بقلم: عبدالله الحوراني كثيرة هي الاسئلة التي تحوم فوق رؤوسنا دون جواب, وكثيرة ايضا تلك الاسئلة التي نتهرب منها ونغمغم في الاجابة عنها, او نطلب التأجيل. لكن السؤال الذي نحن بصدده اليوم, لا يحتمل ايا من هذه الحالات, ولا تنفع فيه. فهو سؤال يقف امامه الطرف الفلسطيني ملزما بتقديم جواب بحجم السؤال المطروح, ومأزقه فيه اشبه بمأزق الطالب الذي يدخل الامتحان, فيجد امامه سطرا صارما يقول له: اجب بنعم او لا, وهو يعرف ان ايا من الكلمتين تحدد مستقبله. وليس بين الاسئلة المطروحة عليه سؤال اختياري واحد. فكلها اسئلة اجبارية, اعدتها لجنة قاسية وظالمة, وحرمته من كل الادوات والوسائل التي يمكن ان تساعده على عبور الامتحان. فويله ويلان: ويل الممتحن الذي يترصده, و يعد عليه الانفاس, ولا يمنحه من الوقت الا القليل. وويل الاهل الذين لن يرحموه, بعد ان استمهلهم وصبروا عليه, على وعد منه بالنجاح. ومما يزيد في صعوبة الامتحان, انه امتحان نهائي, ولا مجال فيه للاعادة, او الاسترحام, وليس له دورة استثنائية. فقد استنفذ صاحبه فرص الاعادة. وهو امتحان لا يتعلق بمستقبل فرد او جماعة وانما يتوقف على النجاح فيه مصير شعب ووطن, ويؤثر على مستقبل امه بأسرها. حين عقدت اتفاقات اوسلو قبل سبع سنوات, اختلف الناس حولها, ولم يتردد اشد المتحمسين لها في الاعتراف بالنواقص التي اعترتها, والاجحافات التي تضمنتها. ولكنه دافع عن قبولها من زاوية كونها اتفاقات مبدئية, وطالب بإرجاء الحساب حتى مفاوضات الحل النهائي, ونتائجها, باعتبارها تتناول اساس القضية الوطنية: اللاجئين والقدس والحدود والاستيطان, واعدا بتدارك كل الأخطاء, وعدم التفريط بأي حق من هذه الحقوق. وبغض النظر عن قبول الناس او رفضهم لهذا التفسير, والدوافع التي ساقت إليه, فقد اعطوا ـ قناعة او ضعفا ـ فرصة للمفاوض الفلسطيني, وأمهلوه حتى مفاوضات الحل النهائي. واليوم يدخل المفاوض الفلسطيني امتحانه النهائي والسؤال الاجباري الذي امامه: هل سيوقع على اتفاق للحل النهائي يلتزم فيه بإنهاء الصراع مع اسرائيل دون الحصول على حق اللاجئين في العودة الى ارضهم وممتلكاتهم وتعويضهم ـ وليس الى مناطق السلطة الفلسطينية ـ؟ ودون عودة القدس العربية التي نعرفها ـ وليس بدائلها التي تطرح بمسميات اخرى ـ؟ ودون استعادة كامل الارض التي احتلت عام 67 على الاقل, والسيادة عليها, وازالة كل المستوطنات التي اقيمت عليها؟ هذا هو السؤال الشعبي المطروح على المفاوض الفلسطيني, والمطلوب منه ان يجتازه بنجاح حسب ما وعد وتعهد. والمقصود بالنجاح هو تحصيل جميع هذه الحقوق, دون انتقاص جزئي او كلي منها, قبل التوقيع على اي اتفاق نهائي. وامام صعوبة الظروف التي تحيط بالمفاوض الفلسطيني,سواء كانت اسبابها ذاتية تتعلق بعدم توفير شروط القوة التي تدعم التفاوض ـ وهذه يتحمل مسئوليتها الطرف الفلسطيني نفسه ـ او كانت اسبابها