بقلم: الياس سابا ليس هنالك اتفاق حول تحديد مفهوم العولمة كما انه لا يوجد اتفاق حول ما اذا كانت العولمة ظاهرة جديدة ام انها استمرار لظاهرة تمتد منذ قيام الثورة الصناعية الاولى وقيام النظرية الاقتصادية الليبرالية مع آدم سميث. محددات العولمة ومهما يكن من امر, فإننا هنا اخترنا ان نعتمد المحددات التالية: 1) ترتكز العولمة الى مبدأ سرعة وسهولة انتقال السلع والخدمات والاموال والمعلومات والمؤسسات والناس, والتقانة, والثقافة على مستوى العالم متخطية الحدود والحواجز وغير عابئة بها. 2) بهذا المعنى, يتم اندماج اسواق العالم ضمنآلية حرية الاسواق والنظام الرأسمالي النيوليبرالي بحيث يصبح العالم خاضعا لسلطة قوى السوق العالمية, الامر الذي يؤدي الى انحسار دور الدولة القومية نتيجة اختراق قوى السوق لحدودها وتخطيها لها. 3) وهكذا, فبينما تشكل الدولة القومية الوحدة الاساسية في الاقتصاد الدولي تصبح الشركات العملاقة متخطية القوميات هي الوحدة الاساسية في مفهوم العولمة. 4) تلازم قيام العولمة مع تطورين اساسيين: أ) انهيار دول المعسكر الاشتراكي وتثبيت (زعامة) الفكر الاقتصادي الليبرالي الرأسمالي الذي سبق له وعرف مرحلة تطور مهمة بدأت مع تفوق نظريات اقتصاديات العرض (Supply Econmics) ـ تاتشريزم (ريفونوميكس) خصخصة ـ deregulation وباختصار, تخفيف حجم ومدى تدخل الدولة في المجال الاقتصادي. ب) الثورة الصناعية الثالثة التي تمثلت في التطور التقاني الهائل في مجال الاتصالات والمعلومات. 5) كان لابد من بروز دور الولايات المتحدة نتيجة التبدل في تركيبة النظام الدولي وبسبب تفوقها الكاسح في الميدان العسكري والاقتصادي والتقانية الحديثة. 6) في هذا الاطار يمكن لنا ان نفهم الاتفاقات الدولية الموقعة في اطار جولة الاوروغواي, سواء ما تعلق منها بتحرير تجارة السلع GATT او الخدمات GATS او اجراءات الاستثمارات ذات الصلة بالتجارة TRIMS او بزيادة اجراءات حماية حقوق الملكية الفردية. كذلك يمكن لنا ان نفهم لماذا تأخر قيام منظمة التجارة الدولية WTO طيلة أربعين عاما تقريبا بينما قامت مؤسستا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مع نهاية الحرب! في قناعتنا ان كل ما حدث جاء ليصب في خدمة مصالح الولايات المتحدة الامريكية في الدرجة الاولى. 7) ضمن هذا السياق, فنحن ننظر الى العولمة على انها احدث اشكال النظام الرأسمالي الدولي (او العالمي/ الكوكبي) والذي انما قام ويعمل من اجل خدمة مصالح القوى الرأسمالية من دول ومؤسسات ضخمة متخطية القوميات, واهم هذه اطلاقا الولايات المتحدة الامريكية والشركات الامريكية ومن خلال هذا المنظار فإن العولمة ليست سوى الشكل الجديد او الاكثر حداثة للاستعمار بمفهومه الاقتصادي العلمي. 