بقلم: محمد الخولي كثيرا ما يخيب رؤساء أمريكا ما تفيد به بورصة التوقعات والحسابات والتنبؤات التي يلقيها إليهم في أوائل ولاياتهم الرئاسية جماعات المحللين والمراقبين السياسيين. وعندما دخل جون فيتزجيرالد كينيدي الى البيت الأبيض في فاتح الستينيات من القرن الماضي.. عقدوا عليه الآمال الكبرى إذ كان شابا رفيع الثقافة واسع الأفق ومن ثم كان مرشحا لفتوحات شتى في مجال السياسة الخارجية. رغم ذلك فقد شهد عهد جون كينيدي أكبر هزيمة فضيحة تعرضت لها سمعة الرئاسة الأمريكية الأولى هي موقعة خليج الخنازير حيث انطلقت قوات من دولة كبرى في العالم (أمريكا) لتشن غزوة بحرية على دولة صغيرة مجاورة (كوبا) لمجرد أن النظام السياسي الجديد الذي أقامه فيديل كاسترو في الجزيرة الكاريبية المشاغبة جاء على غير هوى الولايات المتحدة. وجاء نيكسون من ناحية أخرى دخل الى البيت الأبيض سياسي أمريكي آخر في عام 1968 هو ريتشارد نيكسون ويومها قالوا أن هذا رجل لايكاد يرى أبعد من مو اطىء قدميه بمعنى انه غارق حتى أذنيه في تلافيف السياسة الداخلية والاعتبارات المحلية في الولايات المتحدة وأنه رجل ينطبق عليه وصف (محامي الأرياف) الذي حصل على إجازة القانون بطلوع الروح كما يقولون دون ان يسجل في مضمار القانون رأيا فقهيا يعتد به أو فتوى قانونية يؤخذ بها.. قصاراه أن وراءه تاريخا لايكاد يشرف السياسي ناهيك عن رئيس البلاد.. كيف لا وقد برز ريتشارد (ديك كما كانوا ينادونه من باب التدليل) في فاتح عقد الخمسينيات الماضي في موقع مساعد السناتور ايوجين مكارثي صاحب السمعة البالغة السوء في رفع شعارات الخطر الأحمر (الشيوعي) الذي تصوره مكارثي ومساعده طبعا أنه محدق بالحياة والفكر والسياسة والأمن في أمريكا, ومن ثم نصب مكارثي وزبانيته محارق ومحاكمات وملاحقات أقرب الى محاكم التفتيش التي شهدتها عصور أوروبا الوسطى حيث كانت القاعدة المتبعة هي التفتيش في عقول الصفوة من مثقفي أمريكا بل وفي مكنون ضمائرهم فضلا عن تأليب بعضهم على بعض واستغلال ضعف البعض أو انهياره تحت وطأة التحقيقات لدرجة حطمت سمعة البعض ودمرت حياة البعض بل ودفعت البعض من مثقفي أمريكا ومبدعيها الى الانتحار.. هكذا دخل ريتشارد نيكسون الى موقع رئاسة أمريكا تسبقه سمعته السيئة ومعها مراهنات المراقبين السياسيين على أنه سيكون حبيسا للاعتبارات الداخلية ولن يكون له شأن يذكر في مضمار السياسة الخارجية وقضايا العلاقات الدولية. نجاحات مشهودة ولكن, كما خيب كينيدي ظن المتفائلين, فقد خيب نيكسون ظن المتشائمين واجتمع له عدة عوامل ايجابية مابين حسن الحظ أو اتفاق المصادفات التاريخية وما بين اختياره لمستشار حاذق في مجال الأمن القومي والسياسة الدولية (هنري كيسنجر) حتى ليعد ريتشارد نيكسون واحدا من أهم روساء أمريكا الذين تركوا بصماتهم على مجالات السياسة الخارجية للبلاد.. كيف لا وقد حقق هذا السياسي المحلي النزعة والاقليمي التكوين عدة انجازات في هذا المجال من بينها: * اعادة فتح الشرق الأوسط أمام النفوذ الأمريكي بعد ازاحة النفوذ أو الوجود السوفييتي وقتها من المنطقة وقد توجت هذه النجاحات بزيارة نيكسون الى مصر السادات وهي أول زيارة من نوعها لرئيس أمريكي منذ الحرب العالمية الثانية (يومها أحاطت أبواق السادات زيارة الرئيس الأمريكي بهالات الدعاية الزائفة حتى كادت تصوره في اهاب المنقذ للمنطقة يأتي محملا بالمن والسلوى) وبلغ أمر الدعاية الحكومية الى حد استفزاز المشاعر الشعبية الوطنية في مصر فكان أن انتقد الزيارة الشاعر الشعبي أحمد فؤاد نجم في قصيدة ساخرة ذاعت في مشرق الوطن العربي ومغربه بمطلعها الشهير: (شرفت يانيكسون بيه) . * اقتحام سور الصين العظيم بانشاء أول علاقة سياسية على أساس الاعتراف الدبلوماسي بين واشنطن, وكان ذلك من أبرز تحولات السياسة والعلاقات الدولية في الثلث الأخير من القرن العشرين. * تأكيد وتعميق سياسة الوفاق والانفراج الدولي بين موسكو وواشنطن.. ومرة أخرى استطاعت ادارة نيكسون بحذق ومهارة أن تحسن قراءة المشهد السوفييتي الذي ساد منتصف السبعينيات مشهد دولة كبرى دب في كيانها سوس الجمود العقائدي والتحجر البيروقراطي وتصلب الشرايين (الطبي في حالة زعمائها الذين كانوا يتحركون كتماثيل من شمع) ثم تصلب الشرايين السياسي الذي قطع الطريق على دورة التواصل بين قواعد تلك الدولة وقياداتها. بين بوش وكلينتون وتكاد نفس القاعدة التي المحنا اليها في صدر هذا الحديث تصدق على آخر رئيسين حكما الولايات المتحدة مع نهايات القرن العشرين. دخل جورج بوش (الأب) الى موقع الرئاسة الأول في البيت الأبيض مزودا بكل ما يحتاجه رئيس (تاريخي) من عدة وخبرة وعتاد في مضمار السياسة الخارجية كيف لا وقد تقلد الرجل عدة مناصب استراتيجية حاكمة في الادارات السابقة, سفيرا بل أول سفير لدى الصين, ومديرا مبرزا للمخابرات المركزية ثم نائبا لرئيس الجمهورية على امتداد 8 سنوات كاملات مع ذلك فلم يتح لجورج بوش أن يظهر مواهبه أو يستثمر خبراته الواسعة تلك لكي يضع توقيعه بارزا وفريدا في سجل السياسة الخارجية لبلاده.. فقد اقتصرت رئاسته كما هو معروف على ولاية واحدة ليس إلا.. كما أن انجازه الأكبر المتمثل في بناء تحالف حرب الخليج الثانية لم يصمد أمام محك الحوادث التي أعقبت تحرير الكويت, فضلا عن أنه كان للرئيس بوش شريكان بارزان لاينكر دورهما في بناء التحالف المذكور هما وزير خارجيته بيكر ووزير دفاعه ريتشارد تشيني. ولقد تكسرت آمال بوش في ولاية رئاسية جديدة على صخرة الأحوال الاقتصادية السلبية التي أصابت أمريكا لدى احتدام معركة المنافسة بينه وبين السياسي الشاب بيل كلينتون, المرشح شبه المجهول الذي جاء من منصب حاكم ولاية أركنسو القصية شبه المجهولة في أرياف أمريكا. الاقتصاد.. والغبي كان ذلك بالطبع عام 1992 يومها كنا (كاتب السطور) مقيمين في أمريكا ولاحظنا أن الاقتصاد يكاد يكون هو محور النجاح أو الفشل في معركة التنافس على المنصب الأول في البلاد. ولم يكن في الأمر نبوغ من جانبنا بقدر ما كانت قراءة متابعة لمسار الأحداث التي