بقلم:حسام سويلم ومع التصاعد المستمر في الدعوة الى عولمة التجارة والجهود المتزايدة التي تمارسها الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية والقطاعات الاخرى المستفيدة من العولمة مثل المؤسسات العاملة في قطاع الاستثمار في الاوراق المالية والنخب المرتبطة بالمؤسسات الاقتصادية الدولية, والشركات متعددة الجنسيات.. والتي تدعو الى فتح الاسواق امام مختلف بدائل السلعة الواحدة بزعم ان ذلك يؤدي الى خفض قيمة السلعة لصالح المستهلك بغض النظر عن هوية السلعة ـ اي جنسيتها ـ وهو ما يضر بداهة بالسلعة (الوطنية) اي المنتجة محليا فإننا نجد ان هذه الحملة تقف وراءها اقوى الشركات الامريكية واغناها واوسعها انتشارا. لذلك يصبح من الخداع ان تشن الولايات المتحدة حملة داخلها تطالب بحماية الصناعة الوطنية وتهاجم حرية التجارة وتعبىء المستهلكين الامريكيين بشعارات تؤدي الى شرائهم السلع ليس لانها رخيصة وجيدة, ولكن فقط لانها امريكية في الوقت ذاته الذي تطالب فيه دول العالم بحرية التجارة واقتصاديات السوق, وتهرول شركات العولمة الكبرى, الامريكية للاستحواذ على مجالات الاستثمار في الدول الاخرى بهدف السيطرة على الاسواق العالمية, والقضاء على البطالة داخل الولايات المتحدة وهو ما ادى الى اشتباك الولايات المتحدة بشكل حاد مع دول اخرى مثل الاشتباك الناشب حاليا بين اوروبا والولايات المتحدة حول منتجات اللحوم والاجبان وكما حدث في ازمة صادرات الموز في نهاية العام الماضي. وفي هذا الصدد ينبغي ان نتذكر ما قاله (جورج سوروس) شيخ العولميين حين قال ما معناه ان الارتباط وثيق بين نظامين سائدين: نظام التجارة الحرة والنظام المالي العالمي, وكلاهما مثخن بالعيوب والنقائص. والقى بتحذيره الشهير الذي تلخصه عبارة (اذا انهار احدهما انهار الآخر, وانهار معهما الاقتصاد العالمي) وحقيقة الامر ان الانجاز الذي حدث حتى الآن هو في تحرير القطاع المالي, وهو ما يشكل آثارا سلبية على اقتصاديات الدول النامية, خاصة أن هذه الدول قد بدأت في تطبيق برامج اصلاح تحت اشراف البنك والصندوق الدوليين, واسواقها ما زالت تعاني من مشاكل هيكلية لا تزال في حاجة الى اصلاح واي استراتيجيات جديدة ستؤثر سلبيا على اقتصاديات هذه الدول. ولقد تبنت الدول العربية ـ كمثال للدول النامية ـ برامج اصلاح هيكلية واقتصادية بهدف تجميع المدخرات المحلية وتوجيهها الى المشروعات الاكثر ربحا, والسعي نحو جذب الاستثمارات الاجنبية وتخفيض الديون الاجنبية مع ترسيخ الروابط التجارية بين الدول العربية والاسواق المالية الدولية وتمويل الموازنات ودفع عجلة التنمية الاقتصادية ومع ذلك لم تحقق الدول العربية اهدافها لعدة اسباب تتمثل في السعة المحدودة للأسواق العربية مقارنة بالأسواق المتقدمة, والاختلالات في اللوائح التنفيذية والتشريعية المتحكمة في الاسواق والنظم الضريبية ونقص الخبرة المالية والاساليب المحاسبية الحديثة بالاضافة الى نقص المعلومات وعدم ثبات السياسات المنظمة للسوق والتي تشكل مناخ الاستثمار امام المستثمر الاجنبي. الاونكتاد ومحاولة اصلاح فشل سياتل واذا كان مؤتمر منظمة التجارة العالمية في سياتل قد واجه فشلا في تحقيق اهداف الدول الكبرى والمؤسسات المالية العالمية بسبب الدور المهم الذي لعبته الشعوب والمنظمات الاهلية في الدول المتقدمة, حيث رفضت التظاهرات الكبرى التي نظمت في الولايات المتحدة واوروبا مسألة تحرير تجارة