بقلم: احمد عمرابي عندما يتعلق الامر بحقوق الانسان, وخاصة مبدأ المساواة امام القانون, فان الولايات المتحدة آخر من يحق له القاء مواعظ على العالم هذه الحقيقة الثابتة يتوقف عندها من حين لآخر كثير من المعلقين الغربيين وبينهم امريكيون ومع ذلك فليس هناك من مقالة او كتاب اثار ضجة اكاديمية كما اثارها كتاب لاخصائي قانون صدر الشهر الماضي من فرط دقة ملاحظاته وصراحته في التناول. البروفسور ديفيد كول مؤلف الكتاب, وهو بعنوان (اللامساواة القانونية: العنصرية والطبقية في النظام القضائي الجنائي الامريكي) , استاذ قانون في جامعة جورج تاون ذات الشهرة ولعل العنوان يغني عن شرح محور الكتاب الرئيسي لكن ما يجدر بالتنويه اولا ان هذا الاخصائي الاكاديمي يتميز عن غيره ممن عالجوا الموضوع نفسه بانه قدم حشدا غير مسبوق من وفرة الادلة والوقائع ليبرهن علميا ان النظام القانوني الجنائي في الولايات المتحدة متحيز عمليا ضد الفقراء وغير البيض ممن يشكلون مجتمعين غالبية المجتمع. وقبل ان نرى كيف يعرض البروفسور كول محاججته وجدت ان الافضل ان انقل للقارىء الكريم صورة نمطية من صميم الواقع رسمها المؤلف في مرحلة مبكرة من الكتاب فهي صورة تلخص بلاغتها البسيطة القضية كلها, تقول الصورة: (الشرطة يستوقفونك بانتظام بلا سبب اطلاقا ويطلبون أن يعرفوا من انت والى اين انت ذاهب, وفي اغلب الاحوال يقومون بتفتيش سيارتك او ممتلكاتك. وكسياسة ثابتة فانهم يعتبرون الجماعة العرقية التي تنتمي اليها لها قابلية اكثر للاجرام... ولذا فانهم يستهدفون اي شخص يشبهك لاستجوابات متكررة. واذا كنت متهما بارتكاب جريمة فانت تعلم ان المحامي الذي من المفروض ان يمثلك في المحكمة لن يتفرغ لك الا لبضع دقائق وانه قد يحاول اقناعك بان تقر بانك مذنب. اما اذا أصريت على براءتك فانك سوف تبقى في السجن لشهور تلقى بعدها محاكمة سريعة امام هيئة محلفين غالبا ما يستبعد منها كل اعضاء جماعتك العرقية. في كل الاحوال, الاحصائيات ضدك, خاصة اذا كنت شابا, فمعدل الايداع في السجن لجماعتك العرقية سبعة اضعاف المعدل العام للمجتمع الذي تتفق غالبيته مع الشرطة, ان امثالك يجنحون للعنف والجريمة, فأمثالك معرضون للاعتقال والادانة والقتل بواسطة الشرطة اكثر من اي فئة اخرى في المجتمع. ومع ذلك فأنت لا تعيش في ظل نظام شمولي, انك شخص اسود يعيش في الولايات المتحدة, ارض الاحرار ووطن الشجعان!) . هذه الصورة ليست من خيال, انها طبق الاصل لما يجري يوميا على ارض الواقع الأمريكي. وبالطبع فان امريكا ليست البلد الوحيد في العالم الذي يتخذ فيه النظام الشرطي والقضائي نمطا مبنيا على تحيز عنصري او اقتصادي, فهي من المفروض ان تكون مجتمعا مؤسسا على فكرة المساواة امام القانون, ولكن هنا تطغى الدعاية الاعلامية على الواقع المعاش بصورته القبيحة الثابتة, وتزداد الصورة قبحا عندما يأخذ التيار الدعائي الامريكي منحى خارجيا حينما تنصب واشنطن نفسها وصيا على اوضاع حقوق الانسان في مجتمعات اخرى. هذا هو النفاق الذي يكشفه كتاب ديفيد كول. في دقة علمية متجردة يبرهن كول بالشواهد المرئية على الواقع والمحاججات القانونية النافذة كيف انه في شوارع امريكا ومقار شرطتها ومحاكمها تسقط أي ضمانات في الدستور الامريكي عندما يتعلق الامر بالمواطنين الفقراء او غير البيض. ومع ذلك لا يزال بيننا معلقون ومفكرون عرب منهكمين في عبادة الوثن الامريكي.