بقلم : خليل ابراهيم الذوادي تذكرني بدايات انطلاق القمر الصناعي عربسات الجيل الاول الى الفضاء في 3 فبراير عام 1985م بتلك الحيرة التي اصابت رجال المواصلات والاعلام حول كيفية الاستفادة من انطلاق القمر الصناعي العربي الذي كان بالاضافة الى كونه قمرا للاتصالات فهو يمكن الاستفادة منه في البث التلفزيوني, وكان الجدل محتدما كون اجهزة الاعلام لم تكن بعد في وضع يسمح لها بأن تنطلق الى الفضاء بإرسالها التلفزيوني او الاذاعي, كما ان المادة التي تريد ان تبثها غير واضحة لدى المعنيين بالخطط البرامجية, وتم تبادل اللوم, وكل جهة ترى ان الاعلاميين لم يستشاروا في الموضوع, بينما يرى الاتصاليون بأن تصوراتهم لوسائل الاتصال سابقة للمنتدى والتوجه الاعلامي. وبين عشية وضحاها وجد الاعلاميون انفسهم امام تحد حضاري فرضته تكنولوجيا الاتصال, وهو الى جانب كونه تحديا فهو فرصة للاستثمار الاعلامي في توجهه السياسي والثقافي والحضاري والاقتصادي والتجاري. وتسابقت اجهزة الاعلام الرسمية والاهلية للاستفادة من هذه التقنية وظهر في المصطلح الاعلامي مسمى جديد هو الفضائيات العربية, واعتقد المخططون الاعلاميون ان هذه الفضائيات هي البديل العربي والخيار المتاح امام المشاهد العربي اينما كان في مواجهة القنوات الفضائية العالمية التي بدأت تغزو وتصل الى اي مشاهد عربي من خلال جهاز وصحون هوائية لاقطة اينما كان, وشعر الاعلاميون بأن البضاعة التي لا تواكب العصر ولا تلائم متطلبات ورغبات المشاهد وتطلعه الى الافضل مصيرها الكساد, والكساد الاعلامي ليس ظاهرة عادية, فهو حينما يحل يسبب كارثة لا تحمد عقباها, وعندما شعر الاعلام بالخطر, وكأي مؤسسة اتخذ كافة الاحتياطات وخطط الطوارىء لمواجهة هذا الخطر الداهم. العولمة الفضائية وتوالت عربسات في اطلاق اقمارها الصناعية فأطلق القمر B1 في 17 يونيو 1985م, تلاه القمر C1 في 26 فبراير 1993, فاستفادت MBC من قناة A1 على قناة الحيز الترددي S BAND غزيرة الاشعاع في الانطلاق الى الفضاء, تلتها القناة الفضائية المصرية في بث برامجها في العام 1990م على القمر الصناعي B1 من خلال قناة الحيز الترددي نفسها لتكون ثاني قناة فضائية عربية وأول قناة حكومية عربية. وتوالت المؤسسة العربية للاتصالات الفضائية (عربسات) في بث اقمارها الصناعية التي انشئت في 14 ابريل 1976 ابتداء منC 1 في 26 فبراير 1993, الى القمر A2, فالقمر B2, فالقمر A3. ونتوقع ان تكون انطلاقة القمر الجديد قريبا ليحمل رقم B3 ولنشهد ربما قنوات فضائية عربية جديدة على هذا القمر, علما بأن هذه الاقمار العربية تزاحمها قنوات اجنبية اخرى تبث ارسالها مستهدفة عموم المنطقة العربية وما جاورها. ترى هل دخلنا العولمة من خلال الفضاء؟! ام ترى ادخلتنا عربسات العولمة؟! ام ادخلتنا العولمة نفسها الفضاء؟! اسئلة.. الاجابة عنها تتلخص في اننا اصبحنا جزءا من هذه العولمة, وسيلتنا هي الفضاء, ووجدت القنوات العربية نفسها جنبا الى جنب مع القنوات العالمية. اما كيف هو التواجد, وما طبيعته وهل هو البديل الحقيقي؟ فالاسئلة كثيرة ومتزاحمة والاجابة عنها تحتاج الى كثير من الوقت والدراسة. عندما نتحدث عن العولمة فلا نملك كإعلام وتحديدا الاذاعة والتلفزيون إلا ان نقول بأن هذه الاجهزة هي ثمار العولمة تقنيا على الاقل, فالتطور الذي تشهده التكنولوجيا الاتصالية يجعلنا في سباق مع ما تشهده من تطور ونماء, فنحن اليوم نتحدث عن التلفزيون الرقمي Digital T.V ونتحدث عن high definition T.V H. D.T. V التلفزيون عالي الوضوح وهو نظام البث والتقنية التي سيشهدها التلفزيون في عمر قد لا يتجاوز أربع سنوات من الآن, ونذهب الى اكثر من ذلك, الى ان وسائل الاعلام التقليدية: الصحافة والاذاعة والتلفزيون تواجه التطور الحديث المذهل المتمثل في التلفزيون التفاعلي Interactice T.V يتمثل في الاستفادة من التلفزيون العادي وبرامجه ودمجها او الاستفادة من تقنية المعلومات الحديثة كالكمبيوتر والانترنت او بمعنى آخر Multi Media والاستفادة من الامكانيات التي يتيحها النظام الرقمي Digital في تحقيق رغبات وميول وتطلعات المشاهد. اسباب العجز ترى هي سنقف مكتوفي الايدي تجاه هذه التقنية المتطورة؟ هل سنستورد التقنية ونقف برامجيا عاجزين عن الاستفادة منها؟! هل تدخلنا هذه التقنية من جديد في العولمة؟! ام ندخل انفسنا نحن في العولمة ونستفيد من تكنولوجيا المعلومات؟! برامجيا نحن امام مشاهد نضع دائما نصب اعيننا ارضاءه وتحقيق رغباته, مشاهد يتعرض للكثير من الرسائل التي تبث من خلال الفضائيات والكيبل والصحون اللاقطة والانترنت, لديه قناعات مختلفة لديه اذواق متباينة يشاهد انواعا ونماذج من البرامج تدخل فيها عناصر للتشويق مبهرة باستخدام تقنية رفيعة المستوى في التشكيل البرامجي باستخدام اجهزة سيليكون كرافيكcilicon Graphic وVirtual Studio (استديو الخيال) وAVID وغيرها من عناصر الابهار البصري والسمعي. فهل تقدم برامجنا بعيدا عن هذه التشكيلات ومن يضمن ان يشاهدنا المشاهد العربي اذا خلت برامجنا من ذلك؟ وهل فعلا نكون البديل العربي الجيد؟! هل اخبارنا التي نقدمها بأسلوبها وطريقة عرضها مغرية وملبية لحاجة المشاهد؟ هل قضايانا المحلية والعربية نناقشها بالاسلوب الذي اعتاد عليه وهو يشاهد قنوات عالمية اخرى تتصدى لظواهر اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية.. هل نحن عاجزون عن تقديم انواع من البرامج تتمشى مع الثورة العالمية؟! هل العجز يتمثل في العنصر البشري, ام يتمثل في التوجه السياسي ام يتمثل في الحصول على التقنية ام يتمثل في تدبير المال اللازم؟! من الظلم ان نصف انفسنا بالعجز على الاطلاق فمظاهر العجز واسبابه ترجع الى كل هذه العوامل مجتمعة, ولكن علينا ان نناقش هذه الاسباب بعجالة. فالعنصر البشري يثبت ان العربي قادر على ان يتعامل مع التقنية اذا اتيحت له فرص التدريب والتعليم والتجريب ومنح الثقة في قدراته وامكانياته ويمكن ان يكون مساهما لا مستهلكا فقط, اما التوجه السياسي فإننا نلمح بوادره ومؤشراته وعندما نقرأ عن المناطق الاعلامية الحرة والاستعداد لاستضافة قنوات وفضائيات على ارضنا العربية فإن ذلك يزرع فينا التفاؤل بأن الاعلام العربي سيشهد ميلادا جديدا. اما التقنية فهي موجودة ومتوفرة في سوق العولمة الجديد, والمصانع تأتي بكل جديد وتتسابق محطاتنا العربية الخاصة والعامة للسعي لاقتناء الجديد, ولكن هذه التقنية لها ثمن, وثمنها باهظ, وهنا نصطدم بالعجز المالي فعندما يقرر روبرت مردوخ RUPERT MURDOCH ان يضم مؤسساته الفضائية واستثماراته المالية في شركة واحدة قبل نهاية شهر يوليو من عام 2000م ليصبح رأس مال الشركة 31 مليار جنيه استرليني وتتعامل مع شبكة انترنت عالمية وتكون منافسا قويا لشبكات Yahoo وMicrosoft وNokia وشركات فرنسية وأوروبية اخرى يتبادر الى ذهننا العجز المالي الذي تعاني منه محطاتنا الفضائية العربية الخاصة والعامة. اين يقف قطاعنا الخاص من الاستثمار في المشاريع الاعلامية؟! هل سنشهد يوما شركاتنا العملاقة وهل تدعم الاستثمار في مشرع قناة فضائية قوية؟! هي اعلان مؤسسة انفستكورب القابضة يوم الاثنين 24 ابريل 2000 عن استثمارها 125 مليون دولار في شركة (تيليبا سيفيك كوميونيكيشن) للاتصالات السلكية واللاسلكية في لوس انجلوس مؤشر على هذا التوجه في الاستثمار في مشاريع اتصالية واعلامية؟! نأمل ذلك.. الخلاصة.. العولمة في مظاهرها واشكالها تأتينا من كل مكان, واعتقد ان الاعلام مدخل مهم من مداخل القرب والانخراط في العولمة, وهو مهدد بأن يكون على الهامش ان لم يكن متفاعلا بشكل ايجابي, واسمحوا لي بأن استعيض عن كلمة (مهدد) بكلمة اخرى اراها انسب وأليق إنها (الفرصة) السانحة او ايجاد الفرصة السانحة Nichestrategy لأن يطور الاعلام العربي نفسه وان يطور الاعلاميون انفسهم. انه التحدي الحضاري, والتحدي ظاهرة صحية فرغم ان اجسامنا صحيحة الا ان الصحة مطلوبة في كل زمان. الرئيس التنفيذي لهيئة الاذاعة والتلفزيون في البحرين