بقلم: أحمد عمرابي تقول واشنطن ان سوريا يمكن ان تشطب من قائمة (الدول الراعية للارهاب) اذا توصلت الى ابرام اتفاق سلام مع اسرائيل, ومع أخذ هذه الصراحة النادرة في الاعتبار يبرز على الفور سؤال علمي: ما هو تعريف (الارهاب) اذن من المنظور الامريكي؟ لقد وردت هذه الملاحظة الهامة بشأن سوريا في وثيقة رسمية امريكية صدرت لتوها هذا الاسبوع.. وهي (التقرير السنوي حول الارهاب الدولي لعام 1999) .. والجهة التي تصدر عنها هذه الوثيقة السنوية بانتظام هي وزارة الخارجية الامريكية. ومن يطلع على هذا التقرير لن يفيد منه فائدة قصوى اذا لم يحتفظ في ذاكرته اثناء القراءة بالسؤال المفتاحي: ما هو تعريف (الارهاب) في نظر الولايات المتحدة؟ وأي قارئ موضوعي منصف لن يملك عند انتهائه من مطالعة التقرير (او موجزه) الا ان يستخلص ان التعريف الرسمي الامريكي للارهاب يتكون من عنصرين لا ثالث لهما هما: اعتبارات امن الدولة اليهودية الاسرائيلية, العداء للحركة الاسلامية العالمية. فيما يتعلق بالعنصر الاول فان واشنطن لم تترك من خلال تقريرها زيادة لمستزيد من حيث الصراحة كما رأينا, فالمأخذ الاساسي الحاسم على سوريا هو عدم توصلها الى اتفاق سلام مع اسرائيل. على هذا الاساس ظل اسم سوريا واردا على قائمة الدول الداعمة للارهاب عاما بعد عام منذ ان ابتدعت هذه القائمة عام 1993. اما اذا قبلت دمشق على نفسها باعطاء تنازلات جوهرية (كأن تتنازل عن سيادتها على بحيرة طبرية مثلا) في العملية التفاوضية مع اسرائيل بما يفضي بها الى ابرام اتفاق سلام مع الدولة اليهودية على غرار (اوسلو) ومن قبلها كامب ديفيد فان اسم سوريا سوف يرفع تلقائيا عن قائمة الارهاب. وبالطبع فان مما يؤخذ على سوريا ايضا في السياق نفسه تأييدها للفصائل الفلسطينية المعارضة للسلام على نهج اوسلو واستضافة قادة ومقار هذه الفصائل. ويمتد السياق لتشمل المؤاخذة دعم سوريا للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي لارض لبنانية. فالجبهات (الديمقراطية) و(الشعبية) و(حماس) و(الجهاد الاسلامي) .. ومعها (حزب الله) اللبناني.. كلها في نظر واشنطن رسميا منظمات (ارهابية) . وعلى المستوى العربي الاعرض تضم القائمة الامريكية ايضا العراق وليبيا والسودان.. وهذه الدول الثلاث لها مواقف معلنة ضد (عملية سلام الشرق الاوسط) . ماذا عن كوبا وكوريا الشمالية اللتين تضمهما ايضا قائمة (الارهاب) الامريكية؟ قد يتبادر الى الذهن من أول وهلة ان منشأ العداء الامريكي لهاتين الدولتين هو أنهما في عهد المد الرأسمالي بعد نهاية الحرب الباردة لا تزالان تمثلان بقايا من النظام الاشتراكي.. لكن اغلب الظن ان ما يؤخذ على هاتين الدولتين هو انتهاج كل منهما سياسة تضامنية مع منظمات المعارضة الفلسطينية. والا لماذا لا تضع واشنطن اسم الصين على قائمة الارهاب وهي الدولة الماركسية الاولى في عالم اليوم؟ على صعيد المنظمات فإن التقرير الامريكي يبدو كوثيقة صليبية مستخرجة لتوها من القرن الثاني عشر الميلادي. فأي منظمة سياسية في اي بقعة من هذا العالم العريض تحمل أجندة تغيير ترتكز الى مبادئ الاسلام مصنفة في التقرير كمنظمة ارهابية حتى لو كانت تعتمد الوسائل السلمية في بث رسالتها وأهدافها. بكلمة واحدة فان تعريف (الارهاب) من المنظور الرسمي الامريكي هو أي نشاط سياسي أو فكري يمكن ان يهدد الأمن الاسرائيلي او يكون ترياقا للحركة الصهيونية العالمية.