بقلم: محمد وقيع الله ثمة اكثر من وشيجة تربط العالم العربي والاسلامي بالصين, وتشد هذين الكيانين الحضاريين الكبيرين المتميزين الى بعضهما البعض, وفي الغد القريب ستصعد الصين الى مقامات الدول العظمى, ذات التأثير الحاسم في تقرير السياسات العالمية, وحينها سيفيد العالم العربي افادة عظمى من ذلك التطور فعلاقات الطرفين, معا حاضرا وماضيا مؤشر جيد الى المستقبل الذي سيحمل ولا شك انفراجا كبيرا لحالات الحصار والاذلال التي يتعرض لها العالم العربي, التسارع الاسرائيلي لكن ربما كانت اسرائيل هي الافضل استشفافا لملامح ذلك المستقبل, لذا اخذت تسارع نحو انجاز خطط الانفتاح على العالم العربي, وانهاء حالات النزاع مع بعض دوله, بشروط وقواعد الاختيار العقلاني التي تحققت, التي تحقق اقصى الفوائد في ظرف المعطيات غير المواتية وفي الوقت نفسه اخذت اسرائيل تسعى للتقرب من الصين, التي لا تبادلها حتى مجرد الاعتراف الدبلوماسي وطفقت اسرائيل تقدم لها اسرار التكنولوجيا الامريكية في محاولات تترى للاستعطاف والاستلطاف والانعطاف والالتفاف. بدأت اسرائيل ذلك الاتجاه بعلاقات تجارية سرية ويبدو ان ذلك هو اسلوبها التمهيدي لانشاء او تطبيع العلاقات الدبلوماسية فقد عمد الاسرائيليون الى فتح علاقة مع الصين عن طريق تصدير بضائع هي في حاجة شديدة اليها مثل المعدات الطبية المتطورة, واجهزة الكمبيوتر المتقدمة, وتكنولوجيا تخصيب التربة وتكنولوجيا الكهرباء وغيرها من انواع التكنولوجيا التي تجد الصين صعوبات في الحصول عليها من الغرب, وخصوصا من الولايات المتحدة, وهي ذات انواع التكنولوجيا التي تجد اسرائيل معاملة تفضيلية أو (تدليلية) حين تريد الحصول عليها من الغرب. وفي سبيل كسب ود الصين, أخذت اسرائيل تسرب اليها بعض انواع التكنولوجيا الخطرة التي يحظرها الغرب وخصوصا الولايات المتحدة على الصين حظرا شديدا ففي 1992 اكتشفت وكالة المخابرات الامريكية, ان اسرائيل قامت بتسريب تكنولوجيا صواريخ (باتريوت) الى الصين. وقد انكرت كل من اسرائيل والصين امر تلك الصواريخ بشدة ولكن المخابرات الامريكية اصرت على صحة معلوماتها وبالطبع فلم تستطيع امريكا فعل شيء ضد اسرائيل في ذلك الخصوص, واستمرأت اسرائيل حالة الضعف الامريكي تجاهها, فضاعفت من تصديرها لانواع مختلفة من تقنيات الاسلحة الى الصين, بما ساعد كثيرا في تقدم صناعة وتجارة السلاح الصينية التي تعود على الخزينة الصينية بحوالي 16 بليون دولار سنويا وتصاعدت علاقات اسرائىل التجارية بالصين الى ان وصلت اخيرا الى حد بيع طائرات الانذار المبكر الاسرائيلية المزودة بتكنولوجيا شبيهة بتكنولوجيا طائرات (اواكس) الامريكية, وهي طائرات صنعت بخبرات امريكية اسرائىلية مشتركة ويفترض ان تحتفظ بها اسرائيل سرا, ولا تتجرأ الى حد بيعها علنا لطرف ثالث بدون موافقة الطرف الاول, صاحب الخبرات الاساسية في المشروع. لكن اسرائيل انما فعلت ذلك بضغط دوافع