بقلم: د. طلعت شاهين فصول محاكمة الجنرال أوغوستو بينوتشيه دكتاتور التشيلي السابق لم تنته بعد, على الرغم من الحل المؤقت الذي حاولت بريطانيا أن تلقي به الستار على نهاية فصلها الأول في لندن, لأن المحاكمة لا تزال تواصل فصولها التالية في التشيلي نفسها, بعد أن تبين أن قانون البلاد لا يعفي أحدا من المحاكمة بسبب الحالة الصحية أو تقدم السن, وكما قال رئيس التشيلي الجديد ادواردو لاجوس أن سجون التشيلي مليئة بمن هم في حال أسوأ من حال الجنرال الصحية والسنية, بل أن بعض هؤلاء قضت المحاكم بإيداعهم السجون عندما كان الجنرال في (عز شبابه وكامل عافيته) , بل وبأمر منه, وتنفيذا للقوانين التي فصلها بنفسه للقضاء على معارضيه. لكن فصلا من فصول المحاكمة حاول البعض إسدال الستار عليه, أو تجاهله طوال فترة اعتقال الجنرال بينوتشيه في لندن, ظل بعيدا عن الضوء طوال تلك المحاكمة, لأن هذا الفصل كان يتضمن اتهامات ظلت بلا صوت, تدين مسئولين آخرين عن جرائمه منذ أن خطط لانقلابه, وحتى قصفت طائراته قصر الرئاسة في سانتياجو عام 1973, وقتلت الرئيس الشرعي للبلاد الدكتور سلفادور الليندي, بل وبعد مذابح هذا الانقلاب الذي راح ضحيته عشرات الآلاف الذين تم تعذيبهم وإعدامهم, ثم إخفاء جثثهم بدفنهم في مقابر مجهولة, أو إلقاء جثثهم إلى البحر من طائرات الهليوكوبتر التي شاركت فيها بلاد مجاورة, مثل الأرجنتين والبرازيل, فيما عُرف وقتها باسم (طلعات الكوندر) . طوال فترات المداولات بين القضاة وبين محامي الاتهام ومحامي الدفاع, لم يشر أحد إلى المتهمين الآخرين, والمسئولين ربما مسئولية أكبر من مسئولية الجنرال في هذه القضية, لأنهم خططوا ودعموا تنفيذ الانقلاب, وكانوا على علم كامل بما يمكن أن يحدث, بل وساعدوه على تنفيذ خططه التي سارت إلى أبعد مما يجب. لم يتساءل أحد خلال فصل المحاكمة الأول عن مسئولية الولايات المتحدة عن الانقلاب, الذي تم في إطار حربها (الصليبية) لمقاومة ما أسمته بـ (الخطر الشيوعي) في ذلك الوقت, والذي اعترفت مؤخرا أنه خطر وهمي تماما كما اعترفت مؤخرا بأن محاكمات (المكارثية) ضد الكتاب والفنانين في الخمسينيات كانت بلا سند, ولم يتساءل أحد عن مدى ضلوع وزير خارجيتها (هنري كسينجر) في هذه الجرائم, والذي لم يكن في الحقيقة مهندسا لهذا الانقلاب فقط, بل كان وراء كل أعمال القتل والتعذيب التي تعرض لها مناضلو القارة الأمريكية اللاتينية, الذين لم يكونوا سوى سياسيين يحاولون إنقاذ بلادهم من عبودية الاستعمار الجديد, الذي كان ينهب ثروات بلادهم ويترك لهم الفتات. بل أنه خلال تلك المداولات حاولت الولايات المتحدة أن تغطي على ضلوعها ومشاركتها الجنرال بينوتشيه في جرائمه, وذلك من خلال ستار من الدخان, تمثل في فتح بعض الملفات القديمة الخاصة بالانقلاب العسكري في التشيلي, وكان واضحا تماما أن الوثائق القليلة التي تم نشرها لم يكن لها أي هدف سوى إبعاد الأنظار عن المسئولين الحقيقيين الذين يمكن إلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم مع الجنرال, لأن معظم تلك الوثائق التي تنشرها كانت مبتورة, وكان ذلك واضحا من خلال الخطوط السود التي كانت تلطخ جانبا كبيرا من تلك الوثائق, التي لا تذكرنا سوى بأسوأ أنواع الرقابة التي تمثلها الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة دولا متخلفة وغير ديمقراطية. خلال تلك المداولات التي طالت وانتهت بإعادة الجنرال إلى بلاده دون محاكمة عادلة, كان يمكن أن تكشف عن أبعاد جديدة في القضية, كان المسئولون والمشاركون للجنرال في جرائمه يلتزمون الصمت الكامل تجاهها, بل أن بعضهم وعلى رأسهم هنري كيسنجر تجنب السفر إلى أي دولة أوروبية حتى لا يجد في انتظاره (الانتربول) في أي مطار يحط فيه, ويقتاده مكبلا