د. شفيق ناظم الغبراء تبقى خسائر الولايات المتحدة في فيتنام من حيث عدد القتلى الذي وصل الى الستين ألفا, اضافة الى عشرات الألوف من الجرحى والمشوهين, وأكثر من 1500 مفقود امريكي اضافة الى مئات الألوف من قتلى فيتنام وملايين الجرحى ودمار فيتنام بشقيها شاهدا على مدى وحشية تلك الحرب وسوء الحسابات فيها. مع اواخر الحرب تراجعت الولايات المتحدة في فيتنام واعتبر العالم ذلك انتصارا لشمال فيتنام والشيوعية. ومع انتهاء الحرب الباردة ومع عودة العلاقات الفيتنامية الامريكية على مستوى السفراء والتبادل الاقتصادي يبرز السؤال: هل كانت تلك الحرب الخطأ الاكبر بالنسبة للجانبين والبلدين وهل تتكرر ثانية وثالثة؟ ان المحلل لتلك المرحلة يرى ان فيتنام الشمالية قررت ان تحقق النصر على فيتنام الجنوبية وحليفتها الولايات المتحدة مهما كان الثمن, إلا ان الولايات المتحدة دخلت في نزاع لحماية الجنوب واعتبرت انها قادرة على حسمه خلال شهور. وقد دفع كل طرف ثمنا كبيرا من اجل محاولة تحقيق اهدافه في تلك الحرب. ففيتنام الشمالية وبدعم سوفييتي ـ صيني حققت النصر لكنها دفعت ثمنا كبيرا عانت منه لعقود ولسنوات فقد نتج عن سقوط فيتنام الجنوبية بيد الشمالية الشيوعية فرض النظام الشيوعي وهجرة الكفاءات والعقول الفيتنامية ونتج عن ذلك سقوط الاقتصاد وسقوط المعيشة بالنسبة لملايين الفيتناميين. لكن الحرب في فيتنام ادت بذات الوقت الى خسارة الولايات المتحدة لجانب مهم من الثقة بدورها العالمي وبقدراتها على الدفاع عن مصالحها. بل تبلورت القناعة لدى بعض الدول والتيارات بأن الولايات المتحدة لا تستطيع ان تدفع خسائر رئيسية في الحرب دون ان يتحول الامر الى شأن انتخابي داخلي بغرض اعادة الحسابات وقد شجع هذا الانطباع الطلبة في ايران على اخذ الرهائن في السفارة الامريكية وشجع على انسحاب الولايات المتحدة من لبنان في الاعوام 1994 ـ 1983, كما شجع ذات الامر صدام حسين على غزو الكويت. ولحرب الولايات المتحدة في فيتنام ابعاد اخرى قلما استوعبت في الاطار السياسي والعالمي الاوسع. فالواقع الذي لم ينتبه اليه الكثيرون ان الولايات المتحدة تدخلت في فيتنام اساسا في اطار نظرية المواجهة الموسعة والعالمية مع الشيوعية وبهدف احتواء الخطر الشيوعي ومنع امتداده الى بقية دول اسيا من اليابان الى اندونيسيا وتايوان ومن جنوب كوريا الى تايلاند وماليزيا والفليبين ورغم ما وضح انه هزيمة عسكرية للولايات المتحدة ورغم ما بدا انه تراجع كبير, الا انه لم يكن في الجوهر بالنسبة للولايات المتحدة في النهاية اكثر من خسارة لموقع تراجعت عنه نتاج الثمن الكبير الذي دفعته.. وهذا الامر دفع الرئيس الفيتنامي في خطابه الوداعي للقول (ان الولايات المتحدة نكثت بالوعود التي قدمتها لبلاده) بل ان الكونجرس الامريكي رفض في مارس 1973 طلب الرئيس فورد لمزيد من الدعم لفيتنام مما سهل سقوط الجنوب في ابريل عام 1975. وقد نتج عن تلك الحرب تبلور المبدأ الامريكي بعدم ارسال الامريكيين الا دفاعا عن (مصلحة قومية عليا) وفي ظل النية لتحقيق انتصار حاسم, وفي ظل اوضاع تشهد اجماعا امريكيا في صفوف الرأي العام والكونجرس. ويقول المبدأ الذي تبنته الولايات المتحدة بعد الحرب انها عندما تجمع على حرب يجب ان تستخدم كل قوة ممكنة لسحق الطرف الاخر بسرعة.. وقد عرف هذا المبدأ اساسا بمبدأ باول الذي ترأس الاركان منذ عام 1989 ـ 1993 واستخدم هذا المبدأ في الحرب عام 1991 لتحرير الكويت. لكن الولايات المتحدة تكتشف من جهة اخرى بعد مرور ربع قرن على نهاية الحرب انها لو لم تخض تلك الحرب بتلك الشراسة وذلك العنف, وانها لو انسحبت وانهت تلك الحرب في اواسط الستينيات لكانت خسائرها اقل ولكانت نجحت في بناء استقرار اسيا واحتواء الشيوعية والانتصار عليها. فالولايات المتحدة التي خسرت الحرب في فيتنام تعود اليها بوسائل اخرى من خلال العولمة, والمؤسسات والادارة الحديثة والشركات العابرة للقارات, ومنظمة التجارة العالمية, وقوة رؤوس الاموال, وقوة الاقتصاد, والبنك الدولي, وصندوق النقد الدولي, والسي ان ان, والـ م تي في, وفرق الموسيقى والمطاعم السريعة. بمعنى اخر ان فيتنام التي قاتلت النظام الرأسمالي في جنوب فيتنام وهزمته على اراضيها عام 1975 تعود اليوم وتتبنى هذا النظام والولايات المتحدة التي قاتلت فيتنام الشيوعية تعود وتمد يد العون اليها في التحول نحو الرأسمالية والاقتصاد الحر. ان الدولة الكبرى التي تورطت في حرب طويلة قبل اكثر من ثلاثة عقود قادرة على تكرار التجربة الفيتنامية كما حصل بدرجات اقل في السياسة الامريكية تجاه الصومال وتجاه المواجهة المسلحة المستمرة حول العراق والتي اصبحت جزءا من الصورة الدائمة في المشهد. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت