الفكرة التي كانت وما زالت مستوطنة وملحة وسائدة لدى الكثير من السياسيين والناس العاديين ان الدول الكبرى تريد اضعاف البلدان الصغرى وافقارها والقاءها في اعماق وهدة التخلف وهاوية الجهل, وذلك حتى تتمكن من الاستمرار في بسط سيطرتها عليها واخضاعها لارادتها واستغلالها. وقد تحولت هذه الفكرة مع توالي الايام ومرور الزمن الى عقدة نفسية مستعصية ومزمنة, حتى بات من الصعب التخلص منها. ولهذه العقدة ما يبررها, اذا اخذنا في الحسبان التصرفات السابقة لدول النظام العالمي الجديد. وبتعبير اخر, فإن الفكرة المتمثلة في أن الدول القوية تستهدف ابقاء الدول الضعيفة في قاع سلم الحياة, كانت صحيحة الى حد كبير في الماضي, ولكنها باتت الآن اقل صحة فقد هبت رياح التغيير العاتية على العالم وقام زلزال عنيف ادى الى تواري الاتحاد السوفييتي السابق عن الانظار والى اسدال الستار على صفحات مظلمة من نظم الاستبداد الفردي فبرزت الى الوجود في دول الكتلة الشرقية واسيا وافريقيا ديمقراطيات ناشئة وليدة تبشر بالخير, وان كانت لا تزال بحاجة الى الكثير من التطوير والتشذيب والتعديل. وفي محاذاة هذه التطورات الدراماتيكية التي اسفرت عن تداعي النظام العالمي القديم السياسي والاقتصادي وبالتزامن مع اختلال موازين القوى بين الشرق والغرب وتبدل المصالح الدولية ظهرت مفاهيم ورؤى وصياغات جديدة من شأنها ان تترك بصماتها وتلقي بظلالها على مواقف الدول الكبرى من الصغرى. وبالنسبة لنا نحن العرب, فإننا نعاني من عقدة نفسية مستحكمة لا نستطيع منها فكاكا. وهي توحي لنا بأن الغرب ولا سيما الولايات المتحدة يريد انهاكنا وتفتيت قوانا والقذف بنا الى مهاوي العدم. ولا ننكر ان لهذه العقدة ما يسوغها من التجارب السابقة, المؤلمة والقاسية, فقد عملت امريكا بالفعل خلال العقود الماضية, على دعم الكيان الصهيوني ومده بجميع اشكال المساعدات السياسية والمادية والعسكرية. كما اتخذت بعض الاجراءات التي تجعل الانسان العربي مهيأ للانصياع للارادة الامريكية وقبول فكرة السلام مع اسرائيل او على الاقل عدم معارضتها والفرضية الامريكية في هذا المجال, كما اتصورها, هي ان المواطن العربي سوف يظل يقاوم مسألة اسرائيل ويرفض الصلح معها طالما ظل مرفوع الرأس شامخ الجبين. ولكنه سيلين ويستكين في نهاية المطاف اذا تعرض لظلم واضطهاد فظيعين لفترة طويلة من الزمن. ولكن علينا ان نلاحظ ان الزمن قد تغير, وأن المصالح والاوضاع والصياغات القديمة قد تبدلت. وبينما كان يهم امريكا في مرحلة ما قبل السلام, ان يبقى الانسان العربي تحت وطأة اسوأ درجات الفقر واليأس استعدادا لاستسلامه, فإنه يهمها في مرحلة السلام الشامل, على ما نعتقد ان يقترن السلام بيسر العيش وربما بالرفاهية, حتى يدوم هذا السلام, لأن دوامه في صالح اسرائيل. ومن هنا فقد اصبح تشجيع انظمة توفر العيش الكريم للمواطنين مصلحة امريكية. ولا يتحقق هذا الا بنجاح مشروعات التنمية والقضاء على الفساد الذي يستنزف الموارد. ومن الواضح ان الانظمة المخلصة وحدها هي القادرة على وقف الاختلاسات المالية ونهب الخزينة العامة, وبالتالي توفير