بقلم: يوسف الشريف على ما يبدو ان امريكا تأبى الا ان تفاقم من مأساة الصومال, بالثأر للهزيمة التي لحقت قواتها عندما شاركت تحت علم الامم المتحدة عام 1992 في عملية نقل وتوزيع المساعدات الانسانية لإغاثة المتضررين من المجاعة والحرب القبلية في الصومال, ثم اضطرت للانسحاب سريعا تحت وطأة السخط الشعبي ضد تدخلها السافر في شئونه, تجر وراءها أذيال الخيبة والفشل اثر سقوط عدد من ضباطها وجنودها قتلى في شوارع العاصمة مقديشيو! وهكذا على الرغم من رفض اي من دول العالم الاعتراف بشرعية ما يسمى (جمهورية ارض الصومال) التي اعلنت انفصالها عن الوطن الأم, إذ بأمريكا تفتح ابواب مؤسساتها الرسمية لاستقبال ابراهيم عقال رئيس هذا الكيان الانفصالي تحت ستار التشاور حول المأساة الصومالية, خلال فترة حضوره اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة, وتفقد معه اتفاقا على تلبية احتياجاته من المساعدات المالية والعسكرية وحث الدول الاوروبية وصندوق النقد والبنك الدولي على الاسهام في اصلاح اوضاعه الاقتصادية والادارية والتنموية, ومن جانبها اكدت صحيفة (مونيتور) الاثيوبية المستقلة واسعة الاطلاع في شئون القرن الافريقي, ان الاتفاق جرى التوقيع عليه في وزارة الدفاع الامريكية (البنتاجون) , ويفضى بموجبه التزام ارض الصومال بالتصدي للتوجهات الاصولية, والقبول بنشر قوات امريكية في المناطق الواقعة تحت سيطرتها, مقابل التزام امريكا بتفعيل العلاقات الرسمية بين الجانبين تدريجيا, وكشفت الصحيفة الاثيوبية الستار عن الجولات الدبلوماسية التي قام بها القائم بالاعمال الامريكية في جيبوتي ـ وهو من اصل صومالي ـ بين واشنطن وأرض الصومال, حتى تم التوصل الى تفاصيل الاتفاق قبل التوقيع عليه! والشاهد ان الدعم الامريكي للنزعة الانفصالية في الصومال, يحتاج الى نظرة تحليلية متأنية لسبر أغواره واستقراء اهدافه, في اطار استراتيجية امريكا الكونية الجديدة تجاه افريقيا, خاصة وان معظم اطراف الصراع في القرن الافريقي ومنطقة البحيرات العظمى تحديديا على علاقة وثيقة بأمريكا, وكذلك في شرق افريقيا الذي يشهد صراعا لا يقل حدة بين اثيوبيا واريتريا, بينما ساهمت امريكا بدور مشهور ومشبوه في تأجيج الصراع بين المعارضة السودانية والنظام السوداني, واعلنت دعمها لمبادرة دول الايجاد التي تتبنى منح ابناء الجنوب السوداني في تقرير المصير, وايذانا بانفصاله وضمه الى القرن الافريقي, على خلاف المبادرة المصرية الليبية التي تسعى الى تدارك كارثة الانفصال عبر عقد مؤتمر للحوار الوطني يضم مختلف الوان الطيف السياسي في شمال وجنوب السودان تعزيزا للثقة بين الجانبين وحل مشكلة الجنوب وغيرها من المشكلات الموروثة والمستجدة بالتراضي والوفاق حفاظا على وحدة السودان, إذ بأمريكا تجري تعديلات تكتيكية غير متوقعة على استراتيجيتها الافريقية بمجرد احتدام الخلاف الذي نشب على قمة السلطة الحاكمة في الخرطوم, ومن ثم اعلنت واشنطن لاول مرة على لسان جونتون مبعوثها الخاص في السودان براءتها من تهمة السعي لفصل الجنوب وحدبها على وحدة السودان, ونفي ان تكون امريكا ضد المبادرة المصرية السودانية, وبعدها توقفت تصريحات المسئولين الامريكية في الوقت الذي فتحت السفارة الامريكية بالخرطوم ابوابها, وعادت تمارس نشاطاتها الدبلوماسية والقنصلية التي توقفت منذ سنوات. على ان عزل الترابي لم يكن السبب الوحيد وراء هذا التغيير, وانما لأن امريكا حديثة العهد بالشئون الافريقية منذ تفكك الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة, ومن هنا يعزى التخبط والتردد في تجاوبها من اماني القارة السوداء والتعامل مع مشكلاتها, فحتى ميثاق منظمة الوحدة الافريقية الذي يعترف بالحدود الدولية الموروثة عن الاستعمار الاوروبي, لم يجد لدى امريكا صدى من الفهم والانسجام مع هذه الثوابت, عندما ألقت بثقلها الدبلوماسي وحشدت آلياتها الاقتصادية واللوجستية في خدمة مشروعها الرامي لفصل جنوب السودان عن شماله على اساس التباين العرقي والديني والثقافي, الامر الذي اثار اشياء ومخاوف معظم الدول الافريقية التي تعاني من مشكلات مشابهة, مما يهدد وحدة اراضيها وسيادتها وهو نفس الخطأ او الخطيئة التي ترتكبها امريكا الآن في الصومال عبر الاعتراف الضمني بجمهورية ارض الصومال الانفصالية, وتقديم المساعدات التي تؤمن لها مقومات الحياة وأسباب القوة العسكرية التي تؤهلها