لا يكاد يمر أسبوعان او ثلاثة دون ان نسمع ان كاتبا صحفيا في بلد عربي او اخر جرى اعتقاله او محاكمته بسبب انتقاده السلطة او (ترويج معلومات كاذبة) . فالى متى يظل الاعلام العربي مكبلا بقيود السلطة بينما يتسع يوميا نطاق الثورة المعلوماتية العالمية؟ لنتفق اولا ان المحنة بالدرجة الاولى سياسية في العالم العربي, وأن التخلف الحضاري الاعلامي ليس سوى أحد افرازاتها. فلا مجال لشيوع قاعدة (الرأي والرأي الاخر) الا اذا رسخ اولا عن طريق الممارسة مبدأ تداول السلطة بالوسائل السلمية. والمحنة الاساسية هي إذن ان الاوتقراطية هي الطابع الغالب لأنظمة الحكم في الوطن العربي. الاعلام في اي زمان او مكان لا ينطلق من فراغ.. ولذا فان الحرية الاعلامية التي تكفل التدفق المعلوماتي الاخباري دون عوائق, والرأي المعارض جزء لا يتجزأ من منظومة الحريات المدنية في التعبير والتنظيم. وتأسيسا على ذلك فان كبت الحرية الاعلامية في الوطن العربي بوجه عام إنما يعكس على الفور الطبيعة القهرية للسلطة في التعامل مع من يختلفون معها في التوجهات السياسية, جماعات كانوا ام افرادا. وكما يحظر على الجماعات المعارضة تكوين احزاب او (تدجين) احزاب قائمة فان مما يتبع ذلك بالضرورة ان يحظر عليها تملك وإصدار صحف او فرض قيود قانونية ثقيلة على الصحافة غير الحكومية بحيث تعجز عن نشر المعلومة الاخبارية الكاملة والاراء الانتقادية. وبنظرة سريعة على ملامح البيئة الاعلامية العامة في الوطن العربي نجد اولا ان الاعلام الالكتروني (محطات اذاعية وتلفزيونية وفضائيات) محتكر بالكامل بواسطة السلطة. ورغم ان هناك عددا محدودا من الدول العربية تسمح بتملك واصدار صحف على صعيد القطاع الخاص, الا ان الغالب الأعم هو ما يطلق عليه (الصحف القومية) وهو اسم يقصد به الصحف التي تملكها وتديرها وتنفق عليها الدولة. ان تملك الدولة في العالم الثالث للمحطات الاذاعية والتلفزيونية والفضائيات ليس امرا سيئا في حد ذاته.. بل ان الافضل الا يسمح لرأس المال الخاص بتملك مثل هذه الوسائل الاعلامية خطيرة الشأن. لكن بالقدر نفسه ليس محبذا ان تفرض الدول سيطرة احتكارية كاملة عليها.. فالوضع الامثل هو ان تكون هذه المؤسسات الاعلامية الكبرى من حيث السياسات قومية الطابع بما يتيح للمعارضة المشاركة في الاستفادة منها سياسيا. الصحافة قصة مختلفة. لا بأس ان يكون للسلطة دور صحفية.. لكن هذا لا ينبغي ان يمنع الاحزاب والمنظمات السياسية بمختلف توجهاتها ان يكون لها هذا الامتياز نفسه. هذا يعود بنا الى القضية الاساسية.. وهي ان تغير نظرة السلطة في العالم العربي رهن بتغير طبيعة السلطة نفسها من الاوتقراطية الى الليبرالية. وربما يقال ان هذا حديث تنظيري تجريدي فلا تتوافر مؤشرات مرئية بأن السلطة في الوطن العربي راغبة طوعا في تغيير ذاتها. لكن الحديث يصبح أقل تنظيرا واقل تجريدا اذا اخذنا في الاعتبار زخم الثورة المعلوماتية الاخبارية التي تجتاح العالم كله في هذا العصر. هي ثورة وليدة ثورة الاتصالات التي أفرزت ابداعيات آلية للتدفق المعلوماتي, ابرزها البث الفضائي المباشر بالاقمار الصناعية والكمبيوتر والانترنت.. بل وجهاز الفاكس الذي صار الوسيلة الاعلامية المفضلة (مع الانترنت) للجماعات السرية المحظورة. انها اذن مسألة وقت فقط.. قبل ان يكتمل اجتياح الثورة المعلوماتية لمجتمعات العالم الثالث. والأفضل والاكرم للسلطة العربية ان تغير ما بنفسها قبل ان تفرض عليها ثورة العصر نفسها.