اصدرت اللجنة الامريكية للحرية الدينية العالمية في الاسبوع الماضي تقريرها السنوي الاول, الذي يضم تفاصيل فيما اسمته بـ (التهديدات للحريات الدينية) في السودان والصين وروسيا واضافة لمراكمة التقرير للاتهامات ضد هذه الدول الثلاث, فإنه يتضمن عددا من الاقتراحات السياسية التي تهدف لممارسة الضغط عليها لحماية الحقوق الدينية. وتعمل اللجنة في غمار اصدارها لهذا التقرير بتفويض من الكونجرس الامريكي فقد شكلت اللجنة في عام 1998 على قانون الحريات الدينية العالمية والذي ينص على انشاء (برنامج متعدد الجوانب لضمان ان يكون للحرية الدينية مكانة دائمة ومتميزة في ممارسة السياسة الخارجية الامريكية) . وإضافة للجنة اسس قانون الحريات الدينية العالمية مكتبا للحرية الدينية العالمية في وزارة الخارجية يتولى رئاسته سفير فوق العادة . ويتوجب على اللجنة والمكتب اصدار تقارير سنوية عن الحريات الدينية على امتداد العالم. وكان هذا القانون اصلا من بنات افكار الاصوليين الدينيين والجناح اليميني في الحزب الجمهوري. وحينما اصبح قيد السجال السياسي لأول مرة في عامي 1997 و1998 عارضه بشدة الامريكيون العرب والجماعات البروتستانتية الامريكية الرئيسية والبيت الابيض. وكان النص الاصلي لمشروع القانون متشددا جدا, وقد سمي في حينه مشروع قانون التحرر من الاضطهاد الديني. وكان يقضي بانشاء مكتب في البيت الابيض لمراقبة الاضطهاد الديني وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية قاسية على كل الدول التي تتهم بالاضطهاد الديني. وحينما فشلت هذه الصيغة لمشروع القانون في اكتساب الدعم الكافي لاقرارها, تم التقدم بمشروع قانون الحرية الدينية العالمية, وتم اقراره ليصبح قانونا, وبهذا فإن وظيفة اللجنة اصبحت اكثر محدودية, وتنحصر في كتابة التقارير عن الحريات الدينية ثم تقديم اقتراحات سياسية للادارة. وقد استندت المعارضة الامريكية العربية والامريكية الاسلامية لصياغتي القانون الاصلية والمعدلة على مخاوف من انهما ليستا جزءا من جهد جاد لتأمين حماية متوازنة لحقوق الاقليات الدينية, بل تظهران مؤشرات واضحة على انحياز عقائدي في خطاب المدافعين عن القانون. وفي سياق معارضتها للقانون عام 1997 عددت الادارة الامريكية قائمة بالمخاوف التي يثيرها كما عبرت خلال شهادة تقدم بها مساعدو وزيرة الخارجية لشئون حقوق الانسان عن التخوف من ان القانون المقترح هو: * (وسيلة فجة احتمال ضررها اكبر من احتمال مساعدتها لضحايا الاضطهاد الديني) . * يفتح احتمال الاضرار بالعلاقات الثنائية مع حلفاء اساسيين وقوى اقليمية ويعيق جهود الحكومة الامريكية لدعم السلام والتصالح الديني بشكل يدفع نحو تبني التسامح والتفاهم الديني من أوروبا الى الشرق الاوسط وجنوب اسيا. * يوجد هيكل بيروقراطي مربك للتعامل مع الاضطهاد الديني في الوقت الذي تسعى وزارة الخارجية الامريكية لتعزيز صلاحياتها وزيادة فاعليتها بخصوص هذه القضايا. * يؤسس بالأمر الواقع لسلسلة من انتهاكات حقوق الانسان ستضر على نحو كبير بالجهود الامريكية التي دعمتها طويلا المجتمعات الدينية لضمان حماية كل اشكال الحقوق المدنية والسياسية. وقد تمت المصادقة عام 1998 على مشروع القانون المعدل وتم تشكيل اللجنة عام 1999 وها هي تصدر اول تقاريرها. وفي تقويم هذا التقرير, يبدو ان المخاوف المبكرة التي اعرب عنها معارضو القانون على الاقل كانت مخاوف مبررة. يركز التقرير على ثلاث دول فقط, كما يركز على نحو مكثف على السودان الذي يصفه بأنه (الدولة الاكثر انتهاكا في العالم للحق في حرية الدين والمعتقد) وطبعا نحن لا نشك ابدا في ان هناك مشكلات فعلية في السودان الى جانب المشكلات القائمة في الصين وروسيا وهما الدولتان الاخريان اللتان يغطيهما التقرير فقد شكلت الحرب الاهلية الطويلة والمدمرة مجمل تاريخ الاستقلال الحديث للسودان. كما تميز هذا الصراع بالفظائع والقمع والمجاعة. كما تورطت روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في حملة وحشية مرعبة ضد الشيشان ايضا مارست الصين قمعا شرسا لمجموعة من الجماعات العقائدية والدينية والعرقية بما فيها الفالونج جونج والبوذيون في