في ظرف زمني قياسي لا يتعدى اياما, سجلت احصائيات الوفيات موت الطفل (سعود) في مستشفى خاص بسبب جرعة قاتلة من المخدر اثناء اعداده لاجراء عملية جراحية, وقبله جلجلت حادثة مأساوية استدعت اجراء تحقيق واصدار بيان رسمي عن وزارة الصحة لشرح ملابسات وفاة المرحوم محمد عبده احمد حسين, وقبلهما توفي الطفل اسماعيل ابراهيم في احد مستشفيات دبي اثر تشخيص خاطىء ادى لاعطائه علاجا تسبب له في تسمم قاتل, واثناء كتابة هذا المقال يرقد طفل آخر في احد المستشفيات تسبب العلاج الخاطىء في احداث ثقب له في المرىء قاد لسلسلة من المآسي انتهت به إلى غرفة العناية المركزية!! ولا داعي للتذكير بأن حكما قد صدر من جهة قضائية في احدى الامارات ضد احد الاطباء الذين تسببوا في وفاة مريض, ما استدعى الزامه بدفع دية القتل الخطأ! ولايزال مسلسل الاخطاء الطبية القاتلة مستمرا! ومع اننا نتمنى الا تتكرر هذه المآسي, الا اننا نعلم ان اصلاح النظام الصحي في بلادنا لن يتأتى بالامنيات والدعوات الصادقة, ونعلم ايضا ان مآسي اكثر قد حدثت ولم يكشف عنها النقاب, ومآسي اخرى جارى التكتم عليها منعا للافتضاح, لان افتضاحها يعني باختصار دمارا شاملا للكثير من الاشخاص والمصالح! لقد سألتني احدى القارئات عبر الهاتف: إلى اين اتوجه اذا اردت الابلاغ عن تجاوز ما أو خطأ قاتل يرتكب في حق الناس ولا يمكن التغاضي عنه؟ قلت لها: للجهة صاحبة الاختصاص حيث يرتكب الخطأ! قالت: لا احد يريد ان يسمع, وحينما اصل إلى الشخص المختص يبادرني بعجز أو كمن يريد التخلص من مسئولية تثقل كاهله: اتصلي بالصحافة! ثم اكملت بدهشة: هل اصبحتم انتم اصحاب الاختصاص في كل الامور؟! بالطبع الصحافة ليست صاحبة الاختصاص في كل الامور, فلها مجالها الذي يعرفه الجميع, لكن الصحافة اصبحت اليوم تلعب دور مؤسسة الرقابة المجتمعية, حيث هي في النهاية مرآة المجتمع ولسان حاله, وهي المؤسسة الاكثر تعبيرا والتصاقا بهموم الناس, ولذلك يأتي اليها الناس, كل الناس, صحيح انهم يأتون مقتنعين بأنها القاضي والمحقق والمنصف والقادر على احقاق الحق وبسط العدالة, وصحيح انها ـ اي الصحافة ـ لا تستطيع ان تفعل كل ذلك, لكن هذه الثقة تكفي لصناعة وعي اجتماعي ورأي عام نحن في امس الحاجة اليه. من هنا نقول ان حالات التجاوزات التي بدأت تنكشف, ليست جديدة وليست وليدة اليوم, انها انهيار طبيعي لمنظومة الفساد التي تراكمت بمر سنوات الغفلة حينما لم يكن احد يعير اي اهتمام للتجاوزات أو الفساد لعدة اسباب, أما اليوم فان لجان التحقيق بدأت تنهض من سباتها, والمسئولون يردون على اتهامات الصحافة وتساؤلات الرأي العام, وما يحدث في المؤسسة الصحية ستكتمل حلقاته في كل دوائر التجاوزات الاخرى طالما كانت هناك صحافة وطنية صادقة!.