لخصها الناس في السخرية المستمرة من شعار بوش الشهير وقتها: * اقرأوا شفتي (وكان يقصد التمسك بشعاره العتيد أن لا ضرائب جديدة وأنه ليس بحاجة الى تكرار التأكيد على هذا الشعار. ولكن كانت طامته الكبرى أن فرضت عليه الظروف فرض ضرائب ومن ثم سقط الشعار). ـ يومها أيضا فاز بيل كلينتون وسط شعار أثير وسوقي أيضا يحب أن يردده الأمريكيون وهو: إنه الاقتصاد.. أيها الغبي. على هذا الشعار, يعلق البروفيسور ستيفن والت, أستاذ الشئون الدولية في جامعة هارفارد قائلا: * في هذا الشعار كانت دلالة تقول أن بيل كلينتون لاينوي أن يكون رئيسا عظيما أو رئيسا له اسهام بارز مرموق في مجال السياسة الخارجية. ولقد أمضى بيل كلينتون في سدة الرئاسة الأولى في بلاده 8 سنوات تقترب الآن من نهايتها.. ولكنه على خلاف ما توقعه له شعار (إنه الاقتصادية الخ) لم يشأ, أو لم يستطع أن يقصر نفسه على قضايا الداخل, بل وجد نفسه في حال من التعاطي بالضرورة مع قضايا عالم العقد الأخير من قرن حافل مضى ومع مطلع ألفية جديدة حافلة بوعود وتحديات لم يسبق لها, في حياة البشرية, مثيل. نقد سياسة كلينتون لهذا لم يكن مدعاة للاستغراب أن ظلت سياسة كلينتون الخارجية موضعا للانتقاد من أهل اليمين واليسار على السواء: * بين المحافظين الذين ينعون عليه ملاينته للصين الشعبية (على حساب تايوان ولهم معها مصالح شتى ولها لوبي قوي في واشنطن) وهم ينتقدون سكوته على الفساد الذي استشرى في روسيا رغم الأموال التي جهدت أمريكا كي يضخها صندوق النقد الدولي في أوصال اقتصاد روسي ممصوص على يد منظومة الفساد في موسكو, ومنهم من يصل به تعنت الانتقاد الى الحد الذي يتهمون فيه كلينتون بأنه لايتبع سياسة الحزم الكافي مع دول مثل يوغسلافيا (وهذا قد يكون مفهوما في ضوء عنصرية ووحشية الصرب) ودول مثل.. العراق (وهو أمر يبلغ في رأينا حد الاستفزاز). * ثم هناك دعاة حقوق الانسان (يصفهم البروفيسور ستيفن والت) بأنهم رموز اليسار الأمريكي وهم ينعون على كلينتون فشله في منع مجازر ابادة البشر في رواندا (وكأنما عميت أبصارهم عن الابادة المستترة لشعبنا وأطفالنا في العراق) فضلا عن فشله في وقف ناجز لسفك الدماء في مناطق البلقان . * ثم يرفض هؤلاء وأولئك سياسة كلينتون الخارجية على أساس طريف يقولون فيه: * إن بيل ينظر الى السياسة الخارجية نظرته الى إحدى مشاكل العمل الاجتماعي الداخلي.. يضعف فيها أفراد نفوذ هذا اللوبي أو ذاك ولايخطو في مضمارها خطوة لها قيمتها إلا بعد أن يستطلع آراء الرأي العام ويوافيه مساعدوه بآخر احصاءات الرفض أو القبول صعودا أو هبوطا لشعبيته فضلا عن أنه يضع نصب عينيه اتجاهات الميديا وآراء منظومة الاعلام.. وكل هذا لايصنع رئيسا يريد أن يسجل لنفسه ولسمعته تاريخا محترما يذكره به الناس في مجال العلاقات الدولية والسياسية العالمية. الأمريكيون فقدوا الاهتمام على أن أستاذ هارفارد يعمد الى توسيع نطاق المنظور الذي يطل معنا من خلاله على كشف حساب السياسة الخارجية للرئيس كلينتون ولعل أهم ما