(تنظر أمريكا الى الهجرات الوافدة من العالم الثالث وأوروبا الشرقية على أنها تطعيم بالخبرات كما يقول الأمريكيون فيما نراها نوعا من تهجير الكفاءات أو استنزاف العقول) . زمان .. كانوا يقولون أن الفلسفة هي أم العلوم .. ولم يكن لدينا - زمان - أي اعتراض على هذه المقولة الحكيمة .. بل كنا نحني رؤوسنا احتراما لها بحكم أن الفلسفة هي نهج التفكير المنطقي المنسق والمنظم . لكن ها هو العالم المعاصر وقد أتى عليه حين من الدهر .. وهو يشهد الاقتصاد وقد ساد أو كاد يسود سائر العلوم بل والفنون قاطبة .. صحيح أننا مازلنا نحني الهامات إكراما للفلسفة ولكن أصبحنا نحنيها مع قدر يقل أو يزيد من التحفظ خاصة وقد بات الاقتصاد - مع الاعتذار للفلاسفة والمتكلمين - قاطرة التقدم وقوته الدافعة في زماننا الراهن .. وبغير الاقتصاد في معناه الأوسع والأشمل الذي يغطي مجالات الحياة المختلفة, تصبح الفلسفة طروحات لفظية وتظل السياسة شعارات ويبقى التقدم مجرد آمال وتمنيات وتعللات أو في أفضل الأحوال مجرد وعود يتعيش عليها السياسيون ويتبلغ بها المستضعفون والمحرومون والمهمشون وهم يتمثلون بقولة الشاعر القديم : أمانيُّ ان تسنح تكن أجمل المنى وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا الاقتصاد أبوالعلوم وعليه, فمن الناس من أصبح يعلي من شأن الاقتصاد في زماننا حتى ليكاد يضعه في مرتبة (أبوالعلوم) وعمدة التخصصات .. وأيا كان الأمر فنحن نحسب أن قومنا العرب بحاجة الى تحويل فكرهم أو منهجهم الى حيث مزيد من الأرقام ومزيد من الاحصاءات ومزيد من دلالة هذه الأرقام ومغزى تلك الاحصاءات, ولو جاء هذا كله على حساب شعارات أقل وفلسفات أقل واشتباكات أقل حول تركة الماضي ومعارف الأشاوس, أجدادنا الأقدمين . لهذا .. فقد احتفلنا بتسلم المطبوعة المركزة الأنيقة التي أصدرتها مؤسسة الايكونومست مع مطالع العام الحالي بعنوانها الشهير الذي يتكرر في كل عام وهو (العالم .. بالأرقام ..) ويعلم الله أن وصلت الينا المطبوعة متأخرة قليلا وقد انصرم من عام 2000 الحالي ربعه بالتمام والكمال وربما كان العذر أن تاه الكتاب في رحلته المتشعبة ما بين مصدره في لندن الى مقصده الأساسي بالقاهرة ومنها الى محطته التالية في نيويورك حيث نحط الرحال ونكتب هذه السطور . أبلغ ما في كتاب أو كتيب الايكونومست أ نه : * يحتفل بالأرقام بوصفها كائنات ذكية الدلالة وشديدة الابانة بغير ما معاظلات أو ثرثرة . * يصنف الأرقام في اطار جداول احصائية صعودا أو هبوطا ترسم أمام القارئ الشغوف صورة فصيحة الايجاز لأموال العالم عبر مناطقه وأقاليمه وأقطاره المختلفة من حيث التطور أو التخلف .. التقدم أو التعثر في مضمار التنمية المتعددة المجالات . إن الأرقام والاحصاءات تحيل دوما الى مصادر وطنية ومراجع دولية تتجلى فيها مرجعية الشفافية وتلك مزية ترجع الى اخلاقيات المهنة الاعلامية التي ينبغي أن تصدر عنها أي مؤسسة صحفية تحترم نفسها وقارئها وتاريخها ومصداقيتها وبدهي أن اخلاقيات المهنة هنا أقرب ما تكون الى أخلاقيات السوق .. بمعنى أنها