خارجية تتعلق بقوة الخصم, وتحالفاته الامريكية التي فرضت نفسها حكما, فإن شعبنا الفلسطيني خاصة والعربي عامة, قد يتفهم هذه الصعوبات, وقد يعذر المفاوض الفلسطيني في حال عدم تمكنه من الحصول على هذه الحقوق, شريطة الا يوقع على اتفاق الحل الدائم وانهاء الصراع. بل قد يعتبر ذلك نجاحا للمفاوض الفلسطيني او عدم رسوبه على الاقل اما ما لا يقبل فيه عذر, ولا يمكن غفرانه فهو الموافقة على حل دائم وانهاء الصراع دون عودة اللاجئين الى ارضهم التي طردوا منها, والقدس الحقيقية, وجلاء الاحتلال بجنوده ومستوطنيه عن كامل اراضي الضفة والقطاع. فلا هدف لدى الناس يعادل هذه الاهداف, ولا بدائل تغريهم او تصرفهم عنها مهما حملت من مسميات فاستعادة الارض هي الاساس. والصراع العربي الصهيوني في الاصل, ومنذ نشأته, كان على الارض وعلى اقتلاع اصحابها الحقييين منها, وطردهم بعيدا عنها, واحلال شعوب غريبة محلهم وعنه نجمت كل الحروب, وانواع الصراع الاخرى. من هنا فإن فهمنا للسلام يقوم على عودة الارض الى اهلها, وعودة الاهل الى ارضهم. وهذه المسألة لا مجال فيها للتسويف او الحلول الوسط او طرح البدائل. فما يرشح من اخبار عن سيناريوهات وحلول, تتحدث عن تقديم وتأخير في هذا الحق او ذاك, ومقايضة حق بآخر. او تحوير في مفاهيم بعض الحقوق, وبخاصة حق اللاجئين في العودة الى ارضهم, ونشاط بعض سماسرة التوطين من الدول الغربية, ويثير القلق لدى المواطن الفلسطيني. ولا يبدد هذا القلق, إلا تأكيد القيادة السياسية الفلسطينية التزامها العلني بالتمسك بهذه الثوابت, والتعهد بعدم التوقيع على حل دائم ينهي الصراع, الا اذا تضمن انجاز هذه الحقوق التي تضمنها البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير. فإعادة مثل هذا الالتزام, تعزز الثقة بين القيادة والشعب, وتوفر الاطمئنان الشعبي على الحقوق الوطنية, وتعيد اصطفاف كامل القوى الوطنية خلف المفاوض الفلسطيني, مما يقوي موقفه في مواجهة التعنت الاسرائيلي. كما ان هذا الالتزام فيه رسالة للطرفين الاسرائيلي والامريكي مما توحي بأن خيارات الطرف الفلسطيني مقيدة, وليست مفتوحة على تقديم التنازلات كما يتوهمون. ومن المهم ان تحمل رسالة الالتزام للطرف المقابل, الامريكي والاسرائيلي, ايحاء آخر بأن الطرف الفلسطيني ليس في عجلة من امره, حتى لا يبتزوه, مستغلين رغبته في التوصل الى الحل. فهو يسعى الى حل واضح, محدد الملامح, ومحكوم بشروط وطنية صارمة لا يمكنه تجاوزها. فالسلام ليس حاجة فلسطينية فقط, وانما حاجة اسرائيلية قبل ذلك, بل هو ضرورة لها. وبالتالي فإن التوصل الى السلام ليس مسئولية الطرف الفلسطيني وحده, وتبعات السلام واستحقاقاته تقع على من يحتل الارض ويغتصب الحقوق قبل ان تقع على الضحية. واذا ما التزم الطرف الفلسطيني هذه المواقف, لا يكون قد اجاب عن السؤال الصعب فقط, وانما يكون قد قطع شوطا مهما نحو النجاح.