رغم التشابه في بعض الجوانب والغايات, إلا ان هناك اوجه اختلاف عديدة بين التدابير الجنائية والعقوبة,سواء من حيث المضمون او الاساليب او من حيث الاساس والوظيفة والخصائص المميزة أولا ـ من حيث المضمون: نجد ان العقوبة قدر من الألم يستهدف المحكوم عليه في حق من حقوقه الاساسية في الحياة او الحرية او في حرمة ذمته المالية, عن طريق سلب هذا الحق منه مؤبدا او مؤقتا كليا او جزئيا, او تقييده, وذلك تكفيرا عن خطأ قانوني اخلاقي بدر منه هو الجريمة التي ارتكبها, فسلب الحق او تقييده اذن جزاء الخطأ الذي ارتكبه اما التدابير فهي اجراءات علاجية تأديبية وتهذيبية, ما قد يستلزم تحقيقها تقييد حرية الخاضع للتدبير او سلبها او المباعدة بينه وبين ماله, ولكن هذا التقييد او السلب او المباعدة ليس مقصودا لذاته كالعقوبة وان فرضته طبيعة العلاج واساليبه, هذه الاجراءات لا تتقرر نظير خطأ وقع وانما بسبب خطورة بدرت لتخليص المجرم من مكوناتها. ثانيا ـ من ناحية الاسباب: نجد ان سبب العقوبة هو الخطأ القانوني من المجرم ومخالفته لقاعدة قانونية جنائية, وهي بذلك على حد تعبير احد العلماء تأكيد للقانون لانه اذا كان وقوع الجريمة يعتبر نفيا للقاعدة الجنائية الناهية عن الجريمة فإن توقيع العقوبة يعتبر نفيا لهذا النفي, ونفي النفي اثبات. اما التدابير فلا ترجع أسبابها لتأكيد القانون, لأن خطأ لم يقع, وانما الى الخطورة الاجرامية التي ظهرت بمناسبة مخالفة القانون بهدف علاجها لمنع وقوع جرائم جديدة. ثالثا ـ من حيث الاساس: نجد ان الاساس الفلسفي للعقوبة, هو مبدأ, حرية الاختيار الذي يعترض تمتع المجرم بالادراك والاختيار حين ارتكاب الجريمة, وبالتالي يتوافر الخطأ في جانبه لأنه كان بوسعه ان لا يرتكب الجريمة ومن هنا تقوم مسئوليته بما يتبعها في توقيع العقوبة. اما التدابير فتقوم على اساس الخطورة الاجرامية كحالة نفسية يحتمل في جانب صاحبها ان يكون مصدرا لجريمة محتملة, وبالتالي وجب اللجوء الى وسائل اخرى غير العقوبة تواجه هذه الحالة لتستأصل الاسباب التي تجعل منه مصدرا لجريمة محتملة. رابعا ـ من حيث الوظيفة: نجد انه بالرغم من ان الوظيفة النهائية من العقوبات والتدابير هي وظيفة نفعية تهدف الى منع وقوع جرائم جديدة, إلا ان الوظيفة المباشرة للعقوبات هي الردع أي ايلام الجاني بقدر جسامة جريمته ومن هنا يتحقق كذلك ردع للكافة يتمثل فيما تحدثه العقوبة من تخويف لهم, بينما نجد ان الوظيفة المباشرة للتدابير هي علاج المجرم وتحقيق مقتضيات المنع الخاص عن طريق عزله عن المجتمع واعادة تأهيله للتكيف معه من جديد. خامسا ـ من حيث الخصائص: يترتب على ما قررناه من قبل أن العقوبة تقوم على اساس الاخذ بمبدأ حرية الاختيار اي انها تقوم على فكرة الخطأ القانوني او الاخلاقي وبالتالي فإن العقوبة تتناسب نوعا وكما مع جسامة الجريمة ودرجة مسئولية المجرم, وبالتالي فإن تحديد نوعها وقياس قدرها يمكن بلوغه لحظة النطق بالحكم وبالتالي تتسم العقوبة بالثبات والجمود. هذا وقد ترتب على تلك الاختلافات انفراد التدابير بخصائص لا تشاركها فيها العقوبة: أولا: لما كانت التدابير الهدف منها وقاية المجتمع من الحالة الخطرة للمجرم, اي تحقيق مقتضيات المنع الخاص وحدها, فإن تطبيقها يتوقف على شرطين ـ الاول موضوعي هو ارتكاب الفرد لجريمة. والثاني شخصي وهو توافر الحالة الخطرة التي تجعل من صاحبها مصدرا لاجرام جديد. ثانيا: ويترتب على ما سبق ان الغرض من التدابير هو علاج الجاني واصلاحه بالقضاء على اسباب اجرامه حتى لا يكون مصدرا لجريمة جديدة وبالتالي فإن التدابير لا تستهدف الايلام حتى لو تمثل العلاج في سلب حرية المحكوم عليه لان المقصود من سلب حريته