8) ما زالت العولمة في مراحل تأسيسها الاولى وهي في قناعتنا لابد وان تكون عرضة لتغييرات عديدة واساسية مع مرور الوقت, خاصة لانها في شكلها الحالي تنطوي على عدد من التناقضات وتشكل حالة من حالات التوازن غير الثابت Unstable Equilibrium ومن ابرز تناقضاتها ان الاقتصاد يتجه نحو العالمية بينما ما زالت السياسة وطنية وقومية. بكلام اخر, فإن الحركة الاقتصادية بكافة اشكالها اصبحت عالمية, متخطية حدود الدول غير عابئة بها, وهي تخضع لقرارات وسياسات الرؤساء التنفيذيين في الشركات الضخمة ذات الصلة, والتي تخدم في النهاية مصالح هذه الشركات ومصالح من يملكها أو من يريدها او يوفر لها الاموال التي تحتاج اليها (أي المؤسسات المالية) في حين ان السياسة والقرارات السياسية ولو على المستوى العالمي, ما زالت اسيرة الدولة القومية, حتى على صعيد المؤسسات الدولية (السياسية وحتى الاقتصادية) او خارجها. وهكذا فنحن امام اختلال هيكلي بنيوي فيما بين السلطة الاقتصادية (التي تعولمت) والسلطة السياسية التي ما زالت قومية ولا ننتظر ان يعاد التوازن في ما بين الاقتصادي والسياسي في المدى القريب او بسهولة. ذلك لان المستفيد الاكبر من هذا الخلل هو, كما دائما, الفريق الاغنى والاقوى, وعلى رأسه الولايات المتحدة الاغنى والاقوى والتي تتوطن فيها غالبية القوة الاقتصادية العائدة للشركات الضخمة متخطية القوميات. كذلك, فالمفارقة هي ان الدول الفقيرة ستعترض هي ايضا على اي تنظيم عالمي اقتصادي جديد يعلو على سلطة الدول القومية, ويعيد التوازن فيما بين الاقتصادي والسياسي. وما ظهر حتى الآن من اشكال السلطة العالمية الاقتصادية ـ G7 ـ هو اقرب الى مجلس ادارة لاقتصاد العالم, يمثل مصالح (المساهمين) ذوي القوة الاقتصادية الغالبة ولا يمثل القوى السياسية (اي الدول) او حتى القوى البشرية استنادا الى القاعدة الديمقراطية (الغربية!) المثلى اي لكل فرد صوت واحد ONE MAN ONE VOTE. لمصلحة من؟ 1) العولمة تطور طبيعي في مسار النظام الرأسمالي الليبرالي, وهي اعلى واحدث درجات الاستعمار الاقتصادي. من هذا المنطلق ومبدئيا وباعتبار ان العالم العربي هو جزء من دول الجنوب والدول النامية, فإن العولمة ليست في مصلحته ولم تأت لتخدم مصالحه. 2) وككل تطور كبير بهذا الحجم, فإن العولمة لابد وان تخلق فرصا الى جانب ما تخلقه من تحديات وصعوبات. 3) لا يملك العرب (ولا غيرهم) خيار ان يقبلوا العولمة او يرفضوها. هذا هو النظام الاقتصادي الجديد. وعليه فالخيار الوحيد المتاح لنا هو ان نحاول ان نتعاطى مع هذه الظاهرة بحيث نخفف الى الحد الادنى الممكن الضرر الناتج منها علينا, مع امكانية الاستفادة منها للحد الاقصى. (وهنا تبرز فكرة الانسلاخ الانتقائي في مقابل فكرة الاندماج مع الوقاية) وفي هذا الصدد تبرز الاعتبارات التالية: أ) ما زال العالم العربي بعيدا عن هدف التنمية (مقابل مجرد النمو) وخاصة بمفهوم التنمية الانسانية Human Development. ب) ان توسيع رقعة الاقتصاد العربي عبر مشاريع التكامل والتنسيق والتوحد يساهم ايجابيا في دفع مسار التنمية الانسانية, كما انه يرفع ايضا مناعة الجسم الاقتصادي العربي تجاه اضرار ومخاطر العولمة ويسمح له بتوسيع استفادته منها. 4) وعليه, فلابد من العمل الجدي وبسرعة ـ دون الوقوع في تجارب حرق المراحل التي فشلت وكلفتنا الكثير في السابق ـ في اتجاهين متلازمين: أ) المشاريع والخطط الوطنية لدفع عجلة التنمية البشرية ضمن الابعاد الخمسة التالية: تعظيم الانتاج, (عدالة توزيع الانتاج) , استمرارية التنمية, المشاركة في صنع القرار, والمحاسبة والمساءلة, وتخفيف التبعية للخارج. ب) توسيع رقعة ومدى وعمق الاقتصاد العربي, بكل الوسائل وفي كافة القطاعات وفيما بين اي بلدين عربيين او اكثر, وهنا فنحن نرحب بالقرار الاخير الذي اتخذ في سبيل اقامة منطقة تجارة حرة عربية (قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي بدورته المنعقدة في فبراير 1997) تضم جميع الدول العربية. 