استراتيجية. فهي تطمع في ايجاد موطىء قدم لها في الصين وذلك حتى تتمكن من التغلغل فيها, باعتبارها قوة عظمى مستقبلية والعمل على امضاء حلف معها تستقوى به كـ (كرت ضغط) في مجال العلاقات الدولية, وبالطبع فلن تتورع عن استخدامه حتى في الضغط على الولايات المتحدة. وأما تسارع الخطى الاسرائيلية في مجال السعي وراء الصين, فإنه مدفوع برغبة اسرائيل في تعويض الماضي, حيث ان العلاقة بين الطرفين علاقة حديثة جدا, ولا جذور لها لا في التاريخ البعيد ولا القريب. علاقة متجذرة وهذا على عكس حالة العالم العربي مع الصين, حيث ان علاقة الطرفين تتجذر في الماضي السحيق وتتخذ اسسها من علاقات تجارية وثقافية وسياسية لم تزل تزدهر باطراد ـ ان علاقات العالم العربي وبالذات منطقة الخليج العربي بالصين, هي علاقات تاريخية ضاربة في القدم, تصل الى ما قبل عهود الاسلام. حيث اقام العرب مصنعا في الصين في عام 622م, وحديثا اكتشف المؤرخون وعلماء الآثار في الصين مؤشرات تاريخية تفيد بوجود مراسلات ما بين رسول الاسلام صلى الله عليه وسلم وبعض ملوك الصين, وقد وجدت تلك الوثائق من ضمن مخلفات اسرة (مينخ) التي حكمت الصين خلال فترة ظهور الاسلام, واتضح من مخلفات تلك الاسرة والاسر التي تلتها انها كانت ترصد بشكل استراتيجي دقيق تطورات انبثاق الاسلام في مكة ثم انتشاره عبر جغرافية العالم القديم ومن طريف ما ذكر المؤرخون العرب كالسيرافي في كتابه (اخبار الصين) والمسعودي في كتابه (مروج الذهب) ان ملك الصين (ويي زونج) كان يحتفظ بصورة لرسول الاسلام, وربما كانت الصورة من رسم بعض الصينيين الذين شاهدوه مباشرة. ومما تحفظه الوثائق التاريخية الصينية وهو مجهول في سجلات التاريخ العربي ان الخليفة العباسي ابا جعفر المنصور, ارسل نجدة عسكرية ضخمة الى حاكم منطقة كيونج بينج, في عام 756م, ليعينه على استعادة عاصمته شيآن ولو يانغ وقد اصبح ذلك الحاكم وهو (ديا زونج لي يو) امبراطورا للصين من بعد.. كما تشير الوثائق الصينية الى ان حكام الصين رفضوا ان يستجيوا لاستغاثات كل من الامبراطورية الفارسية والرومانية, عندما طرق ابوابها جنود الاسلام. وتحتشد الحوليات الصنية بأخبار الاتصالات الدبلوماسية العربية الصينية طوال فترات حكم الخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين وتعطي انطباعا حسنا عن العرب في النفسية الصينية خلافا للانطباعات البشعة التي تحفظها النفسية الغربية عن العرب او الانطباعات الابشع التي يحملها الصينيون عن تاريخ الاوروبيين والامريكيين معهم, خلال سنوات قرن الاذلال الذي ابتدأ بحرب الافيون. ونفس الانطاعات الحسنة تعكسها كتابات المؤرخين العرب حيث يشيدون بحماية حكام الصين لتجار الخليج العربي واحترامهم للدين الاسلامي, وقد قام الامبراطور يونج ويي بتفهم مفردات الدين الاسلامي, ثم امر ببناء اول مسجد في الصين وهو مسجد (جانج آن) الذي لا يزال قائما حتى الآن رغم انه شيد قبل اربعة