تتبع قواعد سلوكية, ترى في الصدق ربحا وترى في الكذب أو المخاتلة أو تزييف الحقائق خيبة قد تحقق كسبا مرحليا في المدى القصير, ولكنها لا تلبث أن تنكشف بالضرورة وهي تنسف مصداقية المصدر على المدى الطويل وربما الى الأبد . تلك إذن أخلاقيات لا ترجع الى التقوى أو الى وازع الضمير الروحي بقدر ما ترجع الى مراعاة أصول اللعبة في التعامل الذكي الواعي المرهف الحساسية بين الناس . كتاب (العالم في أرقام) الصادر عن الايكونومست يشمل 170 من أقطار العالم وهو بهذا يكاد يغطي كل دول المعمورة, ونقول يكاد لأن مجموع الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة بلغ 185 دولة .. منها - كما لايخفى على علمك - دول جزرية صغيرة ناشئة في مواقع قصية شبه مجهولة من أغوار الاوقيانوس الباسيفيكي أو الأطلسي أو حتى البحر الكاريبي ثم ان الكتاب يعرض الى نحو 200 موضوع يدير حوله الأرقام والاحصاءات بحيث يجيب للقارئ عن أسئلة شتى من قبيل : * أسرع الاقتصادات نموا في العالم . * أهم المدن التي تنعم بأفضل نوعية للحياة * أعلى وأخفض معدلات التضخم * أكثر المجتمعات استهلاكا للطاقة * أسوأ البلدان من حيث النفايات والمخلفات * معدلات الانفاق على التسليح - ارتفاعا وانخفاضا . الأرقام بحاجة الى تفسير وقد يتفرع عن هذه القضايا التي نراها شاملة وجوهرية .. أرقام واحصاءات ربما تكون أقل أهمية وأن تكن أكثر طرافة وتفصيلا ومن ذلك مثلا : معدلات الطلاق في هذا المجتمع أو ذاك .. أو معدلات استهلاك الكحوليات والتبغ أو معدلات امتلاك أجهزة الهاتف الخلوية أو المحمولة .. ناهيك بطبيعة الحال عن معيار نراه في غاية الأهمية وهو معدل استخدام شبكة الانترنت العالمية للاتصال .. وهو جانب ايجابي للغاية وإن كانت الأرقام الصماء الخاصة به لاتكاد تسعفنا سوى بالحجم الكمي لذلك الاستخدام الحاسوبي . حيث تظل بحاجة الى مزيد من التفسير والتفصيل والتعميق .. ذلك لأن استخدام الانترنت يشكل في حد ذاته (دالة) أو مؤشرا على (تحديث) عملية الاتصال ولكن يبقى السؤال معلقا حول نوعية هذا الاتصال : أهو للحصول على معلومات في مجالات جادة وبناءة تتعلق بأغراض البحث العلمي والتطور التكنولوجي أو حتى تغطية الأطر العامة للمعرفة, أم أنه مجرد اتصال ترفي أو كمالي أو لدواعي فانتازيا اللعبة الالكترونية التي ترى في مراكز البحث العلمي كآبة وتضييقا ومن الأولى بالتواصل هو مواخير العالم ومواقع التسلية فيه وازجاء الفراغ ولأن طباخ السم لابد وأن يذوقه - كما يقول المثل المصري - فقد آثرت الايكونومست أن تصدر مطبوعاتها بلمحة تاريخية موجزة وبالأرقام طبعا عن .. نفسها شخصيا ومنها نعرف مثلا أن مجلة الايكونومست أصدرها في لندن صحفي محترف اسمه جيمس ويلسون سنة 1843 وكان الهدف من هذا الاصدار المتواضع (بلغ التوزيع ثلاثة آلاف نسخة لاغير) هو النضال - صحفيا بالطبع - من أجل الغاء قوانين القمح التي كانت تضر بمصالح المزارعين والغاء عقوبة الاعدام والتشجيع على تطوير خطوط السكك الحديدية والترويج لأساليب حرية التجارة . ولم تمض ثلاث سنوات على