بقلم: احمد عمرابي في أحد استخلاصاته لتجربة الثورة المسلحة في الصين يقول ماوتسى تونج: (الحرب لا يحسمها مضاء السلاح.. ولا طبيعة ارض المعركة.. وإنما تحسمها قلوب الرجال..) . وهذا بالضبط ما أثبتته ايضا تجربة النضال الفيتنامي المسلح طويل المدى الذي صادفت ذكرى انتصاره الخامسة والعشرين هذا الاسبوع, تحديدا يوم 30 ابريل. واذا كان الامريكيون لا يزالون بعد ربع قرن يعانون الاثار النفسية لاعظم هزيمة في التاريخ المعاصر على يد شعب اسيوي فقير ويواصلون استخلاص العبر والدروس فان ملحمة فيتنام تقدم على صعيد مواز دروسا قيمة للشعب الفلسطيني في مواجهة اسرائيل. أول هذه الدروس ان الشرط الاساسي للانتصار في الحرب التحريرية هو طول النفس. هذا المعنى يرمز اليه القرآن الكريم بعبارات وجيزة وبليغة مثل (المصابرة) و(المرابطة) و(الجلد) . ان القوات الشعبية التي تخوض مثل هذه الحرب تواجه عادة عدوا اجنبيا بلا قضية عادلة لكنه في الغالب مدجج بقوة سلاح رهيبة. ولذا فان استراتيجية القوة الشعبية التحررية على أساس موازنة قوة السلاح لدى الطرف الاخر بقوة العزيمة والاستعداد الدائم لاطالة امد المواجهة الدامية. وعلى هذا النحو فإنه في مرحلة متقدمة ما يكون الاختبار الحاسم ليس بين سلاح وسلاح وانما بين انسان وإنسان.. إنسان متعجل بلا قضية عادلة وقد نفد صبره واشتهى العودة الى الحياة الطبيعية وزينتها.. وإنسان صاحب قضية يتحلى بالجلد. وكان هذا هو الفرق الحاسم في نهاية المطاف بين المقاتلين الفيتناميين ونصف مليون جندي امريكي على ارض المعركة تساندهم قوة جوية من مئات الطائرات المقاتلة وقاذفة القنابل. لقد امتد القتال المتصاعد بين الفيتناميين والامريكيين لمدى عشر سنوات من عام 1965 الى عام 1975. وبينما كان الرؤساء الامريكيون المتعاقبون يضعون خططا لحسم الحرب في مدى زمن يحسب بالشهور كان اعضاء المكتب السياسي للحزب الحاكم في فيتنام الشمالية يضعون خططهم للصمود في الميدان على اساس فرضية ان الحرب قد تستمر لخمس وعشرين سنة تالية! ولهذا سقط الرئيس ليندون جونسون لانه فشل في الوفاء بتعهده لتحقيق الانتصار الامريكي النهائي.. وتبعه في السقوط رتشارد نكسون. فجاء بعده اخيرا الرئيس جيرالد فورد ليعلن انسحاب القوات الامريكية المهزومة.. علما بأنه طوال هذه الفترة الطويلة لم يحدث اي انشقاق داخل المكتب السياسي للحزب الفيتنامي. والهزيمة لم تكن بلا مقدمات, فمع توالي التراجعات العسكرية الامريكية سنة بعد سنة انشق المجتمع الامريكي على نفسه بين غالبية تعارض الحرب واقلية تساندها. وفي الميدان انتشرت روح اليأس بين القوات الامريكية الى درجة ان الجنود صاروا يتعمدون قتل ضباطهم. وعند منتصف السبعينيات استسلم اخيرا الفريق التفاوضي الامريكي, فوقع على (اتفاقية السلام) مع الفريق التفاوضي الفيتنامي.. وهي وثيقة تتكون بنودها كلها تقريبا من شروط وضعها الجانب الفيتنامي. فهل تستوعب القيادة الفلسطينية هذه الموعظة التاريخية؟ ان الهزيمة الامريكية والانتصار الفيتنامي لم يتقررا على مائدة المفاوضات. لقد تقررا على ارض المعركة.. ولم يكن السجال التفاوضي بالتالي الا مرآة تعكس ما كان يجري على ارض الواقع القتالي. والواقع القتالي نفسه لم يحسم الا بعد عشر سنوات من الصبر والمجالدة رغم أن القوات الشعبية الفيتنامية كانت تواجه اكبر آلة حربية مجهزة بأحدث تكنولوجيا عرفها تاريخ الحرب البشرية.