عشر قرنا من الزمان. اسفرت العلاقات العربية الصينية عن دخول ملايين الصينيين في الاسلام نعموا بحماية كل الاسر الحاكمة, عدا اسرة (المانشو) التي حكمت في العصور الاخيرة ولم تكن اسرة صينية, انما كانت دخيلة على الصين لذا ثار الشعب ضدها واسقطها في 1911. علاقات استراتيجية وعلى اثر سقوط (المانشو) تحسنت علاقات الصين بالعالم العربي. وقد كانت المملكة العربية السعودية هي اول دولة عربية تعترف بالصين وتقيم علاقات دبلوماسية معها في عام 1939, ثم العراق في عام 1942 فمصر في 1943. واعترفت الصين بكل من سوريا ولبنان في 1944. وبعد قيام الصين الشعبية في 1949 اعترف بها كثير من اقطار العالم العربي. وان كا بعضها قد تأخر في الاعتراف وظلت علاقات الصين متميزة مع معظم دول العالم العربي, وان كانت قد تورطت في بعض الاوقات, في تأييد منظمات متطرفة في بعض الدول العربية لكن في كل الاحوال ظلت الصين تفكر استراتيجيا فيما يختص بتعاملها مع العالم العربي واقليم الشرق الاوسط فهو من ناحية منطقة عازلة بينها وبين الغرب, ومن ناحية اخرى هو منطقة وصل بينها وبين اسيا الوسطى الاسلامية., هذا بالاضافة الى حاجة الصين الى التجارة مع الاقليم وربما الزراعة فيه, (في السودان خاصة) , كما تحتاج ان تتعامل مع العرب والمسلمين بصورة خاصة, بشأن اوضاع الاقلية الاسلامية في الصين, وهي اقلية ضخمة الحجم اذ ربما وصل تعدادها الى اربعين مليون نسمة وتنتشر بينهم حركات اسلامية ربما تقود الى توترات ومطالبات بالانفصال تنتهي بمصير شبيه بمصير الشيشان. ولأهمية هذا الموضوع الاخير نعطيه هذه المعالجة العجلى. لقد كان العرب الذين نزحوا الى الصين واختلطوا بسكانها محل معاملة مثلى من حكام الصين, لما اشتهروا به من الانضباط بالقانون اضافة الى الاستقامة السلوكية الشخصية, وقد ادى ذلك الى نجاحهم اقتصاديا الى حد انهم خلال حكم اسرة سونج (960 ـ 1279) هيمنوا بالكامل على قطاع التجارة الخارجية, وادى استمرار تعايشهم سلميا مع بقية سكان الصين الى اندماجهم فيهم تدريجيا لا سيما خلال فترة حكم اسرة مينج (1368 ـ 1644) وهكذا تغيرت اسماؤهم الى اسماء صينية واتخذوا الازياء الصينية, والاطعمة الصينية ثم تبنوا اللسان الصيني وتلاشت معظم الفوارق الشكلية التي تميزهم عن عموم السكان, ولكنهم مع ذلك ظلوا في دواخلهم مسلمين وذوي ولاء عربي صميم. ان اثنية (هوين) المسلمة مثلا والتي يرجع تاريخها الى عهد اسرة سانج (618 ـ 907), كانت نتاج تزاوج التجار العرب والفرس بالصينيات ويصل تعداد افرادها الآن الى نحو عشرين مليون نسمة وقد زالت عنهم كل الملامح غير الصينية تماما ولكنهم كما يقول بروفسور رافائيل اسرائيل استاذ التاريخ الصيني بالجامعة العبرية بالقدس: ما زالوا يعتبرون الجزيرة العربية وطنهم الام, ويتمنون لو يطيرون بلا أجنحة اليها, حتى يتكاملوا روحيا مع تلك البقاع وكما عبر احد قادة مسلمي الصين عن تلك العاطفة