السلع الزراعية كما دعت منظمات حماية البيئة الى ربط تحرير التجارة بقضية البيئة كذلك دعا قادة نقابات العمال في الولايات المتحدة الى ادراج المعايير العمالية ضمن الجولة الجديدة لمنظمة التجارة العالمية وهو ما دفع وزيرة الخارجية الامريكية الى الاعتراف بأن رسالة المتظاهرن يجب ان تؤخذ في الاعتبار بعد ان ادركت فشل المؤتمر سواء في تحقيق اهداف الدول المتقدمة بعد ان تصادمت ارادتها او في تبني مطالب الدول النامية في مجال الزراعة والمنسوجات والاهم من فشله هو انه اوضح ان الدول الصناعية المتقدمة لا تلقي بالا لقضية العدل والتوازن في التجارة الدولية وانما لديها مصالح اقتصادية عليا تنحاز لتحقيقها من خلال التقييد اذا كان ذلك ضروريا, دون النظر لضرورة الاتساق في المواقف او اعمال اعتبارات العدالة والتوازن فإذا كانت هذه هي بعض مظاهر فشل مؤتمر سياتل فإن مؤتمر الاونكتاد قد نجح في محاولة اصلاح بعض الاخطاء عندما شمل الاعلان الختامي له عددا من البنود الايجابية مثل اهمية وجود نظام تجاري عالمي يضمن الشفافية والنزاهة والعدالة خاصة للدول الاقل نموا والنامية كذلك ضرورة ان تأخذ الجولة الجديدة للمفاوضات متعددة الاطراف البعد الانمائي في الاعتبار مع التركيز على دور التكامل الاقليمي, والتفاؤل بقيام نظام اقتصادي اكثر انصافا لتخفيف حدة الفقر واصلاح الهياكل المالية. وان تكون العولمة واقعا يحقق النمو الدائم والمنصف مع وضع الاسس اللازمة التي تراعي مصالح الجميع, مع ضرورة اعطاء اهمية خاصة للقارة الافريقية. وما الحل؟ ان المخاطر السابق الاشارة اليها تتطلب من الدول النامية تطوير الاداء في الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والتجارية والسعي لتحقيق التعاون الاقتصادي فيما بين الدول العربية والاسلامية والذي يستهدف التنمية والتطور, كذلك التكامل الاقليمي الذي يسعى الى تنظيم العيش والرخاء والمشترك وهو ما يتطلب اعادة ترتيب محاور الحركة الاقتصادية والسياسية في ضوء مصالح الأمن القومي العربي بمفهومه الشامل, وذلك طبقا للاهتمامات التالية: أ) الاهتمام الاول: يدور حول التعاون الاقتصادي الثنائي او الثلاثي او اكثر من ذلك طبقا للتناغم السياسي القائم بين بعض الدول العربية مثل مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي. ب) الاهتمام الثاني: يدور حول محور التكامل الاقليمي العربي لانه الخطوة المنطقية التالية للتعاون, وهو من اهم المشروعات التي تمتلك مقومات النجاح والاستمرار لما يتمتع به من مقومات مادية ومعنوية كثيرة. جـ) الاهتمام الثالث: الاعتماد المتبادل مع التكتلات الاخرى التي تتنافس في المنطقة (الشرق اوسطية ـ المشاركة الاوروبية ـ منتدى البحر المتوسط ـ مجموعة الدول الثماني الاسلامية). وفي كل محور من هذه المحاور تقدم التفاعلات لنا مؤشرا رئيسيا هاديا يتمثل في الحالة الاولى في مؤشر تحرير التجارة العربية البينية من الحواجز والقيود الجمركية ويتجسد في الحالة الثانية في تحرير حركة الاستثمارات والعمالة بين الاقطار العربية. اما في الحالة الثالثة فإنه ينبغي الحذر في التعامل مع دوائره بالنظر لضخامة حجم ونوعية وكثافة التفاعلات بينها لا سيما في ضوء اضطراب العلاقات العربية, وضعف مناعة وحداتها من جانب وتحسن الوضع النسبي لبعض الدول غير العربية من جانب آخر, والتي نجحت في اختراق النظام الاقليمي العربي عبر مظاهر متعددة مثل اسرائيل عبر مفاوضات