هذا خبر يستحق الاحتفاء به, لأنه يعني الكثير للمواطن المغلوب على أمره في كل أنحاء وطننا العربي فها نحن أخيرا, وبعد سنوات طويلة وصعبة, نشهد الاعتراف الرسمي بالمنظمة العربية الأم في مجال حقوق الإنسان, وها هي الحكومة المصرية توقع اتفاقا مع المنظمة ينظم العلاقة بين الجانبين وقد يمر الخبر الآن بلا ضجيج, ولكنه لمن شهد البدايات الصعبة والعقبات الهائلة يعني الكثير.أعود بالذاكرة الى لحظات البداية, أتذكر شيخ المجاهدين فتحي رضوان رحمه الله بقدر ما أعطى لأمته وهو يضرب كفاً بكف من الموقف المأساوي الذي حدث. كانت جماعة من المثقفين من كل الوطن العربي قد بدأت العمل لإنشاء منظمة تدافع عن حقوق الإنسان العربي وتبشر بعهد جديد لا يتعرض فيه المواطن للقهر والتعذيب, ولا يدخل السجون بدون محاكمة, ولا يفقد رأسه لأن (الزعيم ) قد غضب عليه. لم يكن في نيّة هؤلاء أن يستخدموا القوة, أو يدعوا لقلب أنظمة الحكم, أو يؤيدوا الخروج على القانون كان كل ما يريدونه أن تصل دعوتهم للناس, وأن يرصدوا ما يحدث من انتهاكات لحقوق الإنسان العربي, وأن يواصلوا الدعوة لالتزام الجميع بالمواثيق الدولية وبمبادئ العدل والحرية. ولم يكن أحد يتوقع أن تسعد الأنظمة العربية لذلك التوجه, ولكن أحداً لم يكن يتوقع أن تصل الأمور إلى حد الفضيحة فقد رفضت كل العواصم العربية أن تستقبل اجتماع المثقفين العرب لإعلان مولد منظمتهم للدفاع عن حقوق الإنسان العربي, ولم يجد هؤلاء مفراً من أن يعلنوا ميلاد المنظمة (العربية ) لحقوق الإنسان من على أرض (الشقيقة) قبرص !!. ومن البدايات الصعبة والتجاهل الرسمي, إلى الاعتراف الواقعي, إلى الاعتراف الرسمي الأخير مرت حركة حقوق الإنسان العربي برحلة شاقة ورغم أن القاهرة سمحت للمنظمة الأم بالعمل من القاهرة, فإنها لم تعطها الوضع القانوني الرسمي, ورغم اعتراف القاهرة بعشرات المنظمات (المصرية ) لحقوق الإنسان, فإنها لم تعترف بالمنظمة (العربية ) الأم رسميا حفاظاً على علاقاتها الرسمية العربية, وخوفاً من أن تؤدي تقارير المنظمة إلى مشاكل مع حكومات عربية, فتطالب هذه الحكومات القاهرة باتخاذ (ما يلزم ) تجاه المنظمة المستقلة. ولقد تعاملت المنظمة مع هذا الواقع بالكثير من الرشد, استغلت الاعتراف (الواقعي ) بوجودها في ممارسة نشاطها بصورة طبيعية, وانصرفت للعمل الجاد مدركة أن الزمن في صالح الإقرار بحقوق الإنسان في العالم كله, صحيح أن الغرب الذي حمل لواء الدعوة أخيراً لا يفعل ذلك لوجه الله, وصحيح أن أمريكا وأوروبا تتعاملان مع هذه القضية بطريقة انتقائية فهي تغمض عيونها عندما يتعلق الأمر بالإرهاب الإسرائيلي ضد العرب وتقيم الدنيا وتقعدها من أجل مواطن غربي أو سجين يهودي متهم بالتجسس, وصحيح أيضاً أن الغرب يحاول استغلال القضية في ابتزاز حكومات العالم الثالث, فهو يتعامى عن أبشع الانتهاكات في هذه الدول إذا كانت حكوماتها تسير كما يراد لها وتنفذ المطلوب منها, فإذا تمردت وأعلنت العصيان ظهرت الملفات السوداء وبدأت حملات التشويه صحيح كل ذلك, ولكنه لا ينبغي أن يمنعنا عن التمسك بحقوق نحن الذين بشرنا بها منذ فجر التاريخ قبل أن تداهمنا عصور الظلام, ونحن الأولىّ باستعادتها لتعود كما كانت ركناً من أركان المجتمع العربي والإسلامي. وإذا كانت حركة حقوق الإنسان قد ترسخت الآن في العالم العربي, فالفضل أولاً للذين عملوا في أصعب الظروف وعبروا الكثير من المحن والصدامات وإذا كان العالم العربي قد أصبح مزدحماً بعشرات أو مئات المنظمات القطرية في هذا المجال, فإن الإنصاف يقتضي أن نقول إن بعضها كان عونا لحقوق الإنسان العربي, وبعضها كان عبئا عليها لكن المحصلة النهائية بلاشك إيجابية, والدور الذي قامت به المنظمة العربية الأم جدير بالاحترام, فقد استطاعت أن تجتاز أزمات كان من الممكن أن تقضي عليها لولا الوعي الشديد الذي أدارت به معاركها. لقد استطاعت المنظمة أن تنجو بنفسها بعيدا عن صراع الأنظمة وأصرت من البداية أن تكون حركة غير حكومية فلم تلجأ للتمويل الرسمي من الحكومات, ورفضت أن تنتقل الخلافات الرسمية العربية إليها لتدمرها وقد ساعدها ذلك في التعامل بحرية وحياد مع الجميع. * واستطاعت المنظمة أن تتعامل بالكثير من الموضوعية مع ا لظاهرة التي داهمت المجتمعات العربية في الثمانينيات والتسعينيات وهي ظاهرة الإرهاب