تشخص الابصار في كل عام منتظرة تقريرين يصدران في الغرب, احدهما هو تقرير (حقوق الانسان) والثاني هو تقرير (الارهاب) . والرسالتان متناقضتان يرسلهما الغرب سنويا الينا نحن في العالم الثالث, ويتعجل بعضنا ليقرأ في هذين التقريرين مايشتهيه من دعم او دحض لوجهة نظر مسبقة. المتفحص لهذه التقارير يتساءل حائرا: ماذا يريد الغرب منها على وجه التحديد؟ فتقارير حقوق الانسان تتهمنا بالكثير من الاساءة لهذه الحقوق الشخصية والعامة, بل انها تقرأ الممارسات القضائية والقانونية المطبقة في بعض بلادنا, في ضوء نصوص القوانين السائدة لديهم وتتخذ من مفاهيمها القانونية معيارا تقيس عليه قوانيننا لتخلص في النهاية الى الحكم عليها بأنها ممارسات مضادة لحقوق الانسان, متجاهلة ـ هذه التقارير ـ ان القوانين التي تصدر في دولة ما انما هي انعكاس لثقافة شعب هذه الدولة ونظرته الى الوجود ومفاهيمه الدينية والحضارية. وعلى الناحية الاخرى تطالب التقارير بتتبع (الارهاب) وتجفيف منابعه بكل الطرق المتاحة, وحسب القواعد المفترضة عندهم. وان لم يتم ذلك تصبح العقوبة التي تترتب على هذا الامر ليس فقط حرمان هؤلاء الاشخاص المسئولين عن الارهاب من حقوقهم المدنية, بل تجاوز هؤلاء الى سحب العقوبة على جميع مواطنيهم بالتبعية ايضا دون دليل او تبرير. هذا التناقض هو الذي يوقع الناس عندنا نهبا للحيرة والريبة, وهو الامر الذي ينعكس دائما في تعليقاتهم في مثل هذه المناسبات والتي تدور في مجملها حول (ازدواجية المعايير) عند اهل الغرب وما يجنحون اليه احيانا او غالبا من الكيل بأكثر من مكيال. يحاكم اثنان من المواطنين الليبيين في هولندا, امام هيئة محكمة اسكتلندية, بتهمة اسقاط طائرة منذ احد عشر عاما مضت. وبرغم ضعف عناصر الاثبات وتقادمها, وقيام معظمها على الشك لا اليقين, فإن المجتمع الدولي الجديد لم يتخل عن المطالبة بالمتهمين ثم مثولهما امام المحكمة. وفي هذه الفترة الطويلة استجوب حوالي خمسة عشر ألف شخص ودار البحث عن ادلة في ثلاثين دولة. ومع ذلك فإن التعليقات الدولية التي تسربت تشير الى (صفقة) سياسية تمت على اطراف هذه المحاكمة, وهو الامر الذي يشي بأن المسألة ليست ـ كما يبدو للعامة من الناس ـ محاكمة تستهدف معاقبة اشخاص والبحث عن العدالة, بقدر ما هي تصفية حسابات وتقاضي اثمان سياسية في صفقات تتمحور حول المصالح السياسية وليس المبادىء الانسانية! ومن اللافت انه في حين سعت دولة مثل المملكة العربية السعودية بجد ومتابعة دائبة لهذه القضية الدولية التي اوقعت الشعب الليبي تحت الحصار, لتصل هذه القضية الى ما وصلت اليه من حلول تضع القضية كلها امام القضاء وترفع عن الشعب الليبي ما يعانيه من غير ذنب, في حين سعت المملكة العربية السعودية, على أعلى مستوى ديبلوماسي الى نزع فتيل هذه القضية (الانسانية) حتى نجحت في النهاية في ايجاد حل لها, تصدر بحقها, الآن اتهامات تتعلق بحقوق الانسان وتنشر على اوسع نطاق, في الوقت الذي لم تلاحظ في وسائل الاعلام العالمية ان المملكة العربية السعودية قد انتخبت بأغلبية كبيرة من الدول عضوا في لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة وجرت عملية الانتخاب بطريقة سرية, اي باقتناع تام من معظم الدول. وفي كل عام تدخل كل من