على أي نحو ينتهي اختبار القوة بين البشير والترابي قلت في الحلقة السابقة ان هناك صراعا طويلا لمدى سنوات بين رؤيتين متضادتين في المستوى التنظيمي الاعلى لحزب (الجبهة القومية الاسلامية) : رؤية الفريق الذي يرى في النظام الحاكم أداة محتكرة للجبهة على الصعيد الداخلي، وأداة لخدمة المد الاسلامي الراديكالي العالمي على الصعيد الخارجي مقابل رؤية الفريق الذي يتبنى أجندة ذات طابع مروني وانفتاحي داخليا وخارجيا بما في ذلك انفتاح على القوى السياسية الداخلية المعارضة واتباع براجماتية عملية في ميدان العلاقات الدولية بما في ذلك العلاقات مع دول الجوار, افريقية كانت أم عربية. واختبار القوة المتفاعل بين البشير والترابي يتلخص اذن في سؤال بصيغة اخرى: أي التوجهين ينتصر؟ الاجابة على هذا السؤال تتطلب لمحة الى الوراء. لقد خرج تنظيم (الجبهة) الى حيز الوجود قبل نصف قرن تحت اسم (الاخوان المسلمين) . ود. حسن الترابي الذي تولى قيادة التنظيم ابتداء من عام 1963 ـ أي قبل 37 سنة ـ ينتمي الى الجيل التأسيسي.. وهو بحكم الزمن جيل منقرض. واذا كان تنظيم (الجبهة) يبدو اليوم بمعايير العمل السياسي التنظيمي الراهن في العالمين العربي والاسلامي تنظيما راديكاليا متطرفا فانه لم يكن كذلك في بدايته, في اوائل خمسينيات القرن المنصرم وحتى عقد السبعينيات. على العكس كان تنظيما يمينيا يتمتع برعاية بدرجات متفاوتة في الانظمة الحاكمة المحافظة في العالم العربي والعالم الاسلامي. وعلى هذا النحو يقال ان التنظيم كان يتمتع ايضا برعاية ودعم من وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية كترياق ضد التنظيمات الشيوعية التي كان لها وجود جماهيري لا يستهان به طوال عقدي الخمسينيات والستينيات. ولهذا يمكن القول ان د. حسن الترابي عاش نصف عمره السياسي كمرشد عام مخضرم للتنظيم زعيما محافظا يمينيا. في هذه الاثناء أخذت عناصر الجيل التالي من الناشطين داخل التنظيم تتدرج الى اعلى في المناصب القيادية. هذا هو الجيل الذي نشأ مقتديا بالخميني والثورة الايرانية. ورويدا ورث هذا الجيل مناصب القيادة العليا في التنظيم. وفي تقديري ان د. الترابي قرر ان يركب الموجة الجديد من قبيل الحرص على الاحتفاظ بالزعامة. هنا, في تقديري ايضا تبلورت مفارقة عجيبة على طريقة (سوء الفهم) في الفن المسرحي الدرامي. فبينما عمد الترابي الى ركوب نهج المبالغة في الراديكالية في تنافسه مع قادة الجيل الجديد في التنظيم فان قادة الجيل الجديد انفسهم اخذوا يتعلمون ذاتيا دروس النضج السياسي الذي يفضي الى المرونة والاعتدال النسبي. من أبرز هؤلاء العناصر القيادية الجدد نسبيا, علي عثمان محمد طه ود. غازي صلاح الدين ود. نافع علي نافع. هؤلاء هم (النجوم) الذين اختاروا ان يقفوا ضد د. الترابي كرمز يرون ان الزمن قد تجاوزه.. وهم قادة الفريق المناوئ الذي يمثله الرئيس البشير. وتبقى الاسئلة الكبرى: اي الفريقين يحتفظ بولاء القاعدة الشعبية المنظمة للجبهة؟ هل الترابي فعلا رمز تجاوزه الزمن؟ هل تنظر اليه كوادر القاعدة الشعبية للجبهة كمجرد رمز تنظيري قد يثير الاعجاب من على بعد لكنه لم يعد يملك ارادة القيادة؟ هذه الاسئلة وأمثالها هي التي تلخص معنى (اختبار القوة) الذي نشهده بين البشير والترابي. ويبدو انه اختبار يقترب من لحظة الحسم النهائي.