مستويات عيش معقولة للمواطنين. وفي ضوء ما سبق, نعتقد ان النظام العالمي الجديد, وعلى رأسه امريكا, سيسعى في المرحلة المقبلة الى تشجيع الاتجاهات الديمقراطية ولجم الاتجاهات التعسفية والفاسدة في الوطن العربي, بطريقة سلمية وبطيئة وتدريجية ليس حرصا على مستقبل الامة العربية ورفاهيتها وانما تحقيقا لمصالح النظام الجديد الذي يهمه استمرارية السلام في الشرق الاوسط. واذا انتقلنا من النطاق العربي الى النطاق العالمي, نجد ان الدول العظمى استفاقت لتجد ان الفقر الذي زرعته في حقول الدول النامية قد جعلها ترزح تحت اوزار ديون ثقيلة لا يسعها سدادها وتغدو في وضع لا تستطيع معه بسبب ضيق ذات يدها, شراء كميات كبيرة من سلع الدول الكبرى ومصنوعاتها مما يحرم هذه الاخيرة من ارباح طائلة. كما انها اكتشفت ان الحروب التي اضرمت نيرانها بين الدول الصغيرة المخدوعة قد افضت الى تلويث البيئة واضعاف طبقة الاوزون وهدر الاموال. وهكذا فإذا استمرت النزاعات المسلحة المفتعلة وتفاقم الفساد وتراجعت حقوق الانسان, في الدول النامية فهذا سينعكس سلبيا على العالم بأسره, وسيطال بآثاره مصالح الدول الكبرى انفسها. فترقق طبقة الاوزون يضر بالبيئة العالمية كلها, كما ان تفاقم الفقر يمكن ان يؤدي الى ثورة الشعوب الفقيرة ضد الدول المستغلة. ونتيجة لهذه الحسابات نشأت فكرة نظام عالمي جديد يدعو الى تحسين احوال الشعوب المستضعفة ليس حبا بها وانما تحقيقا لتطلعات دول هذا النظام. اننا نعتقد ان هذه الدول قد توصلت الى استنتاج مفاده ان الاستمرار في اضعاف دول العالم الثالث وتجهيليها وافقارها سوف يؤدي في المحصلة النهائية الى الاضرار بمصالح دول الشمال الغنية. ومن هنا يبدو ان النظام العالمي الجديد سوف يتجه نحو احلال الديمقراطية البطيئة السلمية في جميع دول العالم, نحو الحد شيئا فشيئا من النزاعات الاقليمية, ومن بينها النزاع العربي الاسرائيلي وكذلك نحو احلال الصناعات السلمية محل الصناعات العسكرية بدرجة نسبية. وليس معنى كلامنا ان هذا النظام يعمل بوحي من المبادىء الانسانية البحتة بل ان له مصالحه التي يضعها قبل اية اعتبارات اخرى, وفوق كل شيء. ولكن ما يدعو للتفاؤل ان هذه المصالح بالذات اصبحت تحتم ايجاد معادلات وصياغات مشرقة جديدة, بدلا من المعادلات والصياغات المظملة القديمة. واذا نظرنا اليوم في الادبيات العربية سواء ما ينشر منها في الكتب او الدوريات نجد ان معظمها ينصب على اثارة الشكوك والريب في نوايا النظام العالمي الجديد, وعلى شن هجمات نقدية لاذعة ضده. ونعتقد ان هذا الموقف الانفعالي غير مجد, ولا يسفر عن نتائج مثمرة. والافضل لنا ان ندرس نوايا الدول الكبرى ومصالحها الحقيقية دراسة علمية, في ظل التغيرات الجديدة التي تشق مجراها في العالم. وخير ما نفعله ان نحاول اقناع هذه الدول بأن تضع مستقبل البشرية في قمة اولويات اهتمامها. وبتعبير اخر, فإن علينا ان نشجع الاتجاهات الايجابية في النظام العالمي الجديد, ونقاوم الاتجاهات السلبية, ليس بالانتقادات والاقوال الكلامية الديماغوجية, وانما بالافعال المؤثرة ان استطعنا اليها سبيلا. كاتب سوري