بقلم: محمد وقيع الله لم تكن مجرد مصادفة ابدا ان تقوم صحيفة (نيويورك تايمز) في عددها الاسبوعي بتاريخ 16 ابريل 2000 بنشر واحدة من اخطر واعجب وثائق وكالة المخابرات الامريكية, لقد احتفل الكثيرون بتلك الوثيقة وكانت محل اهتمام مختلف طبقات القراء المهتمين بشئون السياسة, واحد اوجه العجب هو ان وكالة المخابرات الامريكية كانت تزعم ان ملفاتها عن تلك المؤامرة التي انخرطت فيها في ايران, في الخمسينيات ضد مصدق قد اصابها التلف, ولكن هاهم الان يفاجئون الناس بملف كامل عن تلك المؤامرة تنشره (نيويورك تايمز) على نطاق اكثر من صفحتين كاملتين. الملف الطافي ما الذي جعل ذلك الملف المفقود يطفو على السطح اخيرا, ويحتل جزء بارز منه مدعم بالصور صدر الصفحة الاولى من (نيويورك تايمز) ؟ تقول (نيويورك تايمز) انها عثرت على صورة سربها احد عملاء المخابرات المركزية السابقين لنفسه من احدى تلك التقارير التي تم اتلافها على يد الوكالة في 1961, وتضيف قائلة ان التقرير الذي حصلت عليه هو الاكمل من نوعه, خلافا لكل الكتابات التاريخية والمذكرات, التي تناولت الموضوع من قبل, ومعظمها كان بأقلام عملاء سابقين للوكالة, ولكن قامت الوكالة ـ كما يقتضي القانون ـ بالاطلاع على كتاباتهم قبل ان يسمح لها بالنشر, وحذفت منها ما تشاء. ولكن مهما يكن نصيب تبريرات نيويورك تايمز تلك من الصحة, فان الامر برمته لم يكن من قبيل الصدفة الخالصة, والارجح من ذلك ان يكون التقرير قد تم تسريبه ونشره, ليخدم هدفا سياسيا امريكيا عاليا, تركز امريكا بالحاج على انجازه في هذه الآونة, وعملت المستحيل من اجل ذلك بلا جدوى, وقد انتهى بها الامر إلى ابتذال التواضع والقيام بالاعتذار ـ غير النبيل وغير الخالص ـ لايران بسبب ما الحقته بها من الضرر في ثلاث حقب تاريخية, الاولى اسقاط ثورتها الشعبية بقيادة د. محمد مصدق في الخمسينيات, والثانية الوقوف إلى جانب الشاه في مواجهة مظاهرات الثورة في السبعينيات, والثانية الوقوف سندا للعراق ضد ايران في حرب الخليج الاولى. السوابق والمقاصد ليس هنالك سوابق قط في تراث السياسة الخارجية الامريكية, يمكن ان تقنع المحلل السياسي بأن تلك الاعتذارات انما جاءت ابتغاء لوجه الله, أو حتى لارضاء الضمير, وانما توجد حتى سوابق لا حصر لها, تؤكد ان اي قرار سياسي امريكي يتخذ, انما يتخذ بناء على خلفية دراسة جدوى واسعة واستهدافا لتحقيق مرام محددة واضحة, فالاعتذار الامريكي الذي جاء مشفوعا برفع بعض العقوبات الاقتصادية عن ايران, انما جاء بهدف اختراق ايران فورا, فإن ايران ـ في التقدير الامريكي ـ لا يمكن ان تطالب الدولة العظمى باكثر من الاعتراف بالذنب وتقديم اعتذار ونقد ذاتي, فذلك يرفع عن ايران كل التهم, كما يجعلها في وضع نفسي مريح يدفع بها للوقوع في احضان واشنطن. لكن هل المقصود فقط هو الوقوع في احضان واشنطن؟ كلا! انما ذلك هو منتصف الشوط, واما المقصود النهائي فهو ان تقع ايران في احضان اسرائيل, واذا كان خاتمي في رسالته التي وجهها للشعب الامريكي, قد ذكر صراحة بأن سياسة امريكا تجاه ايران تصنع في تل ابيب فان ما يحدث الان هو مصداق ما قال. ازنهاور ودالاس لا يخلو تقرير المخابرات المركزية الذي نشرته (نيويورك تايمز) من اتجاه لتبرئة امريكا أو لتبرير تدخلاتها في شئون ايران, واسقاط حكومتها المنتخبة, بقيادة مصدق, اما التبرير فهو ينصب على ان بريطانيا كانت هي صاحبة الخطة, وانها فاتحت في امرها حكومة ترومان في 1952, الا ان ترومان رفض الانسياق وراء المخطط الانجليزي, ثم جاء خلفه ايزنهاور, مدفوعا بدوافع استراتيجية, تتعلق بخطر التوسع الشيوعي باتجاه ايران, ليقبل تلك الخطة, وليعهد إلى مدير المخابرات المركزية آلان فوستر دالاس لانجازها بالتعاون مع البريطانيين, وضباط الجيش الايرانيين, الموالين للشاه, والذين كانوا قد فاتحوا موظفي السفارة الامريكية في طهران, برغبتهم في تنفيذ انقلاب لصالح الشاه. يفيد التقرير بان موظفي المخابرات المركزية في طهران, كانوا هم الذين اختاروا الجنرال (زاهدي) لقيادة الانقلاب, واوحوا للانقلابيين بان يدعموا اعدادهم برعاع الشوارع, ممن ينساقون لكل ناعق, وذلك مما يؤكد ان شعبية الشاه وجنرالاته كانت في الحضيض, بل يؤكد التقرير ان الشاه كان في حالة ضعف ورعب, لدرجة انه قد شق عليهم امر اقناعه بتبني الانقلاب الذي صمم لكي يعيده إلى السلطة ويعطي التقرير تفاصيل وصفية لنفسية الشاه, تقول بأنه بطبيعته رخو وممزق نفسيا, وغير مستقر عاطفيا, ولا اسريا, ولا يستطيع ان يتخذ قرارا صلبا, والغريب انهم مع ذلك ـ أو ربما لذلك ـ اختاروه بالذات ليرجع لحكم ايران. كان مخطط المخابرات البريطانية والامريكية يمضي قدما برغم ان الشاه كان مترددا في الموافقة عليه, وربما لذلك السبب فضلت المخابرات الامريكية الا تكشف له, ولا للمخابرات البريطانية, عن اسماء عملائها المعتمدين للمشاركة في تنفيذ الانقلاب, ويتحدث التقرير عن تفاصيل الاعمال التنفيذية التي باشرت السفارة الامريكية بطهران انجازها بخصوص المؤامرة ابتداء من بثها للدعايات الرمادية ضد مصدق على صور ملصقات كرتون على الطرقات وتدبيج المقالات الانتقادية وارسالها للنشر في الصحف المحلية باسماء وهمية لمواطنين ايرانيين وانتهاء بوصول مدير قسم الشرق الادنى بالمخابرات المركزية المدعو كويميت روزفلت ـ حفيد ثيودور روزفلت ـ إلى طهران لاعطاء اشارة التحرك لدبابات الانقلابيين. عدم تجاوب الشاه ويعود التقرير مرة اخرى للطعن في الشاه بتهمة الخور والضعة, فهو قد عجز منذ البدء في تنفيذ ابسط ما يطلبه منه موظفو المخابرات المركزية المشرفون على الانقلاب, وخاصة عندما طلبوا منه التوقيع على مرسوم امبراطوري بفصل رئيس الوزراء محمد مصدق, وتعيين الجنرال زاهدي محله, وعندما طلبوا منه ان يخاطب (الجماهير) التي عبأتها الوكالة لتطالب بعودته للسلطة. ولم يكن امام موظفي الوكالة حينها, الا ان ينذروا الشاه بأن ضعفه وتردده, ينذر بفشل الانقلاب, واحباط