بارك الله الدكتور فؤاد زكريا, فقد حرك المواجع ونكأ الجراح واقتحم منطقة شديدة الحرج بخصوص جهاز التلفزيون المصري الذي اعتاد منذ نشأته أن يسوق الهبالة على الشيطنة, فيصور أغلب برامجه بالبلوشي, وحتى الطاقة الكهربائية اللازمة للتصوير يجري سحبها على حسابك اذا كان التسجيل في بيتك. أما رد فعل السادة بتوع التلفزيون فهو انتظار كلمة شكر من سيادتك, على أساس أنهم أتاحوا لك فرصة للشهرة كنت تبحث عنها وتسعى اليها. لم يفطن بتوع التليفزيون أن هذا الأمر كان مبلوعا في أيام الشباب, وفي بداية الطريق, أما الآن وقد بلغنا السبعين, فماذا تجدي الشهرة لرجل بلغ السبعين من عمره!؟ ومع ذلك استمر بتوع التليفزيون يسوقون الهبالة على الشيطنة. وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد, ولكن يحدث أحيانا ما هو أسوأ. والعبد لله شخصيا اعتاد الاعتذار عن الاشتراك في أي برامج تلفزيونية بالرغم من المطاردة الشديدة والساذجة في الوقت نفسه. وأقول الساذجة لأن بعض الفاضلات من فتيات التلفزيون تتصل بك تلفونيا فجأة لتدعوك الى الاشتراك في برنامج لايستطيع أحد غيرك أن يصول ويجول فيه.. ويأتيك صوت مقدمة البرنامج تغريك بالاشتراك في البرنامج.. تصور سيادتك البرنامج يتعرض للضحك, وهل هو ترف أم ضرورة؟ ويستهبل العبد لله هو الآخر ويرد على الست المذيعة قائلا: ماشي.. كلميني بعد اسبوع إن شاء الله. وتشهق المذيعة وتقول: والتسجيل الليلادي إحنا حاجزين الاستوديو فأرد عليها قائلا: دي مش مشكلتى, دي مشكلتك. أما أنا فسأكون جاهزا بعد أسبوع. أذهب الى نادي الصحفيين أحيانا فأجد في انتظاري فريق عمل بأكمله, مخرجاً ومصورين, وكل شئ جاهز وتحت أمرك. وأعتذر للفريق بأنني على أهبة الاجتماع مع مجلس الادارة, وي ويكون الجواب, احنا قاعدين لحد ما الاجتماع ينتهي. وأقول للسادة بتوع التلفزيون.. لا أعتقد أن الاجتماع سينتهي قبل الفجر. ويأتيني الجواب:طيب مش ممكن نسجل ولو ربع ساعة!! ذات مرة قبلت عرض التلفزيون بالتسجيل في حلقة في ذكرى الكاتب الكبير المرحوم كامل الشناوي. وللأستاذ كامل في نفسي مكانة كبيرة, ولا أجرؤ على رفض الاشتراك في برنامج عن كامل الشناوي. وجاءت الست التي تعد البرنامج وسجلت معها حوالي ربع ساعة, عن علاقتي بكامل الشناوي عن حوارات كامل الشناوي ودعابات كامل الشناوي ومقالب كامل الشناوي. وعرفت من الست المذيعة أنها سجلت للأستاذ الكبير مصطفى أمين, ثم جاء وقت اذاعة البرنامج وصعقت, أذاعوا دقيقتين للعبد لله, وثلاث دقائق للرجل الكبير مصطفى أمين, ثم بقية الوقت الذي استمر ساعتين للسيد مدير الاذاعة والسيد مدير قطاع الانتاج والسيد مدير القناة, ولم يكن لأحد منهم صلة بكامل الشناوي من قريب أو بعيد. واتصلت تلفونيا بالأستاذ مصطفى أمين وسألته: كم استغرق حديثك في برنامج كامل الشناوي؟ قال حوالي نصف ساعة. قلت ولكنهم لم يذيعوا إلا ثلاث دقائق. واتصلت بالوزير صفوت الشريف وحكيت له ما حدث.. وأعتقد أنه أجرى تحقيقا فيما حدث, وأقسمت أن أتمسك بسياستي القديمة, فأرفض الظهور في أي برنامج مهما كانت الظروف والأسباب. ولكني بعد أسابيع قليلة اضطررت الى التسجيل في برنامج عن الفنان الراحل محمد رضا, ولم يكن الفنان الشعبي رضا مجرد صديق للعبد لله, ولكنه كان توأم روحي, وهو الوحيد الذي قام ببطولة جميع مسلسلاتي الاذاعية والتلفزيونية, كما اضطلع ببطولة المسرحيات الخمس التي كتبتها للمسرح, من أول فيضان النبع الى عزبة بنايوتي الى النصابين الى الأورنس الى بين النهرين. علاقتي بمحمد رضا كانت تفرض على العبد لله الاشتراك في برنامج يذاع في ذكرى الفنان رضا, حتى لو سددت اشتراكاً للتلفزيون مقابل هذا الاشتراك. وأخذت راحتي على الآخر, وتحدثت عن موهبة رضا وعن علاقته بدور المعلم ابن البلد, والفرق بينه وبين عبدالفتاح القصري ومحمود نصير ومختار عثمان وعبدالمنعم اسماعيل ومحمد شوقي, وغيرهم ممن قاموا بتمثيل شخصية ابن البلد على خشبة المسرح وعلى شاشة السينما. وجاء وقت اذاعة البرنامج وتكرر الفصل البايخ والغريب والمريب أيضا. دقيقة واحدة من كل اللت والعجن الذي قلته عن محمد رضا, وبقية الوقت لبعض كبار الموظفين في التلفزيون وبعض تجار السينما, وأقسمت أن يكون ظهوري في برنامج الفنان رضا هو المر ة الأخيرة, وأن أمتنع عن الظهور حتى لو كان البرنامج عن أعز وأقرب الأصدقاء . وإذا كانت هذه هي طريقة التعامل مع التلفزيون المصري, فما أبعد الفرق في تلفزيونات الآخرين. في عام 1963 وأثناء زيارة العبد لله لمدينة لندن اتصل بالعبد لله أحد المسئولين عن البرنامج العربي في التلفزيون البريطاني. وسجلت في البرنامج (الواحة) حديثا لمدة ساعة. ولحظة خروجي من الاستديو فوجئت بموظف انجليزي ينتظرني عند الباب وفي يده ورقة قدمها للعبد لله وقال أريد توقيعك هنا .. وبعد أن وقعت مد يده بمظروف قائلا: وهذه مكافأتك.. وفتحت المظروف واكتشفت أنه يضم عدة مئات من الجنيهات وكانت لها قيمة في تلك الأيام, نسيت أن أقول لكم أن أحد المسئولين عن البرنامج العربي في التلفزيون البريطاني في ذلك الوقت كان الكاتب والروائي العربي الكبير الطيب صالح .. صحيح أن المسائل اختلفت الآن فانكمشت المكافأة المادية الى عدة عشرات لاتزيد على عدد أصابع اليد الواحدة. ولكنهم يعتذرون لك عن ضعف ذات اليد وقلة الميزانية, ويتركون لك حرية الاختيار في قبولها أو رفضها. بعكس سلوك العاملين في التلفزيون المصري الذين يشعرون الضيف بأنهم أصحاب اليد العليا لأنهم بإتاحة الفرصة لك بالظهور في التلفزيون قد حققوا لك شهرة ستجلب عليك المنافع حتما .. ولكن كيف؟ علم ذلك عند بتوع التلفزيون المصري الذين يعرفون المسالك التي تحقق المنافع ويجيدون الوصول اليها من الأبواب الأمامية والأبواب الجانبية والأبواب الخلفية أيضا! آخر تجربة للعبد لله مع التلفزيون المصري حدثت في لندن منذ أسابيع, عندما فتحت جهاز التلفزيون (القناة الفضائية) عن برنامج (ابداع) المفروض أنه يقدم كبار المبدعين, وكانت المفاجأة أن الضيف هو مندوب اعلانات في إحدى الجرائد الخليجية, وهو بالطبع لاينتظر أجرا, ولكنه حاضر واللي في جيبه مش بتاعه وخير ربنا كتير والحمد لله . وأقول للسيد الوزير صفوت الشريف, الموضوع الذي تعرض له الدكتور فؤاد زكريا ينبغي دراسته, هذا إذا أردنا إعلاما بالمستوى المطلوب. وشكرا للدكتور فؤاد زكريا الذي حرك المواجع, شكرا له فقد شجعنا على البغبغة والكلام!