في هذا التوسيع هو امتداده ليشمل رؤية المستقبل وهذا هو ما يعنينا في الوطن العربي والعالم الثالث فلسنا نظن أننا مهتمون بالكيفية التي سيدخل بها, أو لا يدخل بها, الرئيس كلينتون, ولا أي رئيس أمريكي رحبات التاريخ. الرؤية الأوسع للقضية تقول ببساطة ما يلي: * لقد جاءت نهاية الحرب الباردة في عقد التسعينيات الماضي لتجعل الشعب الأمريكي في عمومه يفقد اهتمامه أساسا بقضايا السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. * لم يعد أمام أمريكا منافس على خريطة العالم بعد زوال الاتحاد السوفييتي. * أصبح اقتصادها أكبر بنسبة 40 في المئة عن أقرب منافسيها. * أصبحت تتصدر قمة الانتاج الاعلامي والابداعي المعلوماتي والبحث العلمي ومنجزات التكنولوجيا. ـ هكذا شهدت السياسة الأمريكية التناقض المنطقي أو المفارقة المحورية التي يلخصها البروفيسور والت في عبارة تقول: * أصبحت أمريكا تتمتع بنفوذ هائل ولكن لاتملك فكرة كافية عما تفعله بهذا النفوذ ولا حتى عما هو مطلوب من جهود تبذلها في هذا الخصوص. ـ وهذا الوضع الغريب الذي فقد فيه الناس الناخبون والمواطنون وقادتهم في مختلف المجالات الاهتمام بالسياسة الخارجية مالبث أن رصده مجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية في دراسة مسحية مهمة نشرت نتائجها عام 1999 وكشفت أن الشعب الأمريكي لم يعد يجد في السياسة الخارجية أي مشكلة تواجه بلاده, وعندما سئل أفراد العينة المفحوصة عن تحديد مشكلتين في مجال العلاقات الدولية جاءت النتيجة في معظمها في عبارة (لانعرف) . ويفسر أستاذ الشئون الدولية في هارفارد هذا الاتجاه حين يقول: * لم يعد لدى الأمريكيين اهتمام يذكر بالسياسة الخارجية لأنهم يدركون كيف أن الوضع الحالي موات لهم وأنهم انتخبوا رئيسا وعدهم بألا ينفق كثيرا من وقته على سماعة الهاتف مخاطبا رؤساء دول العالم بل ينفقه للانكباب على معالجة المشاكل المحلية داخل الولايات المتحدة ذاتها.. ثم أنهم انتخبوا برلمانا (كونجرس) أفاد ثلثا أعضائه (من الجمهوريين) أن ليس لديهم جوازات سفر وكانوا بهذا فخورين وقد انعكس هذا الموقف في (احتقارهم) للشئون الخارجية وفي مواقفهم السلبية ازاء الأمم المتحدة. ـ أخيرا يلخص البروفيسور ستيفن والت نظرته الى ما آل اليه حال الاهتمام أو اللااهتمام الأمريكي بقضايا السياسة الخارجية فيقول: * لقد جاءت السياسة الخارجية لادارة كلينتون بما يتناسب تماما مع حقبة لاتحقق فيها هذه السياسة سوى النزر اليسير من المكاسب بل والحجم الكثير من الخسائر (جهود أو تفويضات أو تكاليف) صحيح أن الشعب الأمريكي يدرك أنه لايريد العزلة ولكنه يدرك أيضا أن ليس من داع لتحمل تكاليف المبادرات الدولية. ولقد نعلق من جانبنا قائلين: إن هذا نوع جديد من العزلة أو اللامسئولية ولا عزاء للعالم الثالث. ملحوظة مهمة: الجزء التالي يتم وضعه داخل إطار في قلب الموضوع (يومها أيضا.. فاز بيل كلينتون وسط شعار أثير وسوقي أيضا يحب أن يردده الأمريكيون وهو: إنه الاقتصاد أيها الغبي) .