المساعي الاستراتيجية للدولتين العظميين, بخصوص الاقليم بأكمله وهنا اتجهوا إلى الضغط المباشر عليه, كما طلبوا عون اخته الاميرة (اشرف) لممارسة نفوذها وتأثيرها على شخصيته المهزوزة, وقد تطلب ذلك ارسال وفد خاص من اقطاب المخابرات البريطانية والامريكية, لاقناعها بالسفر من باريس إلى طهران, والبقاء مع الشاه من اجل دفعه على طريق الانقلاب, وقد كان مفاجئا ان الشاه رفض استقبال اخته, أو الحديث اليها, الا عندما تكثفت ضده ضغوط الامريكيين. لا يكشف التقرير كثيرا من ادوار الاميرة اشرف, ولكن ابرز ما قيل عنها في التقرير انها تولت ابلاغ اخيها بان الجنرال نورمان شوارتزكوف (الاب) كان يتولى دورا بارزا في التنفيذ, وانه يضمن للشاه نجاح الانقلاب, وقد كان شوارتزكوف حينها هو القائد الاعلى للفرقة العسكرية الامريكية بايران. ويعترف التقرير بان عملاء المخابرات المركزية قاموا ببعض الاعمال الارهابية بطهران, وذلك في سبيل انفتاح الازمة, ويذكر بأن اولئك العملاء قاموا بتفجيرات وسط تجمعات اسلامية, وتركوا اشارات تقول بأن المنفذين كانوا من الشيوعيين, كما انتحل بعض عملاء المخابرات المركزية صفة مناضلين شيوعيين, وخاطبوا بعض رجال الدين الايرانيين, ينذرونهم من انتهاج خط معاد لمصدق, وذلك بقصد ان يضعوا مصدق في خانة الشيوعيين وبالتالي يقللوا من شعبيته في اوساط رجال الدين, واوساط اتباعهم من عامة الشعب. وفي اهلال شديد يرجع التقرير عقب كل عدة فقرات ليستعرض محادثات عملاء المخابرات المركزية مع الشاه, بما يكشف عن نسيجه النفسي الواهي, فهو يتحدث عن نفسه بانه ليس مغامرا, وان الدور المرسوم له اكبر بكثير من قدراته وطموحاته وانه لا يثق بجيشه وجنرالاته وجنوده, وانه غير مطمئن لاحد, وانه يسأل ان كان بامكان الرئيس الامريكي ايزنهاور نفسه ان يتحدث اليه, ويطمئنه عن وقوفه معه, وهذا ما نقله عملاء المخابرات المركزية إلى ايزنهاور فاضطر لكي يتحدث بصورة غير مباشرة إلى الشاه, وذلك في خطاب عام القاه بمدينة سياتل في 4 اغسطس 1953 حيث خرج عن سياق خطابه, ليتحدث عن ايران, وليؤكد انه لن يسمح بوقوعها في ايدي الشيوعيين. وهكذا اقتنع الشاه اخيرا في 10 اغسطس 1953 بمسايرة المخطط ولكنه رفض ان يوقع على القرار الذي كتبت صيغته وكالة المخابرات المركزية, وهو القرار القاضي بعزل مصدق, وتعيين زاهدي, فتكثفت ضده ضغوط من القمة, فقام بتوقيعه بعد ثلاثة ايام, اي قبل قيام الانقلاب بيومين فقط. وعن ملابسات تنفيذ الانقلاب والنكسات التي مر بها, زخر التقرير بتفاصيل كثيرة, اثبتت ان الانقلاب كان صناعة اجنبية إلى حد كبير, وان السفارة الامريكية بطهران كانت مجرد حجرة عمليات لادارة الانقلاب. ان ذ لك كله يستدعي بالطبع ويستوجب اعتذارا عميقا, بل ما هو اكثر من الاعتذار من امريكا لايران, ولكن ليس ذلك هو مقصد امريكا ولا اسرائيل الآن من ارسال الاعتذار, ولا من نبش الاسرار, انما المقصد الحقيقي من ذلك هو ما بيناه في بطن هذا المقال.