بالقيود ويجبره على المثول أمام القاضي الأسباني (بلتاثار جارسون) . لكن بعد أن خرجت القضية من أيدي القاضي الأسباني, وأصبحت بين أيدي القضاء التشيلي وقضاته ظهر هنري كيسنجر من جديد في الأفق, يتباهى كالطاووس بلا مبرر, وبدلا من أن يلتزم الصمت كما فعل من قبل, أراد أن ينتهز الفرصة للنيل من القاضي الذي كان له بالمرصاد, فتحدث وكان أفضل له أن يلتزم الصمت, لأن حديثه بدا كمن (سكت دهرا ونطق كفرا) كما يقولون. حديث هنري كيسنجر أمام الجمعية العامة للمعهد الدولي للصحافة في بوسطن الأسبوع الماضي, لم يكن دفاعا عن النفس بقدر ما كان هجوما في غير وقته ولا محله ضد الرجل الذي استطاع أن يضع (سابقة قانونية دولية) مهمة, بغض النظر عن كونها لصالح طرف دون آخر, لأن القبض على الجنرال بينوتشيه لم يكن من فراغ بقدر ما كان تنفيذا لقوانين دولية وضعتها الدول الكبرى لتحاكم بها من تريد من حكام الدول الصغيرة الذين لا ترضى عنهم, وإذا بها تجد نفسها تحاكم أحد خدمها ومنفذ استراتيجيتها دون أن تملك الدفاع عنه علنا وهو يقف في قفص الاتهام. الغريب أن هنري كيسنجر أحد ابرز المتهمين المشاركين للجنرال بينوتشيه في جرائمه, عندما أراد أن يدافع عن نفسه أدان نفسه بالدرجة الأولى, لأن وزير الخارجية الأمريكي السابق, والمسئول عن وضع وتنفيذ الاستراتيجية الأمريكية التي كان انقلاب الجنرال بينوتشيه أحد ابرز معالمها, هاجم القاضي الأسباني, واعتبر تعقبه للجنرال الدكتاتور نوعا من (تنصيب نفسه قاضيا دوليا) , وهو ما يعتبره أيضا نوعا من (التدخل من جانب الغرب في شئون دول العالم الثالث الصغيرة) , أو (محاولة لفرض رؤية العدالة الغربية على الغير) (!). كلام غريب على العكس تماما مما كان يقوله كيسنجر عندما كان المسئول الأول عن استراتيجية الهيمنة الأمريكية, ألم يتذكر هنري كيسنجر كلامه بعد نجاح الدكتور سيلفادور الليندي في الانتخابات العامة في التشيلي وتوليه السلطة؟, عندما اتهم الشعب التشيلي بالجهل, وقال انه شعب لا يعرف مصلحته, وانه على الولايات المتحدة أن تصحح الخطأ الذي وقع فيه الشعب التشيلي باختياره لرئيس يساري ولو بالقوة, وكانت القوة بالطبع هي الانقلاب الدموي الذي أطاح بأحلام شعب وفرض عليه رؤية الولايات المتحدة لمستقبله (؟!). ألم يكن انقلاب الجنرال وقيام الدكتاتورية العسكرية الدموية التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الشعب التشيلي ما بين قتيل وسجين ومعتقل ومنفي فرضا لرؤية أمريكية على شعب في دولة صغيرة ؟!. ألم يكن هذا التدخل من جانب الولايات المتحدة هو الاتهام ذاته الذي يوجهه كيسنجر اليوم إلى القاضي باعتباره ممثلا لدولة غربية تحاول فرض رؤيتها للعدالة على دولة صغيرة تنتمي إلى العالم الثالث ؟!. ألم يتذكر كيسنجر, أو يجد بين الحاضرين في الجمعية العامة للمعهد الدولي للصحافة, من يذكره بكلامه الذي قاله شخصيا لبينوتشيه بعد أيام قليلة من انقلابه وقبل أن تجف دماء الرئيس الشرعي؟, عندما طلب منه أن يتشدد تجاه المعارضين ولكن في الخفاء, أي كان كيسنجر يشجع الجنرال على إراقة المزيد من دماء الضحايا ولكن دون ضجة, وذلك لسبب بسيط وهو أن يترك للولايات المتحدة, التي يمثل كسينجر سياستها الخارجية, فرصة للدفاع عن الجنرال وزملائه من قتلة الشعب التشيلي أمام العالم وتبرير قتل الرئيس الشرعي باسم الدفاع عن الديمقراطية. ألم يكن هذا تدخلا من جانب الولايات المتحدة لفرض (رؤية غربية) على شعب ينتمي إلى دولة صغيرة؟. وفي النهاية ألم يكن من الأجدر بهنري كيسنجر أن يصمت الآن؟!, أم أن الشجاعة عادت إليه بعد أن تأكد من أن الأمر خرج من بين يدي القاضي الذي كان يملك وضعه وراء القضبان ويحاكمه عن مسئوليته المشتركة مع الجنرال بينوتشيه ؟. كاتب مصري مقيم في اسبانيا.