قائمة (الارهاب) الدولي, وقائمة (حقوق الانسان) دولا جديدة وتخرج منهما دول اخرى ولكن هذا وذاك لا يحدثان بناء على قواعد دولية ثابتة ومنصفة ومتعارف عليها ولكنها في الغالب قواعد سياسية ـ لا قانونية ـ تخضع لمزاج سياسي ومصالح سياسية. لذلك نرى انه في الوقت الذي تزعم فيه التقارير ان دولة ما تمارس اعمالا مضادة لحقوق الانسان, تتغاضى هذه التقارير ـ نفسها ـ عن ممارسات صارخة تحدث امام ناظريها, في اماكن اخرى. والشيء المؤكد ان هذا الامر لن يستقيم في مثل هذه القضية (حقوق الانسان والارهاب) الا اذا كانت هناك مرجعية دولية تحدد المعنى الدقيق والموضوعي للارهاب من جهة, ولخرق حقوق الانسان من جهة اخرى. فالمتابع يعجب كيف يمكن ان تغص هذه المؤسسات الدولية النظر عن خروق لحقوق الانسان في بلاد كثيرة مثل اسرائيل التي تنتهك حقوق العرب المواطنين فيها, وكذلك الانتهاكات التي يعاني منها المسلمون القاطنون في بلاد الغرب, وذلك على سبيل المثال لا الحصر. لقد فرغت توا من تصفح كتاب لديك لويس, وهو باحث بريطاني ومستشرق, نشر كتابا اخيرا عن الجالية اليمنية التاريخية في شمال بريطانيا وبشهادة منه عانى هؤلاء العمال البسطاء ولأجيال عديدة من اضطهاد عرقي بالغ الاذى ما زالت تحمل اجيالهم الحالية بعض نتائجه. اما الجنود الشرقيون في جيش الامبراطورية البريطانية الذين حاربوا تحت رايتها على مدى قرنين من الزمان فإن احفادهم وبني جلدتهم لا يزالون مظلومين يعانون من عدم الانصاف تاريخيا ومعنويا. وفي الاسابيع القليلة الماضية انشغل الغرب بثلاث قضايا قادمة كلها من العالم الثالث, الاولى هي حصول الصحافي السوري السجين نزار نيوف على جائزة اليونيسكو للحريات للعام ألفين. أفلا يطرح هذا التوقيت تساؤلا حول ما اذا كان الدافع وراء هذا الموضوع ذا صبغة (سياسية) اكثر منها (انسانية) تتعلق بالدفاع (البريء) عن الحريات خاصة حين نتذكر ان هناك اشارات في التقرير الاخير حول الارهاب الذي صدر اول هذا الشهر تلمح الى انه اذا وقعت سوريا اتفاق سلام مع اسرائيل فسوف يرفع اسمها من قائمة الدول التي تنتهك حقوق الانسان! ولقد انشغلت وسائل الاعلام من جانب ثان بالصحافي الآخر من تونس وهو توفيق بن بريك الذي اطلقت السلطات التونسية سراحه بعد حملة فرنسية وربما دولية ومنحته فرنسا سمة دخول لأراضيها. هذا الاهتمام الفرنسي بحرية (بن بريك) يتنافى مع ما هو معروف من ان حريات العرب المهاجرين الى فرنسا ليست في افضل حالاتها نلاحظ ايضا ان الحاصلين على جائزة الحريات الصحافية من اليونيسكو في السنوات الثلاث الاخيرة هم من الصين ونيجيريا وكان الاخير هو السوري نزار نيوف وهو الامر الذي يؤكد ان القضية ليست قانونية بقدر ما هي سياسية تخضع لعملية الارخاء والجذب السياسيين. وهناك امثلة اخرى تبدأ من تظاهرات البربر في المغرب التي وجدت لها في الايام القليلة الماضية مساحة واسعة في وسائل الاعلام الغربية بعد ان انطلقت في الاول من مايو في مدينة الرباط, ولا تنتهي عند وصول اول بعثة من لجنة حقوق الانسان الى الجزائر للتحقيق في اختراقات حقوق الانسان هناك, وقد صرح ناطق باسمها فور وصوله الى الاراضي الجزائرية بأن (حقوق الانسان تخترق في الجزائر من الحكومة ومن القوى المناهضة والاسلامية) . فإذا