أول صدور للايكونومست حتى أحرزت المجلة نجاحا حين ألغت الحكومة قوانين القمح مما عزز ثقة الناس في الصحافة الجادة كما عززثقة الصحافة في نفسها . كانت هذه الثقة هي القوة الدافعة للعمل الصحفي .. الأمر الذي جعل الايكونومست توسع إطار اهتماماتها لتجمع كما أصبح معروفا بين الاهتمامات الاقتصادية وبين الشئون العامة الأخرى السياسية والتكنولوجية والعلمية بل والفكرية والفلسفية والفنية .. ويتجلى هذا الصمود من خلال معاودة الاطلاع على رقم التوزيع الأول (3000 نسخة) الذي حققته الا يكونومست - كما ألمحنا - عام 1843 وبين أحدث رقم للتوزيع نشرته المجلة عن عام 1999 الماضي وهو 700 ألف نسخة بالتمام والكمال . جداول واحصاءات وبعد أن تحدثنا صاحبة المطبوعة عن نفسها وحديث النفس من أعذب ما يكون . ننتقل للحديث عن أحوال عالمنا فنبدأ بترتيب جدولي عن أغنى عشر دول في العالم وهي وفقا لترتيب الثراث حسب احصاءات عام 1996 : * الولايات المتحدة والنرويج وهونغ كونغ! وسويسرا والدانمارك واليابان وهولندا, وسنغافورة. تأمل! وفرنسا ثم النمسا وقد وضع هذا الترتيب لثراء العشرة الأوائل على أساس الناتج القومي المحلي للفرد حسب معدلات القوة الشرائية . وقد يفيد في ضوء طرافة المقارنة التاريخية أن نعرض لجدول أوردته الايكونومست حول أغنى عشر دول في العالم .. منذ 100 سنة وكانت حسب الترتيب التالي : * بريطانيا ثم نيوزيلندا وبعدها الولايات المتحدة وهولندا واستراليا وسويسرا وبلجيكا والمانيا فالأرجنتين وأخيرا الدانمارك طرافة المقارنة, وأحيانا قسوة المقارنة تؤدي الى ما نسميه تقليب أوجاعنا التاريخية نحن شعوب العالم الثالث بالذات . فما نظن أن احتلال بريطانيا (المملكة المتحدة) لأولوية العشرة الأغنياء منذ 100 سنة إلا أنه يرجع الى احتلالها وقتذاك أقطارا وأقاليم شاسعة في قارات العالم الثلاث ما بين آسيا الى افريقيا واستراليا ويصدق هذا المقياس الامبريالي على بلدان كانت مدرجة في القائمة القديمة إياها مثل بلجيكا وكانت لها امبراطورية الكونغو وما يجاورها في غرب افريقيا وهولندا وكانت امبراطوريتها ممتدة الى آماد الجزر الباسيفيكية - أندونيسيا وما حولها - والمانيا وكان لها بدورها مشروع امبراطوري في وسط افريقيا بالذات لولا احتدام المنافسة الاستعمارية بينها وبين بريطانيا العظمى, وفي هذا السياق .. ومازال تقليب المواجع مستمرا... علينا ألا ننسى أن برلين - عاصمة المانيا القيصرية - كانت المدينة التي استضافت أسوأ وأخبث مؤتمر دولي لتقسيم افريقيا بين المصالح الأوروبية الامبريالية المختلفة ولم يكن صدفة أن حمل ذلك المؤتمر المعقود عام 1883 عنوانه الشهير (التسابق .. أو التكالب على افريقيا) الأكبر والأصغر حجما في العالم بعد ذلك نتنقل في سياقنا بين الأرقام كي تفصح لنا عن حقائق بسيطة في أساسها وإن كانت تفيد في فهم الدلالات السياسية التي لا ينبغي أن تغيب عن فهم المحلل أو المعقب السياسي إن لم تشكل بالضرورة جزءا من الإطار المرجعي - المعرفي للمثقف العربي في هذا العصر و من هذه الحقائق ما يلي : * على تدريج يشمل 60 بلدا في العالم المعاصر .. نجد أن أكبر أقطار المعمورة مساحة هي روسيا وأقلها مساحة هي اليابان وأن ثاني أقطار العالم من حيث المساحة هي كندا والثالثة هي الصين وتليها الولايات المتحدة ثم البرازيل ومن بعدها - في الترتيب السادس قارة بأكملها هي استراليا . وعلى نفس التدريج نعرف أن أكبر الأقطار العربية مساحة هو السودان (هو عاشر بلدان العالم من حيث رقعة الاقليم..) وتليه العربية السعودية ( ترتيبها رقم 13) ثم ليبيا (رقم 61) في حين أن ترتيب مصر من حيث المساحة بين أقطار العالم هو29 وترتيب اليمن هو 48 . * ومن حيث الأنهار .. أطول أنهار الدنيا الثلاثين الكبرى هو النيل في افريقيا (6695 كيلومترا) ويليه الأمازون في أمريكا الجنوبية (6516 كيلومترا) ثم اليانجتسي في آسيا (6380 كيلومترا) وبعدها الميسيسبي في أمريكا الشمالية (6019 كيلومترا) وعلى هذا المقياس الثلاثيني نجد أن الفرات يشغل المرتبة التاسعة والعشرين في حين أن أقصر الأنهار (رقم 30) يقع في أمريكا الجنوبية واسمه بارا توكانتسي . واذا كانت روسيا الاتحادية هي أكبر أقطار الدنيا مساحة, فان أكبرها سكانا هي - بداهة - الصين التي وصل حجم سكانها حسب آخر تعداد في عام 1997 الى مليار وربع مليار نسمة وتليها الهند (نحو مليار نسمة 5___) وتليها على استحياء احصائي شديد الولايات المتحدة التي بلغ عدد سكانها 8.271 مليون نسمة منذ 3 سنوات لا عجب أن تكون الهجرة بمعنى الرفد بسكان جدد قضية مطروحة للجدال على بساط السياسة الأمريكية قد يتفق عليها الحزبان الرئيسيان الجمهوري والديمقراطي ولكنهما يختلفان حول أسلوب استقدام المهاجرين من حيث أقطار المنشأ أو المورد ومن حيث الثقافات واللغات الأصلية - الأم - للمهاجر وطبعا من حيث مستوى تعليمه وتدريبه .. ومع كل حال فسياسات الهجرة بالولايات المتحدة تقوم على ثلاث عوامل كما قد نتصورها وهي : (1) استغلال جاذبية أسلوب الحياة الأمريكي . (2) الاعتماد في مجال القوى العاملة - الماهرة وشبه الماهرة - بروليتاريا عصرنا - على العمالة المتأسبنة المهاجرة عبر الحدود الجنوبية للولايات المتحدة, البرية من المكسيك والبحرية من منطقة الكاريبي وما جاوزها في أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية . (3) النظر الى الهجرات القادمة, أو المستقدمة (بفتح الدال) من أقطار العالم الثالث بالذات ومن أوروبا الشرقية على أنها تطعيم بالخبرات الوافدة كما يقول الأمريكيون في حين أنها تشكل في رأينا وفي التحليل الأخير نوعا من تهجير الكفاءات أو استنزاف العقول . وأخيرا, ومازلنا في اطار السكان في اطار جدول يشمل 60 بلدا, نجد أن البرازيل تحتل المرتبة رقم 6 في العالم وتليها روسيا ثم باكستان في حين أن أول بلد عربي تضمه هذه القائمة (المرتبة 15) هو مصر التي وصل عدد سكانها في عام 1997 الى 7.64 نسمة أما آخر القائمة (المرتبة 60) فتشغله كوت ديفوار الافريقية (ساحل العاج سابقا) التي وصل عدد سكانها في ذلك الحين 1.14 نسمة . والى الجزئين الثاني والثالث من هذا الحديث بإذن الله