التبت والمسلمون في زينجيانج. واحدى اهم المشكلات المتعلقة بالتقرير الذي اصدرته اللجنة ليس شدة المشكلات في الدول التي غطاها, لكن في الطريقة التي تقوم اللجنة بفهم وتوصيف هذه المشكلات وفقها فهناك فقدان للوضوح والموضوعية في تعريف الانتهاكات الدستورية للحريات الدينية وكيف يمكن تمييز هذا عن الصراعات الطائفية والحرب الاهلية. فعلى سبيل المثال فيما يوصف النزاع في السودان من قبل اللجنة بأنه حرب دينية في المقام الاول فإن النزاع في الشيشان يوصف بأنه نزاع (سياسي وعرقي في طبيعته بشكل اساسي) فيما الدين (يلعب دورا جانبيا فحسب على جانبيه) كما ان النزاع في زينجيانج يوصف بأنه نزاع ناجم عن قمع السلطات الصينية (لحركة انفصالية) . ويبدو ان انحياز كاتبي التقرير داخل اللجنة قد دفع بهم نحو حشر النزاع في السودان داخل قالب مبسط في الوقت الذي ينظرون للنزاعات الاخرى باعتبارها اكثر تعقيدا. وهذا التصلب العقائدي بشأن السودان يقلل مصداقية جهود اللجنة بكاملها. وفي الوقت نفسه يبرر هذا الافتقار الى الوضوح المفهومي الى جانب الانحياز العقائدي سبب اختيار اللجنة التركيز على هذه الدول الثلاث في مسعاها, فيما تتجاهل نزاعات عرقية أو دينية قديمة وخطرة كالتي تدور في تيمور الشرقية وكشمير والصراع الفلسطيني الاسرائيلي والقمع التركي للاكراد. كما ان الانحياز العقائدي والتصلب بخصوص السودان واضحان ايضا في التغييرات السياسية المقترحة من قبل اللجنة وتقترح اللجنة بخصوص الصين ما يلي: * توجيه الدعوة للدلاي لاما ليلقي خطابا امام اجتماع للكونجرس. * عقد جلسات عديدة خاصة بحقوق الانسان والحرية الدينية في الصين. * التوقف عن تطبيع العلاقات التجارية حتى تظهر الصين (تحسنا جوهريا في احترامها للحرية الدينية) . * معارضة تنظيم الألعاب الاوليمبية في الصين حتى تحقيق تقدم في حماية الحقوق فيها. أما بخصوص روسيا فلا تتطرق اللجنة الا لقائمة من الميادين تعتقد ان الادارة الامريكية يجب عليها فيها ان (تراقب) و(تستحث) او (تشجع) السلوك الروسي. لكن فيما يتعلق بالسودان تقدمت اللجنة بقائمة من التغييرات في السياسة الامريكية تتضمن اجراءات قاسية من ضمنها: * احتمال تقديم العون الامريكي للمعارضة الجنوبية في السودان. * تشديد العقوبات الاقتصادية ضد الحكومة السودانية. * العمل نحو تأسيس (منطقة حظر الطيران فوق البلاد بكاملها) . ومن المهم ان نلاحظ ان عضوة باللجنة وهي الامريكية العربية المسلمة الدكتورة ليلى مرياتي (وقد عينها الرئيس كلينتون) قد صدرت تقريرا منفصلا مخالفا عن السودان ظهر ضمن تقرير اللجنة. وتقول الدكتورة مرياتي في تقريرها ان اهداف السياسية الامريكية المتمثلة في انهاء الحرب في السودان وحماية حقوق الانسان ستتعرض للاعاقة اذا ما تم تطبيق اقتراحات اللجنة. وتقول مرياتي (ان عزل السودان كدولة خارجة على القانون سيزيد من اعاقة الولايات المتحدة عن لعب دور بناء في الجمع بين الفرقاء للتوصل الى تسوية عبر المفاوضات,, والاهم من ذلك كما تقول مرياتي هو ان تقديم الدعم الامريكي للمعارضة الجنوبية في السودان (سيحد من اي امكانية للولايات المتحدة لتدخل المفاوضات كشريك عادل) . وتعرض التقرير الذي اصدرته اللجنة للهجوم من قبل مجموعة من الامريكيين العرب والمسلمين والجماعات المسيحية الذين لاحظوا فقدانه للتوازن والموضوعية واظهاره للمعايير المزدوجة بتجاهله لمناطق اخرى حرجة في العالم يتم فيها انتهاك حقوق الانسان. على كل حال فإن الادارة الامريكية نفسها لم ترد على الملاحظات العامة الواردة في تقرير اللجنة واقتراحاتها. بل ان مسئولا في وزارة الخارجية الامريكية انتقد موقف اللجنة من الصين واكد على ان الادارة ستستمر في دعم التجارة معها. وفي الوقت نفسه اخبرني مسئول من البيت الابيض بأنهم في الادارة لا يعتقدون ابدا ان من الملائم وصف الصراع في السودان بأنه (حرب دينية) . وفي النتيجة فإن اللجنة كما اعرب منتقدو القانون الذي اسفر عن تشكيلها بعملها في السنة الاولى لم تساهم في حماية الحرية الدينية بشيء. ان مشكلة الحقوق الدينية مشكلة خطيرة لكن تقرير اللجنة لا يوفر اي رؤية واضحة عن طبيعة المشكلة أو حلا لها.