بقلم: عائشة ابراهيم سلطان اليوم الأربعاء, الثالث من شهر مايو, يوم عادي في حياتنا سيمر كغيره من الأيام, ولن يتوقف أحد ليتساءل: وماذا يعني أن يكون اليوم هو الثالث أو الخامس عشر من شهر مايو؟ ببساطة قد لا يعني القراء ولكنه يعنينا نحن كثيرا, ففي هذا اليوم يحتفل العالم المتقدم بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة! ستكتفي الصحافة العربية بتمجيد الذكرى عبر صفحاتها وملاحقها والمقالات التي سيتبارى الكتاب في صياغتها احتفالا بالمناسبة التي لا نصيب لهم فيها. ولكن ماذا بعد؟ هل ذلك يكفي لتصبح لدينا حرية صحافية؟ بالتأكيد لا, لكن الصحافة كلها ستفعل الشيء نفسه فهي تحتفي بذكرى سقوط جدار برلين, واليوم العالمي للعشاق, ومئوية شاعر روسيا بوشكين ويوم الصحافة العالمي بالطريقة الاحتفائية ذاتها, تتحدث عن بوشكين ولا تعرفه, وعن ديستويفسكي الذي لم يعد يقرؤه أحد, وعن حرية الصحافة التي يقال بأنه لا وجود لها بينما نصر نحن على ضرورة وجودها! وعدم وجود حرية للصحافة ليس أمرا مطلقا, لكنه اعتراف بواقع الحال الذي نعلمه جميعا, فالصحافة ليست سوى آلات صماء وأجهزة ومبان وهذه لا تحتاج لحرية, وليست سوى صحافيين ومحررين وعمال, وهؤلاء لا حرية لهم لانهم مضطرون للمضي في السياسة التي ترسمها إدارة الصحيفة وإلا فلا مكان لهم فيها, إذن لمن حرية الصحافة في النهاية؟ لأصحاب الصحيفة الحقيقيين الذين يحددون هم وفق سياستهم ومصالحهم وعلمهم ببواطن الأمور الهامش المتاح والخط الذي لا يمكن تجاوزه. هذا واقع في كل مكان, فالاحتكارات المالية, وشركات الاعلانات العملاقة, وسوق الأسهم التي تتعامل فيها الكثير من صحف العالم الكبيرة, وثوابت السياسة الخارجية للدول, ومصلحة ملاك الجريدة, وانتماءاتهم العقائدية والسياسية و... إلخ, كل هذه تحدد مسار الحرية وخطوطها. ومع ذلك فالحرية لا تعني أكثر من قدرة الصحيفة على قول الحقيقة, ونقلها لأفراد المجتمع بأقل قدر من التعقيد والغموض وبأقل قدر من الخسائر أيضا!! أما بالنسبة للكاتب فهي هواؤه الذي لا يستطيع الحياة بدونه, فالكاتب لا يستطيع أن يكتب وهو مغلول اليدين أو مكمم الفم, لكنه بما يملك من ذكاء وأدوات يستطيع توسيع هامش حريته باستقراء طبيعة الأجواء في كل مرحلة دون أن يعني ذلك سقوطه في مستنقع التبعية والسير حسب التيار. في العالم هناك حرب تخوضها الصحافة في كل مكان, وصراعات يزج فيها الصحافيون ويدفعون فيها حياتهم أحيانا, وهناك احصاءات مستمرة عن أعداد القتلى منهم والسجناء والموقوفين والمفقودين, ومع ذلك فلا يمكن أن تعيش المجتمعات بدون الصحافة, ولا يمكن أن يتخلى الصحافيون عن معشوقتهم الخطيرة, ولا يمكن لهذه المعشوقة أن تحلق بلا حرية. في دولة الامارات نحاول أن نؤسس لصحافة وطنية حرة, مقوماتها متوفرة وتباشيرها واضحة, وكلماتها قوية, ورموز السلطة السياسية تقف معها وتشجعها.. ربما هذه هي الطريقة الصحيحة للاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة.. فكل عام والصحافة حرة.