لاحباط مبادرات السلام والوحدة الوطنية, خاصة في هذا الظرف العصيب الذي تتعلق فيه الآمال بالمبادرة التي اطلقها الرئيس الجيبوتي اسماعيل عمر جيلي لانقاذ الصومال من ويلات الاقتتال الضاري بين امراء الحرب على مدى تسع سنوات متصلة منذ انهيار نظام الرئيس سياد بري عام 1991, وفشل ثماني مبادرات سابقة اخرها المبادرة المصرية او ما سمي بإعلان القاهرة في 22 ديسمبر 1997, ونجحت في اتفاق 26 زعيما صوماليا يمثلون 44 فصيلا سياسيا وعسكريا وقبليا حول سبل انتشال الصومال من مأساتها, حتى عاجلتها امريكا بزرع الفتنة عبر الترويج لمخاطر النفوذ المصري, والتقول على مبادرات سابقة قامت بها دول افريقية في هذا السياق! والحقيقة ان المبادرة الجيبوتية تختلف من حيث النهج وأساليب التنفير عن سواها, فهي لم تعن بالتشاور مع امراء الحرب وقادة الميليشيات, كون مصالحهم الشخصية ونزعاتهم القبلية ظلت دوما تصب الزيت لاشعال المعارك الدامية كلما اوشكت مبادرات السلام على اخماد الفتنة, ولذلك رأت الاستغناء عن متاعبهم ووجدت البديل في النخب الثقافية والحكماء من اهل الحل والعقد في الصومال, ومن بينهم وقع الاختيار على ستين شخصية تمثل المجتمع المدني, حيث عقدوا عدة اجتماعات سادها العقلانية واعلاء مصلحة الوطن على كل اعتبار, وتم انجاز وثيقة مقدمة لمؤتمر المصالحة الوطنية المرتقب انعقاده في جيبوتي, تتضمن تسع نقاط اساسية في مقدمتها خطاب عام للشعب الصومالي يدعو الى اسدال الستار على الماضي وتناسي خلافاته ومراراته, وتكثيف الجهود الخيرة لبناء السلام وتفعيل عدد من الاجراءات الوقائية التي تحول دون العودة الى الوضع المأساوي الراهن, ووقف اطلاق النار فورا في مناطق الاشتباكات, وتجريد الميليشيات من اسلحتها, كما تتضمن الوثيقة خطة بناء دولة المؤسسات على اساس اتحاد فيدرالي وعاصمتها مقديشيو, بداية بمعالجة قضية التمثيل الشعبي عبر برلمان يراعي الاوزان المناطقية لا العشائرية, وادانة الكيان الانفصالي لجمهورية ارض الصومال المرفوض وطنيا واقليميا ودوليا, وكانت المنطقة التي تقوقع هذا النظام داخلها وتقع شمال الصومال قد شهدت عدة مظاهرات معادية لمؤتمر المصالحة الوطنية الذي تدعو اليه المبادرة الجيبوتية, واشعل المتظاهرون النار في علم الصومال الذي يجسد توحد الشعب ضد اشكال الاستعمار الفرنسي والبريطاني والايطالي والاثيوبي والكيني, الامر الذي يحتاج الى عمل سياسي وشعبي واعلامي مكثف من جانب مؤتمر المصالحة الوطنية للتغلب على هذه النعرة الانفصالية, خاصة وان ابناء الاقليم الشمالي كانوا السابقين الى وحدة الصومال, وبذلوا من اجلها ما يفوق غيرهم من التضحيات, لكنهم شعروا بعد الاستقلال وقيام الدولة المركزية بالغبن في قسمة السلطة والثروة! على ان التفاؤل الذي يرجحه المراقبون بنجاح مبادرة الرئيس عمر جيلي, يعود الى انها الاولى من صنع الصوماليين, فكرا وتنفيذا وآليات, خاصة وان جيبوتي التي عرفت في الماضي بالصومال الفرنسي جزء لا يتجزأ من (صوماليا الكبرى) سواء من حيث النسيج الشعبي الواحد والثقافة المشتركة والتاريخ والجغرافيا, ثم ان المبادرة تعبيء قوى المجتمع المدني الاقتصادية والاجتماعية والفكرية في مواجهة حاسمة مع امراء الحرب, وتستدعي الاجيال الجديدة صاحبة المصلحة في السلام والتنمية لتحمل المسئولية وممارسة سلطة القرار وادارة شئون البلاد, واذا كان الرئيس الجيبوتي في خطابه امام الامم المتحدة ورسالته الى رئيس مجلس الامن في سبتمبر الماضي قد احاط المجتمع الدولي علما بضرورة تغيير رؤيته للمأساة الصومالية عبر الاقناع عن الاعتراف بأمراء الحرب او التعامل معهم بالنظر الى مصالحهم الذاتية الضيقة التي افسدت كافة مبادرات السلام, فقد حملت في طياتها رسالة ضمنية الى القوى الخارجية التي حملت على عاتقها تأجيج الصراع من منطلق مصالحها الاستراتيجية والرهان على استثمار الثروات الكامنة في الصومال, واذا كانت المبادرة الجيبوتية قد حظيت سريعا بالدعم اللامحدود من الامم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة الوحدة الافريقية والاتحاد الاوروبي,إلا ان بعض الدول العربية وبينها مصر ترى ضرورة استيعابها امراء الحرب سياسيا بديلا عن تهديدهم بالعقوبات الدولية والمواجهات العسكرية في الداخل, اضافة الى مراعاة الاوزان القبلية باعتبارها حقيقة يستحيل تجاهلها حتى لا يشكل الفريقين معا عقبة في طريق انجاز السلام المنشود!