ووقفت المنظمة موقفاً حاسماً ضد هذه الظاهرة, ولكنها لم تكتف بذلك بل وقفت أيضا ضد تجاوزات السلطة في مواجهة إرهاب المتطرفين. * وفي الوقت الذي أحاطت الشبهات بالتمويل الأجنبي للعديد من المنظمات المحلية في بعض الأفكار العربية, خاصة حين ارتبط هذا التمويل بقضايا تمس الأمن القومي كما حدث في قضايا الفتنة الطائفية في مصر, فإن المنظمة العربية استطاعت أن تبتعد عن هذه الشبهات باعتمادها في التمويل على أعضائها وأصدقائها في العالم العربي بعيداً عن منظمات ثبت ارتباطها بالمخابرات الأجنبية. * إن سيطرة القوميين الحقيقيين على مقاليد الأمور في المنظمة أتاح لها الفرصة لكي تعبر من أزمات طاحنة, ولعل ما حدث في كارثة غزو الكويت المثال الأوضح على ذلك, فقد تغلبت الروح القومية في معالجة الكارثة, فنجت المنظمة من الانهيار رغم اللحظات الصعبة التي واجهتها. . * * *. وقبل شهور عقدت المنظمة في القاهرة مؤتمراً مهما حضرته مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة المختصة بحقوق الإنسان, وشارك فيه وزراء مصريون ومثقفون من مختلف أنحاء العالم العربي وكانت المفارقة أن كل هذا يتم عبر منظمة لا تملك الاعتراف القانوني وكان واضحاً أن هناك خطأ فادحاً ينبغي تصحيحه وهذا ما تم قبل أيام بالاتفاق الذي وقعته الخارجية المصرية مع الأستاذ محمد فايق أمين عام المنظمة منذ إنشائها, لتبدأ مرحلة جديدة في عمر المنظمة وفي تطور حقوق الإنسان في العالم العربي. وفي المرحلة الجديدة تبرز مهام جديدة لابد أن تكون في الاعتبار عند وضع خطة العمل المستقبلية. إن جهداً كبيراً لابد أن يبذل لضبط حركة المنظمات المحلية في الوطن العربي حتى لا يصبح وجود بعضها وبالاً على حركة حقوق الإنسان, وثغرة ينفذ منها المتربصون. إن إقرار مبدأ الشفافية في العمل داخل هذه المنظمات أمر ضروري, ووضع الضوابط للتمويل الخارجي مسألة لاينبغي أن تتأخر, حتى تحتفظ هذه المنظمات بمصداقيتها من ناحية, وحتى نصد هجمة من يتوهمون أنهم - بملايين المخابرات - يمكن أن يجدوا ثغرة ينفذون منها للإضرار بالأمن الوطني. إن جهداً كبيراً ينبغي أن يبذل للتوفيق بين عالمية المواثيق الدولية وبين خصوصية المجتمعات العربية وأظن أن الإدراك السليم للحقوق التي كفلها الإسلام للمواطن كفيل بأن يفضح ما يتم ترويجه في الغرب عن طبيعة أنظمة الحكم الإسلامية, كما أنه كفيل بالقضاء على استغلال بعض هذه الأنظمة لبعض عصور التخلف باعتبارها المثل والنموذج وإهمال عصور الازدهار والنهضة العربية التي قامت على حرية الفرد واحترام الإنسان. إن جهداً أكبر لابد أن يتم لكي تتحول حركة حقوق الإنسان في العالم العربي من جهد للنخبة إلى حركة للمجتمع, ولكي يفرض الأمر نفسه على كل الأنظمة العربية إذا أرادت البقاء في عالم جديد كما أن جهداً مضاعفاً ينبغي أن يتم مع هذا العالم الجديد لكي لا يتعامل بمكيالين ولكي ينهي الانحياز للنازيين الإسرائيليين ضد العرب فحقوق الإنسان واحدة ومتاجرة الغرب بها ستكون له أوخم العواقب. ونظرة واحدة على عالمنا العربي تكشف صعوبة المهمة, ولكنها تؤكد ضرورة النجاح فيها أيضا فالنظم في العالم كله تعرف أنها لا تستطيع أن تملك الشرعية وتمارس القهر على شعبها أو على شعوب أخرى في نفس الوقت ونحن العرب بالتأكيد أحق الناس بالتمسك بحقوق الإنسان الذي كرمه الإسلام, وأولى الناس بالكفاح على هذا الطريق فنحن الذين قاسينا من الاستعمار, وعانينا - ولا تزال - من النازية الصهيونية, وعانينا من جماعات إرهاب وعصابات إظلام, وعانينا من غياب الديمقراطية واختلال الموازين الاجتماعية. . * * *. هذه خواطر أثارها خبر لم يتم الاحتفاء به كما ينبغي, رغم أنه يمثل - فيما أظن - نقلة مهمة في التعامل مع المواطن العربي في كل مكان والتحية هنا واجبة لروح الراحل العظيم فتحي رضوان الذي رأس المنظمة العربية لحقوق الإنسان عند نشأتها فأعطاها من روحه المقاتلة وشخصيته المعطاء الكثير والتقدير واجب لرفاقه الذين أكملوا المسيرة باحترام بالغ للحقيقة وللإنسان العربي ومعظمهم كان قد ذاق طعم السجن الظالم وازداد يقينه بقيمة الحرية والديمقراطية مثل محمد فايق الذي خرج من سجون السادات ليبدأ مشوارا جديدا ويتولى أمانة المنظمة منذ إنشائها وحتى الآن. لهم التحية ولنا الأمل في أن يكون الغد أفضل للوطن والمواطن معا.