من بين الكلمات التي حركت الأمة الأمريكية, واعتبرها المؤرخون والمفكرون معا احدى العلامات المضيئة في التاريخ الأمريكي, تلك المرافعة المذهلة التي استطاع بها المحامي الشهير (أندرو هاملتون) في العام (1735) ان ينتزع من هيئة المحلفين في محكمة نيويورك قرار تبرئة (جون بيترزنجر)، صاحب مجلة (نيويورك ويكلي جورنال) والذي كان متهما باثارة الفتنة عن طريق التشهير بحاكم مستعمرة نيويورك البريطاني. وفي كل الأمم, كما في كل الأزمنة والأمكنة, هناك دائما أحداث مفصلية يتأرجح على خيوط حكاياتها تاريخ ما, وقد كانت مرافعة (أندرو هاملتون) نصرا مبينا لحرية الصحافة في المستعمرات الانجليزية في العالم الجديد الذي صار فيما بعد الولايات المتحدة الأمريكية, لذلك فحينما يؤرخ للفكر ولتطور المجتمع الأمريكي, تكون هذه المرافعة احد مختارات هذا الفكر الذي كان يحاكم النقد فصار يحاكم الحاكم على مرأى من العالم, وهكذا هو التاريخ الانساني ارث تراكمه الاجيال بصلابة وعزيمة وبصيرة. في تاريخ الصحافة في الامارات علامات مضيئة أيضا, صحيح انها لم تراكم ذلك الارث الضخم الذي راكمته أمم سبقتنا بمراحل لكن حتمية التاريخ تفرض سطوتها وسيتحدث القادمون بعد زمن عن هذا الذي نمارسه, وعن هذا الذي نكتبه, على انه تاريخ, ولذلك فلابد ان نكون حذرين جدا, لأن حكم التاريخ لا يرحم أبدا. في تاريخ الصحافة المكتوبة في الامارات يعرف المهتمون من أهل الاعلام والمتابعون لتفاصيل النشأة بأن فضل السبق في مضمار الصحافة المكتوبة يرجع لامارة دبي, عندما صدرت بها نشرة نصفية (تابلويد) عبارة عن صفحتين يسجل عليهما التقرير الشهري لبلدية دبي والذي تطور فيما بعد ليشمل اخبار الامارة وانشطة المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. لقد برزت أسماء من الاخوة العرب الذين كانوا يعملون كموظفين رسميين في البلدية, وهؤلاء هم الذين تحملوا عبء تحرير النشرة وجمع مادتها وطباعتها, ومن بين هؤلاء يذكر تاريخ الصحافة في ذلك الوقت أمين صقر مدير مكتبة دبي العامة, وابراهيم أحمد من بلدية دبي وربحي حلّوم ضابط مكتب الاعلام بالبلدية والذي شغل منصب ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في الامارات خلال الفترة من 1967 حتى أوائل عام 1970. (أخبار دبي) تطورت فيما بعد, وسدت حاجة حكومة دبي لجريدة رسمية, وانضم إليها السيد عبدالغفار حسين نائب مدير البلدية آنذاك مسهما في دعم مادتها الصحفية وهكذا صارت النشرة دورية اسبوعية تصدر بانتظام منذ العام 1965. الصحفي (أحمد نفادي) وهو يرصد تاريخ الصحافة في الامارات يذكر ان هذه الدورية قد تطورت فيما بعد من نشرة إلى مجلة اسبوعية تصدر كل يوم سبت اعتبارا من العام 1970 وظهرت فيها أسماء جديدة مثل عمر الديسي ومحمد نوراني, حيث انتظمت المجلة ودون توقف وبواقع 8500 نسخة داخل الامارات وخارجها متخطية في اهتماماتها نطاق الدولة إلى الأخبار والأحداث العربية والعالمية, والتحقيقات المثيرة, وبطباعة ملونة وورق مصقول, فكانت أول من أدخل الألوان لصحافة الامارات. يذكر ان هذه المجلة وهي في حقبة نهاية السبعينيات أثارت قضية ساخنة حول أحد الكتب المعتمدة للتدريس في قسم التاريخ بجامعة الامارات وهو ما عرف بقضية كتاب (خلافة بني أمية) لمؤلفه (نبيه عاقل) عميد كلية التربية بالجامعة, لقد تابعت المجلة القضية واحتجاج الطلاب والمنشور الذي ظهر في الجامعة وأرسل للمسئولين يومها يهاجم مؤلف الكتاب باعتباره شيوعيا ماركسيا يعرض التاريخ في كتابه من وجهة نظر غير صالحة للتداول في مجتمع محافظ كمجتمع الامارات, وقد نجحت تحقيقات المجلة في الدفع باتجاه حذف الكتاب من المنهاج الجامعي. في مارس 1980 توقفت المجلة لتحل محلها وبنفس الترخيص صحيفة يومية هي (البيان) أما (أخبار دبي) فعادت مجلة اسبوعية تهتم بأخبار البلدية حتى تم ايقافها نهائيا بعد ذلك بثلاثة أشهر. السيد عبدالغفار حسين ومن منطلق حرصه واهتمامه ومشاركته في (أخبار دبي) منذ نشأتها يرى في محاضرة له في نادي دبي للصحافة بأن قرار وقف المجلة يعد خسارة كبيرة لتاريخ الصحافة المكتوبة في الدولة, وخاصة لمجلة قادت بدايات الحركة الصحفية منذ عام 1965, ويتمنى لو ان أحدا من المخلصين يعاود بعث هذا الاصدار واعادته للوجود ثانية, فهل يعتبر ذلك حفاظا على الارث كما يعتقد الاستاذ عبدالغفار؟ أم انه تلبية لحاجة؟ نوافق السيد عبدالغفار حسين في حرصه على الارث الصحفي بالدولة, لكننا لا نعتقد ان بعث (أخبار دبي) حاجة ملحة في وقتنا الحالي خاصة وان الساحة تمتلئ باصدارات ومجلات أسبوعية لا حصر لها, وللأسف لا تضيف جديدا بقدر ما تكرر نفسها وموضوعاتها, دون ان تثير قضية باتجاه التغيير إلا فيما ندر, فلماذا تنبعث مجلة أخرى من غياهب التاريخ. مما لاشك فيه ان (أخبار دبي) بصمة في تاريخ الصحافة في الامارات ولا يذكر هذا التاريخ إلا مصحوبا بذكرها, وقمة الحفاظ عليها ان تبقى الأمور في اطار صيرورتها التي حدثت حفاظا على نكهة الماضي وجمالياته, فهناك من الجمال ما يجب ان يبقى في الذاكرة ليظل جميلا. فسلام على كل الحاضرين والغائبين الذين صنعوا (أخبار دبي) لتبرز إلى الوجود صحيفة (البيان)