5) علينا ان لا نستعجل الانخراط في المؤسسات العالمية الجديدة (ولا حتى الاقليمية منها مثل الشراكة المتوسطية) وان نؤخر ما امكن التزامنا بشروط الانضمام اليها, وذلك ريثما نكون قد سجلنا تقدما مأمولا على صعيد رفع مستوى التنمية البشرية داخل اقتصاداتنا الوطنية. 6) ان التوحد الاقتصادي العربي, او على الاقل اقامة منطقة تكاملية اقتصادية عربية هو امر ملح لنا كعرب, ليس بسبب تحديات ظاهرة العولمة فقط, بل ايضا بسبب التهديد الكبير الناتج عن قيام التسوية في الشرق الاوسط وعن اقامة نظام اقتصادي شرق اوسطي تلعب فيه اسرائيل دور المركز والقلب. حماية المصالح 1) من المفارقات ان العولمة ترافقت مع قيام تجمعات اقتصادية اقليمية (Regional) عديدة مثل NAFTA و ASEANوالاتحاد الاوروبي, ودول حوص الباسيفيك الخ... وعليه فلا غرابة اذا حاول العرب ان يقيموا فيما بين اقطارهم تجمعا اقتصاديا يخدم مصالحهم ويحصنهم في تعاطيهم مع التكتلات الاقتصادية الاخرى. 2) ان مفهوم العولمة الاقتصادية يرتكز الى مبدأ اساسي هو افضلية حرية التبادل (التجارة) لانها هي الكفيلة بتحقيق اعلى المكاسب. ولكن غالبا ما يتم تناسي احد اهم شروط تعظيم المكاسب عبر حرية التبادل, ألا وهو قيام الشروط اللازمة للمنافسة الكاملة Perfect Competition او شبه الكاملة. ومن اهم شروط المنافسة الكاملة ان تكون الوحدات المتنافسة متقاربة في الحجم وفي مستوى التطور الاقتصادي وان لا يطغى بعضها (او احداها) على الغير. وواضح ان كل هذه الشروط غير متوافرة فيما بين الدول. وعليه فمبدأ المنافسة الكاملة غير قائم فيما بين الدول الفقيرة والدول الغنية دول الجنوب ودول الشمال. 3) اذا كانت حرية التبادل تنتج هذه المكاسب العديدة التي يتغنى بها منظرو الليبرالية الجديدة والعولمة, فلماذا لا تشمل حرية وسهولة انتقال اليد العاملة ـ خاصة من دول الجنوب الى دول الشمال كما يراد لها ان تشمل السلع والخدمات والمؤسسات؟ كذلك فلماذا لا تمتد منافع حرية التبادل لتشمل التقانة (التكنولوجيا), ولماذا ما زلنا امام نظام صارم (شبه بوليسي) تعمل به الدول الغنية وخاصة الولايات المتحدة وتمنع بموجبه انتقال التقانة من الدول الغنية الى الدول الفقيرة الا بالمستوى المقبول وبالقدر المسموح به؟ 4) اذا كانت الولايات المتحدة الامريكية, زعيمة العالم الحر ورائدة النظام الرأسمالي الليبرالي, تقول على لسان وزير خارجيتها (وارن كريستوفر) خلال احدى شهاداته امام لجان الكونجرس ان اولى اولويات سياسة بلاده الخارجية هي الامن الاقتصادي للولايات المتحدة, افلا يحق للدول العربية التي ما زالت في مراحل نموها الاولى والمهددة بالخطر الصهيوني (رغم امكانات التسوية القائمة) ان تعتبر هي ايضا ان امنها الاقتصادي هو من اولويات سياساتها الخارجية والاقتصادية وان تعمل على هذا الاساس وفي هذا الاتجاه؟!