لعل اشد تعبيرات نكبة 1948 الفلسطينية, كان تمزق الشعب الفلسطيني, وتبعثره, على أربعة اركان المعمورة, وإن حرصت الغالبية العظمى من الذين اجلوا عن ديارهم على البقاء على مقربة من الوطن المحتل, في الأردن وسوريا ولبنان ومصر ناهيك عن شرقي فلسطين الذي حمل لاحقا اسم (الضفة الغربية) وقطاع غزة. لقد هبطت النسبة الاكبر من اللاجئين الى ما تحت خطر الجوع, واقامت في خيام بالية, لا تحمي من شرور الشتاء القارس او الصيف القائظ. فيما اقامت اقلية ضئيلة في المدن العربية فضلا عن مدن الضفة والقطاع, وتمكنت بشق الانفس من النأي بنفسها عن خطر الجوع. لقد تحول زهاء عن مليون ونصف المليون فلسطيني الى لاجئين معدمين, فيما بقي في فلسطين المحتلة زهاء عن مئة وخمسين ألفا. هكذا تركزت الكتلة الرئيسية للاجئين فيما تبقى من فلسطين, وفي (دول الطوق) . هنا حفل الشعر الفلسطيني بالبكائيات, وبتوعدات الثأر, وبالتنديد ببطاقات التموين التي تصرفها (وكالة غوث اللاجئين) , في شكل صدقات, هدفها تخدير اللاجئين ومحاولة تبديد سخطهم. صمود وتصد برغم كل ثقل النكبة, الا ان الشعب الفلسطيني واصل نضاله الوطني, على نحو مختلف, كما اضاف الى هذا النضال نضالا ديمقراطيا آخر, فضلا عن النضال المطلبي. في مجال النضال الوطني, تزايدات التعقيدات, اذ لم يبق من الاحزاب العربية الفلسطينية الا (عصبة التحرر الوطني) التي واصلت العمل في القسم الشرقي من فلسطين, الذي سرعان ما ضم الى شرقي الاردن وحمل اسم (الضفة الغربية) (مايو 1950) كما واصل فرع (العصبة) نضاله في قطاع غزة وان تحول الفرعان الى العمل السري. لاحقا اندمجت (العصبة) في شرق فلسطين مع الحلقات الماركسية في شرقي الاردن (مايو 1951) وشكلوا مجتمعين (الحزب الشيوعي الاردني) , مقابل (الحزب الشيوعي الفلسطيني) في قطاع غزة في اغسطس 1953. الى ذلك سرعان ما تشكل فرع لحزب البعث في الضفتين, وفي 1955, تأسس فرع آخر في قطاع غزة. وبعد سنتين تأسس فرع آخر لحركة القوميين العرب التي كانت قد تأسست على مدى الوطن العربي واتخذت من بيروت مقرا لقيادتها المركزية (اللجنة التنفيذية, والامانة العامة) ولعب الفلسطينيون الدور المحوري في تأسيس (الحركة) بما مكن فلسطينيا من تولي موقع الامين العام لها (د. جورج حبش) فيما كان فرع الحركة قام في الاردن من ضمنها الضفة الغربية ـ عند قيام الحركة نفسها (1951). المهم ان هذه الاحزاب والفروع قادت حركة الشعب الفلسطيني, التي اخذت على عاتقها قبر (مشاريع التوطين) التي هدفت الادارة الامريكية منها الى طي القضية الفلسطينية, وتصفيتها ونجحت حركة الشعب في هذا كالصدد, تماما فضلا عن نجاحها في الحيلولة دون دخول الاردن في عضوية (حلف بغداد) وفي طرد جلوب من قيادة الجيش الاردني (ربيع 1956) وفي إلغاء (المعاهدة الاردنية ـ البريطانية (1957). فيما لم يكف الفلسطينيون عن دخول فلسطين المحتلة, لاستعادة بعض منقولاتهم وخيراتهم المتروكة هناك. ثم حدث ان تطور هذا الامر الى اشتباكات مسلحة مع المحتلين الصهاينة. حتى ان رئيسة وزراء اسرائيل السابقة جولدا مائير قالت, سنة 1974: (لم نعرف السلام على حدودنا كلها باستثناء حدودنا مع لبنان. لقد