مرة اخرى ـ ويبدو انها لن تكون الاخيرة ـ يستقطب السودان الاهتمام العربي والدولي في اقل من ستة اشهر لمسلسل الازمة السياسية بين اركان الحكم في الخرطوم والحافل بأحداث مثيرة يخشى من تحويلها الى دراما دامية. ولعل فتيل الأزمة الذي يجب الاسراع بنزعه هو التمادي في التهديدات والتحذيرات وتحويلها الى ثارات او ، حسابات لمصالح شخصية بعد اقصاء الرئيس السوداني عمر البشير لحليفه السابق الدكتور حسن الترابي من الحزب الحاكم مستخدما صلاحياته القانونية والدستورية في هذا القرار, فمهما بلغت درجة الخلافات السياسية الداخلية فلا ينبغي ان تصل الى حد التهديد باللجوء الى السلاح في بلد محتقن بالكثير من الهموم والمشاكل. ويكفي السودان تلك الحرب الدائرة في الجنوب منذ خمسة عشر عاما والتي أكلت نيرانها الآلاف من ابناء الوطن الواحد, وجعلت موارد البلاد تنصرف الى الآلة العسكرية رغم حاجتها الماسة الى كل (جنيه) يذهب الى هذه الحرب لبناء بنيتها الاساسية المتواضعة. الحوار والحوار وحده هو الكفيل بأن يعبر بالسودان من هذه الازمة الداخلية مبكرا قبل تصعيدها والوصول بها الى مرحلة لا تحمد عقباها تضيف لجروح الوطن جرحا آخر هو في غنى عنه. ولعل المطلوب من طرفي الازمة ان يكونا اكثر عقلانية لتجنب الانجراف وراء اي اعتبارات شخصية لأن مصلحة الوطن تسبق مصلحة الافراد ايا كانوا. ان الرهان في هذه المرحلة الحرجة, على حكمة وعقل جميع المعنيين بحاضر السودان ومستقبله, والمأمول من الجيش السوداني ان يظل نائيا وبعيدا عن حلبة الصراع, حارسا لأمن الوطن واستقراره ذلك ان تشعب الازمة سوف يزيدها تعقيدا ويجرها للانزلاق نحو الصدام الذي لا تحمد عقباه. والمطلوب من كل الوطنيين في السودان العمل على انجاز المصالحة الوطنية واقرار التعددية السياسية والقبول بها سلوكا وممارسة تضم الجميع لما فيه مصلحة الوطن. ولعل الخبرة التاريخية للشعب السوداني تؤكد ادراكه لأهمية التعددية والتمسك بها في هذا البلد مترامي الاطراف كما يتعين على الاشقاء العرب اصحاب العلاقة وذوي التأثير مد يد العون للسودان لانجاز مشروع المصالحة الوطنية ليتفرغ السودان لما هو اهم واكبر لاسيما التنمية المعطلة التي ينتظرها الشعب السوداني الذي عانى طويلا من تأجيلها بعد تشتيت جهود الدولة في معارك اخرى.