قائلا: (انك قد لا تجد فرقا واضحا بيننا وبين بقية الشعب الصيني, ولكن قلوبنا تختلف عنهم في الصميم) . طبيعي ان تنشئ فيهم تلك العاطفة المتأججة نزوعا نحو العودة إلى الاسلام وبالتالي نشأت في أوساطهم حركات اسلامية شبيهة, بما هو قائم في العالم العربي, وهي تتراوح بنفس القدر ما بين الاعتدال والتشدد, وقد قام المتشددون بثورات عنيفة, أزعجت النظام الصيني بما لم يزعجه به إلا طلاب ميدان تيان آن امين في 1989, وتتراوح مطالبهم ما بين الحرية والانفصال, فبعضهم يطالب بالسماح ببناء المساجد التي تهدمت أثناء الثورة الثقافية, والسماح بطبع المصاحف والكتب الدينية, وقد تحقق لهم الكثير من ذلك, وعاونتهم رابطة العالم الاسلامي كثيرا في تلك السبيل. لا للانفصال أما من يطالبون بالانفصال فبالرغم من صحة مستنداتهم في ان أرض تركستان الشرقية هي أرض غير صينية, ضمها بعض حكام الصين عنوة وسموها سنكيانج, أي الأرض الجديدة, إلا ان الصين لن تسمح لهم أبدا بالانفصال وذلك لأسباب عدة منها, ان أرضهم هي التي تمد الصين بالبترول, والمعادن الصناعية الهامة, كما ان السماح لهم بالانفصال سيشجع أقاليم أخرى على المطالبة بالانفصال, وهذا ما يمكن ان يشكل مقدمة لتفكيك الصين, وهو درس لا يريد حكام الصين تكراره لأنه تكرر من قبل أكثر من مائتي مرة, ودفع الصينيون أبهظ الأثمان في كل حالة من حالات التفكك واعادة التوحد. وأسوأ سيناريو يمكن ان يحدث هو اعادة انتاج مأساة الشيشان. ان وجود مسلمي الصين داخل الصين ـ بحكم الواقع ـ أفضل لهم كثيرا من مصير الشيشان, وربما أفضل من مصير دول آسيا الوسطى التي استقلت عن المنظومة السوفييتية فهي كلها تعيش الآن في أوضاع قمعية, وإذا ما اعطى مسلمو الصين مؤشرا بقبولهم للبقاء في اطار الصين فمن المرجح ان حذر الحكومة ازاءهم سيقل, وانها لن تتردد في منحهم كثيرا من الحريات, كما ستتاح لهم فرصة ممارسة العمل السياسي الآخذ في الانفتاح وهو الانفتاح الذي أتاح لأحد مسلمي الصين أخيرا ان يصبح وزيرا وهو يحدث لأول مرة في تاريخ الصين, ان مسلمي الصين ربما احتاجوا إلى نصائح عربية بهذا الشأن تقنعهم بأن من مصلحتهم ومصلحة العالم الاسلامي والعربي ان يظلوا كأقلية منظمة داخل اطار قوة عظمى في طور الانبثاق. هؤلاء يمكن ان يشكلوا نواة اللوبي العربي في الصين من أجل خدمة مصالح بلادهم المشتركة, فهم وان عاشوا في الصين إلا ان مَهْوىَ أفئدتهم هي ديار العرب فهم بالتالي أقدر الناس على خدمة مصالح الطرفين, في عهد سيشهد تعقيدات بالغة على مسرح العلاقات الدولية, ومهما يكن من طبيعة نظم اتخاذ القرار السياسي في الصين حاليا إلا انها آخذة في التطور, على نمط النظم الغربية, التي تسمح بوجود مراكز الضغط وجماعات المصالح, التي تؤثر في عملية صنع القرار, وهنا يجب ان يترافق هذا التطور, مع تطور عملي رصين نحو صياغة اللوبي العربي في بكين, الذي سيكون عماده من النخبة السياسية لمسلمي الصين.