كان هناك (الفدائيون) . وطبقا لاحصاءات وزارة الخارجية الاسرائيلية, فإن ما بين توقيع اتفاقيات الهدنة بين اسرائيل والدول العربية المحيطة, وما بين (العدوان الثلاثي) حوالي سبع سنوات تخطى خطوط الهدنة رجال واشتبكوا مع الجنود الاسرائيليين وقد اتى اولئك الرجال من الضفة الغربية (7.850 رجل), ومن قطاع غزة (3.000) ومن سوريا (600) ومن لبنان (200). خلال عامي 1954 و1955 فحسب اصدرت المحاكم الاردنية احكاما مختلفة بالسجن على 997 فلسطينيا بتهمة (التسلل) الى وطنهم المحتل فضلا عن اخرين صدرت ضدهم احكام (مع وقف التنفيذ) بعد ادانتهم بالتهمة نفسها وقد عمدت الحكومة الاردنية الى طرد بعض (المخاتير) من مناصبهم عقابا لهم على امتناعهم عن التعاون معها والكشف عن (المتسللين) ! يلقي قائد الجيش الاردني حتى ربيع 1956, الجنرال جون باجوت جلوب الضوء على اسباب دخول الفلسطينيين الى وطنهم, وتطور هذا الدخول, الى حمل السلاح واستخدامه عند الاقتضاء واكد جلوب بأن حكومته بذلت قصارى جهدها (لمنع المتسللين عبر الحدود) ! الى ذلك لجأت الحكومة الاردنية الى سلاح جديد من اجل وقف حوادث (التسلل) هذه, اذ قررت اقامة (حرس وطني) من ابناء قرى المواجهة مع اسرائيل دون ان تدفع لهم رواتب, وزودتهم ببنادق تقليدية فيما حجزت عنهم الذخيرة, التي اودعتها في مقار المجالس القروية, ممثلة النظام في القرى وحصل عند هجوم الاسرائيليين العسكري على قرية قبية (14/10/1953) ان سارع الجنود الاسرائيليون المهاجمون الى نسف مقر مجلس قروي قبة على ما فيه من ذخائر ثم انفرد اولئك الجنود بأفراد الحرس الوطني, المجردين من الذخيرة ما اتاح لجند الاعداء تنفيذ مذبحتهم بلا ادنى مقاومة خاصة بعد ان تجاهل القائد البريطاني للمنطقة طلب النجدة الذي ارسلته قبية عند وقوع الهجوم العسكري الاسرائيلي عليها. لاحقا, تطور (الحرس الوطني) واصبح له نظام خاص, يحتم على كل اردني تأدية (خدمة العلم) ! هنا حاولت الحكومة الاردنية امتصاص نقمة الفلسطينيين, واحتواء طاقاتهم, مع تجنيب الجيش الاردني خوض معارك مع الاسرائيليين. لذا تراجع الجيش الاردني بعيدا عن الخطوط الامامية التي تركت للحرس الوطني. الى ذلك اسهم ابناء الشعب الفلسطيني في النضال الديمقراطي في محاولة للتخلص من هذا النير الهائل بين الشعب الفلسطيني وبين قضيته الوطنية. كما اسهم العمال الفلسطينيون في النضال المطلبي, حيث هم, في اي قطر عربي, او في الضفة الغربية فيما حرموا في قطاع غزة من التنظيمات النقابية الى ما بعد قيام منظمة التحرير, حيث سمح بتأسيس نقابات وفروع لنقابات العمال بالذات, دون اتحادات المرأة والكتاب, والطلبة والمعلمين. في المحصلة تراكمت شتى النضالات الشعبية الفلسطينية بما سمح للكيان الفلسطيني من ان يتبلور مرة اخرى الامر الذي عززه احباط القوى الوطنية الفسطينية لشتى مؤامرات تصفية القضية الفلسطينية, ما ابقى الشعب الفلسطيني فوق ارضه, وحال دون تشتيته وطي قضيته الوطنية. لذا, حين استعاد الاقتصاد الفلسطيني عافيته وجد الارضية التي يقف عليها, ما حقق مردودا اساسيا له, من جهة, فضلا عن تمكنه من توظيف التطورات الايجابية الاقليمية, والعالمية.