ليس ايلامه وانما ابعاده عن اسباب خطورته. ثالثا: ان التدابير تتناسب في نوعها مع الاساس الشخصي لتطبيقها والحالة الخطرة دون اعتداء بالاساس الموضوعي الذي هو الجريمة الواقعة, هذا التناسب والارتباط يقتضي امكان تبديل التدابير كلية اثناء التنفيذ او تعديله او تحريره على ما تتطلبه مقتضيات بلوغ اهداف التدابير وفقا لما تتطلبه وتكشف عنه شخصية الجاني وخطورته, ومن ناحية اخرى فإن الارتباط والتناسب بين التدابير والحالة الخطرة يقتضي عدم تحديد مدة التدبير سلفا لأنه من الصعب التكهن مقدما بميقات زوال الخطورة او شفاء المجرم, صحيح انه من الممكن ان يتقرر الحد الادنى للتدبير, لكن الحد الاقصى دائما مفتوح ومرتبط بتحقيق واقعة هي زوال الحالة الخطرة فإذا زالت الخطورة انتهى التدبير لزوال المبرر, هذا بالاضافة الى ان الاحكام الصادرة بالتدابير واجبة التنفيذ فورا ولا تسري عليها نظرية الظروف المخففة ولا وجوب لايقاف تنفيذها, كما لا تنقضي الاحكام الصادرة بها بالتقادم او العفو, ولا تطبق عليها قاعدة مدة الحبس الاحتياطي. هنا يثور التساؤل هل نبدأ بالعقوبة ام بالتدبير؟ هناك من يرى احقية البدء بتنفيذ العقوبة ما دام الخطأ ثابتا لدى المجرم باعتبار ذلك امرا تتطلبه مقتضيات الردع العام التي يضيرها التأجيل. فإذا ما تم ذلك نفذ التدبير بعلاج المجرم, كما تتطلب ظروفه وعلى هذا تسير معظم التشريعات. لكن هناك من يرى على العكس من ذلك ان يتم البدء بالتدبير باعتبارها علاجا للمجرم وتأهيلا له والوسيلة الضرورية لتحويل المجرم الى شخص عادي يدرك مغزى العقاب ويتفهم غايته ودلالته. ثم ان البدء بالعقوبة كوسيلة ايلام قد يجعل من المجرم مريضا يصعب علاجه. ولا شك ان هذا الرأي محل نقد لأن هناك تناقضا جوهريا بين العقوبة كوسيلة ايلام وبين التدبير كوسيلة علاج, والجمع بين الوسيلتين في مجرم فيه تجاهل لوحدة شخصية الانسان وتمزيق لها لأن التناقص في معاملة مجرم بعينه لن يؤدي الا الى خلل اشد في شخصيته. وما دمنا سلمنا بأن المجرم لا يشعر بألم العقوبة بسبب عدم نضجه النفسي او بسبب الألم واستمرائه اياه, فأي جدوى تنتظر من استعمال اسلوب نسلم بانعدام الشعور به؟ ألا يكون اقرب الى الصواب ان نخضع المجرم وإما للعقوبة واما للتدبير طبقا لما تقتضيه حالته طالما كنا نسلم بأن الجزاءين نوعان من نفس الجنس ووسيلتان لتحقيق نفس الهدف؟ ومن خلال هذا البحث توصلنا الى عدة نتائج اضعها تحت نظر القضاء والفقه والقارىء, ويمكن تلخيص تلك النتائج على النحو التالي: 1) يتم وضع المتهم تحت مراقبة الشرطة بالنسبة لبعض الجرائم فضلا ن انذاره في جرائم التشرد والاشتباه. 2) التدابير الاحترازية التهذيبية للمجرمين الاحداث, وهي تدابير تستهدف بصفة أساسيه تقويم اعوجاج المجرم حتى لا ينقلب مجرما بحكم العادة بعد ان كان مجرما بالصدفة. 3) ضرورة اقناعه بتقبل حياته الجديدة داخل المؤسسات العقابية. 4) القيام برفع معنوياته وتخليصه من المخاوف التي تساوره والمشاعر والاضطرابات التي تسيطر عليه. 5) مساعدته في حل مشاكله المختلفة, الاقتصادية والأسرية ومتابعة ودراسة التغيرات التي تطرأ عليه. وأخيرا لابد ان ننظر الى المجرم على انه شخص ضل الطريق وعلينا ان نأخذ بيده ونرشده الى سواء السبيل رغم انحرافه, فهو في المقام الاول والاخير انسان اخطأ والخطأ لا يجرده من صفته الانسانية وان نعامله معاملة انسانية وبناء عليه لابد من اصلاحه وتهذيبه وتأهيله للعودة به الى المجتمع عضوا صالحا نافعا يسترد مكانته بين افراده. وصدق الله العظيم اذ يقول في كتابه الكريم (والذين اذا فعلوا فاحشة او ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون). سورة ال عمران الآية 135