هل بلغت الازمة الخطيرة بين الرئيس السوداني عمر البشير ود. حسن الترابي نقطة اللاعودة؟ هذا هو السؤال الفوري الذي تفرضه آنية مجرى الاحداث لكنه ليس السؤال الاهم. فالقضية العليا ليست مستقبل الصراع بين البشير والترابي بقدر ما هي مستقبل السودان كدولة وشعب. اجل.. الحرب السياسية بين البشير والترابي ليست مشاجرة شخصية بين فردين. لكن مع ذلك, وفي اطارها الاعرض, ليست سوى ازمة محدودة الابعاد على مستوى الحكم بين جماعتين متنازعتين داخل الحزب الحاكم.. (المؤتمر الوطني) . وحتى من هذا المنظور فإن الازمة محصورة في اطار (الجبهة القومية الاسلامية) , التنظيم الطليعي للمؤتمر الوطني, اذا جاز التعبير. رغم ذلك لا يصح القول ان هذه الازمة لا تهم الشعب السوداني ومصيره السياسي. ان قضية السودان الكبرى في تقديري هي كيفية مواصلة تفعيل مشروعات وجهود الوفاق الوطني من اجل الاتفاق الجماعي على صيغة دستورية قومية للمستقبل السياسي للبلاد. لكن كيف يمكن تفعيل الوفاق الوطني في ظل انشقاق في القاعدة التنظيمية الشعبية التي يقف عليها نظام الحكم الراهن؟ هذا يعيدنا الى السؤال الاستهلالي, ليس لأنه اهم سؤال وانما لأنه يمثل نقطة البداية: فالى اين تنتهي الازمة بين البشير والترابي؟ عمر الازمة الان يناهز السنة ونصف السنة منذ ان فتح الرئيس البشير النيران على د. الترابي باعلان (قرارات 4 رمضان) التي قضت بحل البرلمان.. وبالتالي نسف المؤسسة الدستورية الكبرى التي كان يعتمد عليها الترابي باعتباره رئيس البرلمان في مواجهة رئاسة الجمهورية. وبذهاب البرلمان انتقل ميدان المعركة الى ساحة (المؤتمر الوطني) . هذا هو شكل المعركة.. لكن ما هي اسبابها؟ ربما تتصل اسباب الصراع بطموحات شخصية صوب السلطة لكن ليس هذا في تقديري جوهر الازمة. كلمة (ازدواجية السلطة) التي وردت في سياق خطاب الرئىس البشير قبل عام ونصف العام هي الكلمة المفتاحية التي تلخص جوهر الازمة. وكان من الواضح من الروح العامة لذلك الخطاب المفصلي وما تلاه من تطورات عملية تتلاحق حتى اليوم على صعيد سياسة السودان الخارجية وابرزها تطبيع العلاقات السودانية مع دول الجوار الافريقي والعربي ودول عربية اخرى. ان امر هذه الازدواجية يتصل اساسا بالعمل الخارجي السوداني. في موازاة الجهاز الدبلوماسي السوداني الرسمي المتمثل في وزارة الخارجية (وايضا رئاسة الجمهورية) كان هناك جهاز اخر يعتمد اجندة للسياسة الخارجية مناقضة للسياسة الرسمية. ولهذا نفهم لماذا حل الرئيس البشير هذا الجهاز ـ (المؤتمر الشعبي العربي والاسلامي) ـ الذي كان يرأسه ويديره بصورة يومية د. حسن الترابي. ويمكن القول ان التدابير العملية التي اتخذها الرئيس البشير لتدمير امبراطورية الترابي الموازنية للدولة السودانية جاءت متأخرة.. رغم ان ذلك لا ينتقص من فاعليتها. فهناك داخل الاجهزة العليا لتنظيم (الجبهة القومية الاسلامية) رؤيتان متضاربتان للحكم وتوجهاته وظلتا على هذا التضارب لمدى عشر سنوات: رؤية فريق بزعامة د. الترابي (ومن اهم اعضائه د. علي الحاج) يرى على الصعيد الداخلي ان يكون السودان قاعدة مركزية لحركة المد الاسلامي العالمي. ورؤية فريق اخر اكثر مرونة ذي تصور قومي نسبيا للحكم وتصور براجماتي لتحرك السودان الخارجي.