كانت حقوق الانسان غير مرعية في العالم الثالث, فإن ينبوع الارهاب كما يبدو في التقرير الامريكي الاخير كامن في الشرق الاوسط, فمن بين سبع دول اشار اليها التقرير واتهمها مباشرة برعاية الارهاب, هناك خمس دول شرق اوسطية, اربع منها عربية هي بجانب ايران: العراق وليبيا والسودان وسوريا, اما الدولتان الاخريان فهما كوريا الشمالية في شرق العالم وكوبا في غربه. ومن المهم ان ننظر في المعنى التاريخي للارهاب ففي الموسوعة البريطاينة وتحت عنوان الارهاب في الشرق الاوسط, نراها تقرر ان الارهاب قد قدم للشرق الاوسط مع العصابات الصهيونية في فلسطين في ثلاثينيات واربعينيات القرن العشرين! مهما كان الرفض قويا ومبررا حيال التقرير السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية الامريكية حول الارهاب والعنف في العالم فإن المطلوب هو تقديم الادلة الموضوعية, فباكستان, مثلا التي ألمح اليها التقرير قالت انها تعاني مما خلفه الجهاد ضد غزو الاتحاد السوفييتي لافغانستان في الثمانينيات وكان ذلك الجهاد يلقى المؤازرة من الولايات المتحدة لذا فإن ذيوله التي خلفت الارهاب الحالي هي مسألة تتحمل تبعاتها الولايات المتحدة فقد اشيد بهؤلاء المجاهدين عالميا في وقت سابق, بل انهم استقبلوا الابطال في البيت الابيض وقتذاك! لعل هذه المناقشة الباكستانية تقدم لنا المظلة الاخلاقية والسياسية التي تفرض التدقيق في المفاهيم المتعلقة بحقوق الانسان من جهة والارهاب من جهة اخرى وهي على تعقيدها تقدمها لنا في ابسط صورة, ففي وقت ما يكون الفعل السياسي بطوليا ومحبذا ومدعوما وفي بعض الاوقات الاخرى يوصف الفعل نفسه او مثيله بأنه يشكل ارهابا وخروجا على القانون ويصبح مذموما وفي الجانب الاخر يتسامح مع اختراقات ضخمة لقواعد حقوق الانسان في دولة معينة, بينما تتخذ في دول اخرى ذريعة لضغط سياسي او اقتصادي, وقد يكون تصرف ما في بلد مقبولا او موضعا للتسامح بينما يرفض في بلد اخر فلقد كان الفلسطيني في غزة يمنع من زيارة اهله في القدس, ولا يسمى ذلك خرقا لحقوق الانسان. لا الارهاب بمعناه المطلق ولا غمط حقوق الانسان الاساسية امر مقبول او معقول ولا يمكن ان يبرره من لديه عقل يفكر به لكن المعقول ايضا هو ضرورة الا تسيس مثل هذه التقارير او ينظر اليها نظرة احادية تفتقد الموضوعية الى درجة ألا يأبه بها احد حتى لو أرسلت الاتهامات بشكل فج فالدول التي تتعاون في مكافحة الارهاب وتتقدم في احترام حقوق الانسان كما يعترف التقرير المذكور, ستكون في حل من تجاهله. من المؤكد ان عمليات الارهاب في العالم تعيش مرحلة تحول في اتجاهها من جماعات ترعاها دول, الى شبكات دولية مرنة التنظيم ومتغيرة الدوافع السياسية. واذا استمر الحديث باتجاه دول فقط من اجل الضغط السياسي فإن هذه الجماعات سوف تجد الذريعة والمبرر للاستمرار في افعالها, في مأمن من الملاحقة القانونية, وعلى الدول المتضررة من التقارير واجب المناداة من منابر مختلفة عالمية واقليمية بأن تصبح هناك معايير متفق عليها في هذين الموضوعين الحساسين والمهمين كي لا تختلط مبادىء الدفاع عن النفس بمفاهيم الارهاب ذي المصالح الفئوية الضيقة وقبله الارهاب الكارثي وهو ارهاب الحصول على الاسلحة الفتاكة ومنها اسلحة الدمار الشامل.