بقلم: أحمد عمرابي هل تجاوزت الصحافة السورية الحقيقة والحق عندما وصفت اولئك القلة من اللبنانيين الذين رفعوا اصواتهم مؤخرا مطالبين بتصفية الوجود العسكري السوري في لبنان بأنهم (خونة) ؟ ما لم تدعم بحيثيات موضوعية واقعية فان مثل هذه النعوت المتطرفة عادة ما تكون فارغة المضمون.. فهل هناك حيثيات في هذا السياق؟ وما هي؟ الاجابة في تقديري هي نعم. وعلى رأس الحيثيات مبدأ وحدة المسارات العربية تجاه العملية التفاوضية مع اسرائيل. وخطورة الدعوة التي بدأت تجهر بها بعض الاصوات في لبنان هي انها تستهدف عمليا نسف الوحدة الوحيدة التي تحققت على صعيد المسارات العربية ـ وحدة المسارين السوري واللبناني ـ وبما ان هذا هو عين ما تتمناه اسرائيل فان شبهة (الخيانة) واردة هنا بشدة, سواء كانت خيانة بالعمد وسبق الاصرار او خيانة بلا وعي... والاحتمال الاول هو الارجح. الاستراتيجية التفاوضية الثابتة لاسرائيل تقوم اساساً على رفض التعاطي مع الاطراف العربية كمجموعة.. وهي استراتيجية معلنة لم يفقد القادة الاسرائيليون منذ سبعينيات القرن الماضي جهدا في تكرار الجهر بها: لا تفاض الا مع كل طرف عربي على حدة. ومن الاخطاء الجسيمة التي سوف يفرد لها التاريخ صفحة قبيحة موافقة الاطراف العربية المعنية على صيغة (مؤتمر مدريد) لعام 1991 وهي صيغة المسارات التفاوضية الانفرادية سارية المفعول حتى اليوم. كان الرئيس السادات قد استن هذه السنة فاسترجع سيناء ناقصة السيادة (صارت منطقة منزوعة السلاح ترابط على ارضها قوات دولية بصورة مستديمة) مقابل انهاء حالة الحرب ضد اسرائيل نهائياً وشروط اخرى. لكن من ساروا على طريق السادات لاحقا لم يتعظوا من خطأه... ليس فقط لانهم قبلوا صيغة المسارات الانفرادية, لكن ايضا لعزوفهم عن التنسيق الجانبي حتى اثناء العمليات التفاوضية المتفرقة.. فدخل عرفات متاهة اوسلو السرية التي افضت به الى متاهات الضياع. ومن ثم (هرول) الاردن. ويبدو ان كلا من سوريا ولبنان استدركا الخطأ بعد ان رأيا رأي العين ما آل إليه الحال في المسار الفلسطيني البائس... فعقدا في وقت متأخر وحدة اندماجية لمساريهما. وهنا ـ وللمرة الاولى منذ مدريد ـ اسقط في يد اسرائيل.. فقد بطل في يدها سلاح المناورات الذي تستخدمه في مسار ضد الآخر. وعندما تستهدف اقلية لبنانية اليوم نسف وحدة المسارين السوري واللبناني فانها تتناغم قطعا مع الاستراتيجية الاسرائيلية. لقد ارتفع صوت هذه الاقلية في اعقاب اعلان اسرائيل قرارها بالانسحاب من الجنوب اللبناني في موعد غايته يوليو المقبل... فهم يتساءلون: ما هو مبرر بقاء قوات سورية داخل لبنان بعد ان يصفي الاسرائيليون وجودهم الاحتلالي في الجنوب؟ ان هذا المنطق الاحادي منطق مزيف لان اصحاب هذه الدعوة يحرصون على عدم القول بانه لولا النضال المسلح للمقاومة الشعبية اللبنانية لما قررت اسرائيل الانسحاب اصلا... وانه لولا الدعم السوري للمقاومة اللبنانية لما تمكنت هذه المقاومة من الصمود والجسارة ضد القوات الاسرائيلية الاحتلالية لمدى 15 عاما. لبنان اذن مدين لسوريا. ولكن سوريا ايضا مدينة للبنان من حيث تمكنها من استخدام الورقة اللبنانية للضغط على اسرائيل للانسحاب من الجولان السوري. اذن هو جهد مشترك ودعم متبادل ضد عدو مشترك. وهذا هو معنى وحدة المسارين السوري واللبناني. واذا كان هناك اليوم من يدعون بلغة مشبوهة الى فض هذه الوحدة المصيرية فأن توجيه اتهام اليهم بالتواطؤ مع اسرائيل ليس بغير اساس.