصراخ الجانب الفلسطيني للدعم العربي, كان له ما يبرره طالما أن قرار التدخل العسكري العربي لم يتخذ بشكل حاسم طوال هذه الفترة, وجدير بالاشارة هنا أن بعض الحكومات العربية لم تأخذ هذا القرار سوى قبل أربعة أيام من 15 مايو . كانت العسكرية الفلسطينية ترى بأم عينها نذر طبيعة المواجهة وموازين القوى المحتلة مع العدو, ويعتصرها في الوقت ذاته الاستخفاف العربي بها ذاتيا - أي بالقدرات الفلسطينية ودورها - وباستعدادات العدو . أيضا ينتمي للمعلومات المغلوطة, أن النزوح الفلسطيني الكبير استتبع اعلان قيام اسرائيل وعمليات القتال اللاحقة مع جيوش الانقاذ العربية, وتتذرع إسرائيل بهذه المعلومات للادعاء بأن التدخل العربي هو الذي فاقم المأساة الفلسطينية, وأن النزوح الفلسطيني تم بناء على رغبة العرب كي تتفرغ جيوشهم لسحق إسرائيل الوليدة, لكن الذي حدث, إنه حتى يوم 15 مايو كان نصف اللاجئين الفلسطينيين قد نزح بالقوة عن البلاد (414 ألف من 805 آلاف) فالتدخل العربي كان إذن استدراكا متأخرا لمحاولة تخفيف المأساة لاضاعتها .. بعد أكثر من خمسين سنة على أم الهزائم العربية في القرن العشرين مازال في جعبة التاريخ السياسي ما يضيء و يضيف ..