بقلم: خير الدين العايب ان دخول العالم عصر التسارع في تبادل المعلومات واستخدامها احدث نقلة نوعية في الفكر العسكري المعاصر فقادة الجيوش ليسوا بحاجة اليوم الى عدد كبير من الجنود او الدبابات أو المدافع او الطائرات لتقرير مجرى الحرب وقيادتها وهم جالسون في مقرات قياداتهم امام شاشة كبيرة تنقل اليهم صورا عن اهداف العدو الاستراتيجية التي يمكنهم توجيه ضربات مدمرة لها بمجرد الكبس على أزرار تطلق الصواريخ الموجهة من البحر او من الفضاء والقادرة على اصابة هذه الاهداف بدقة. كما بإمكانهم تعطيل اجهزة اتصالات العدو وراداراته بمجرد الكبس على ازرار او بواسطة اشعة الليزر المنطلقة من اقمار صناعية تدور حول الارض. وان معظم الاسلحة التقليدية وتنظيم الجيوش والقوات المسلحة مرشحة للاستبدال والاستغناء عنها مستقبلا بأعداد صغيرة من الجنود واعداد اقل من السفن الحربية الصغيرة المجهزة بالصواريخ وان كسب المعارك والحروب قد يتم قبل اندلاع القتال وفي الايام والساعات الاولى بعد ابتدائها اما الاسلحة الحاسمة فهي الصواريخ الموجهة والاقمار الصناعية التي تصور كل الاهداف الاستراتيجية سلفا واشعة الليزر وشاشات التلفزيون والكمبيوتر وبنوك المعلومات المبرمجة. كما ان حيازة دولة عظمى وبنوع خاص الولايات المتحدة الامريكية لهذه الاسلحة المتطورة لا يعني استسلام كل الدول لإرادتها او سقوط اية وسيلة من وسائل الرد او المقاومة. كما ان الولايات المتحدة الامريكية قد لا تكون القوة الوحيدة في العالم اليوم الحائزة على مثل هذه التكنولوجيا العسكرية المتقدمة فالصين وروسيا وفرنسا واليابان مثلا تستطيع التوصل الى ما توصلت اليه او يمكن ان تتوصل اليه الولايات المتحدة الامريكية وتصبح من جديد شريكة لها في التأثير على الاحداث والنزاعات في العالم. ان الولايات المتحدة الامريكية المتقدمة على غيرها من الدول في هذا المجال ستكون في موقع افضل لإعادة رسم خريطة العالم فبالأمس كانت المظلة النووية هي التي سمحت للولايات المتحدة الامريكية وحلفائها بالحفاظ على السلام اما اليوم فإن المظلة الاعلامية المرتكزة على تقاسم الذكاء هي التي تحدد قوة الدول في سلم القوة الدولية. وان على الولايات المتحدة الامريكية ان تشرك حلفاءها في مظلة المعلومات هذه والا اضطرتهم الى تقليدها وفبركة مظلاتهم الوطنية. ولكن في مطلق الاحوال فإن ثورة التكنولوجيا الجديدة دفعت بالقوة العسكرية الامريكية بعيدا الى الامام وستدفع بها اكثر فأكثر خلال السنوات المقبلة. ومن هنا يقفز سؤال لا بد منه: هل الاسلحة التي يتردد في الصحف ان الدول العربية او بعضها منها تشتريها شرقا او غربا او شمالا او جنوبا. (باعتبار جمهورية جنوبي افريقيا اصبحت من الدول المصدرة للسلاح) هي اسلحة متطورة تكنولوجيا ام اسلحة تقليدية؟ ويتبع سؤال آخر: هل هناك استراتيجية عربية شاملة ام عدة استراتيجيات؟ بالاحرى هل هناك عدو او خطر واحد مشترك تتعاون الدول العربية او تنسق القيادات العربية خططها واستراتيجيتها استعدادا لمجابهته او ردعه؟ ان الاجوبة على هذه التساؤلات لا تحتاج الى خبرة استراتيجية او تخصص عسكري فباستثناء انشاء القيادة العربية الموحدة عام 1964 من الصعب القول بأن هناك قيادة او استراتيجية دفاعية عربية مشتركة بل يمكن القول ان هناك عدة استراتيجيات وان اسرائيل التي شكلت طوال اربعين عاما العدو المشترك الاولوية في السياسات الدفاعية العربية ولا يزال رسميا او فعليا بالنسبة لمعظم هذه الدول لم تعد تشكل الخطر الاول على سلامة وانظمة اكثر من بلد عربي من هنا فإن الاسلحة التي قد تراها بعض الدول العربية ضرورة للدفاع عن نفسها ضد اخطار غير الخطر الاسرائيلي ليست تلك التي تمكنها وحدها او مع دول عربية اخرى من التوصل الى التوازن العسكري الاستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة بدليل انها في تنسيق دائم ومستمر معها لتطوير الاسلحة التي تمتلكها او لتحصل على التكنولوجيا المتقدمة في ميدان الصواريخ الموجهة واجهزة المعلومات؟ لقد حاول اكثر من بلد عربي منذ قيام اسرائىل شراء او تصنيع الاسلحة التي تمكنها من استرداد الحق العربي في فلسطين او تحرير الاراضي العربية المحتلة بالقوة ولكن اسرائيل نجحت بطريقة او بأخرى في افشال هذه المحاولات وهي اليوم وبتنسيق دقيق مع واشنطن تبذل كل الجهود لمنع العرب من اكتساب تكنولوجيا عسكرية متطورة وليس سرا ان هذا المطلب الاسرائيلي ـ الامريكي المشترك يتصدر جدول المحادثات التي يجريها الرئيس الامريكي ورئيس الحكومة الاسرائيلية في زيارتهما لموسكو او لبكين. حتى دولة جنوب افريقيا لم تنجو من هذه الرقابة الامريكية على الاسلحة المتطورة او نصف المتطورة التي يمكن ان يشتريها بلد عربي الا ان اخطر ما في هذه الاوضاع الدفاعية الاستراتيجية العربية من الحصول على اسلحة الدمار الشامل بل تزايد كميات الاسلحة الكلاسيكية والحديثة بين ايدي عدة دول عربية اخرى احدث حالات من التوتر فذلك يغري او يدفع الى استعمال هذا السلاح لحسم التوترات بالقوة ولا داعي للتذكير بحرب الخليج الاخيرة ولا بالحروب الصغيرة الاخرى التي هدرت فيها عشرات بل مئات المليارات. ان الاستعداد للدفاع عن النفس والوطن في وجه اخطار محدقة او محتملة واجب ولابد من شراء السلاح اللازم لذلك او تصنيعه اذا كان الاعتماد على الغير للدفاع خيارا لابد من التخلص منه يوما ما. ولكن افدح ما في الاستراتيجية الدفاعية العربية هو انها ليست باستراتيجية واحدة وان الدول الكبرى لا تسمح للدول العربية ببلوغ التفوق او على الاقل التساوي عسكريا معها. * باحث جزائري