السلام والاحتلال الايراني للجزر الاماراتية الثلاث, وتواتر الانتهاك التركي للأراضي العراقية وحجز مياه الفرات عن العراق وسوريا الى جانب المؤثرات الاقتصادية الشرق اوسطية التي عقدت في الدار البيضاء وعمان والقاهرة والدوحة والتي اسفرت النوايا خلالها عن حرص الولايات المتحدة والدول الكبرى على دفع المشروع الشرق اوسطي لأرض الواقع من خلال عدة رؤى: أ) شرق اوسط امريكي: يربط انفراد الولايات المتحدة بالمنطقة في محاولة لاستغلال الموارد الاستراتيجية ويأتي على رأسها الانتاج والمخزون النفطي مع توفير الحماية والامن لحليفها الاستراتيجي اسرائيل. ب) شرق اوسط اسرائيلي: تسعى اسرائىل في اطاره الى تقسيم وتفتيق العالم العربي الى دويلات عربية على اسس طائفية وعرقية, بحيث تزدهر اسرائيل اقتصاديا وتكون مهيمنة عسكريا في اطار مشروعها المعروف بـ (الكومنولث العبري) . جـ) شرق اوسط اوروبي: بحيث يصبح ساحة خلفية للبحر المتوسط ويجد شركاؤنا الاوروبيون لدينا المواد الخام والبترول والاموال المكدسة والاسواق الشاسعة وموطنا لتسريب الصناعة الملوثة للبيئة. د) شرق اوسط اسلامي: يتسع ليشمل تركيا وايران وجمهوريات اسيا الوسطى الاسلامية والذي يشهد صراعا حادا بين تركيا وايران للسيطرة على هذه الجمهوريات الاسلامية. هـ) شرق اوسط افريقي: بمعنى الروابط النفسية والاستراتيجية والثقافية والتي يجري تقويتها عبر حوض نهر النيل والبحر الاحمر والقرن الافريقي ودول المغرب العربي في شمال افريقيا. و) شرق اوسط عربي: وهو الاهم حيث يرتكز النظام الاقليمي العربي, ويقوم على اساس توافر جميع مقومات التكامل الاقتصادي من حيث توافر الايدي العاملة الماهرة والرخيصة والمواد الخام اللازمة للصناعة, والموارد المالية والاراض الصالحة للزراعة والثروة الحيوانية والسمكية التي تحقق الاكتفاء الذاتي في الغذاء والذي ينبغي ان يكون اهم الاهداف القومية العربية على الصعيد الاقتصادي. وهو ما يتطلب ترتيب البيت العربي من الداخل عن طريق توحيد الارادة وتنظيم الهياكل الاقتصادية القادرة على ادارة فعاليات التكامل الاقتصادي العربي. ان التحول الى اقتصاد السوق في منطقة الشرق الاوسط يتطلب ضرورة التمهل مراعاة للظروف الاجتماعية لقطاعات من السكان محدوي الدخل خاصة ان هذا التحول سوف يدفع بالاغنياء ليزدادوا ثراء, ويضغط على الفقراء الى مستوى ادنى ليكون المجتمع فريقين (اثرياء ومحتاجين) فيما تذوب الطبقة الوسطى وهي الطبقة التي طالما كانت العمود الفقري لأي مجتمع سواء في التصنيع او الزراعة من ناحية, او الفكر والثقافة من ناحية اخرى, والذود عن الوطن ومقدراته, علما أن رأس المال يفضل دائما الاستقرار وعدم التغيير وفي المقابل تتسع شريحة غير القادرين على تعليم ابنائهم وعلاجهم وايوائهم فتنشأ قاعدة عريضة في المجتمعات تتسم بالجهل والمرض والتشرد وتميل الى ارتكاب الاضطرابات. وهنا يجب النظر جيدا الى الامور السلبية للخصخصة واقتصاد السوق, ومحاولة تجنبها بقدر الامكان او خلق البدائل التي من شأنها المحافظة على الطبقة المتوسطة في المجتمع باعتبارها القلب النابض في جسد اي مجتمع. وهي ليست دعوة الى الاشتراكية او مركزية السوق, بل دعوة الى ان تظل المجتمعات متواصلة ومتماسكة في ظل نسيج متجانس بغض النظر عن اي طريق نسلك, فلكل طريق عثرات ومتاعب ولنا ان نختار ما هو صالح لنا ويتناسب مع ظروفنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.