بقلم: د. محمد خالد الأزعر هناك صلة وثيقة بين كيفية قيام الدول والنماذج السلوكية التي تشتقها أو تطرحها هذه الدول في تفاعلاتها الخارجية مع عوالم الآخرين.فمشكلات الحدود في افريقيا, أو حتى في العالم العربي, تعزى الى حد كبير, لعيوب النشأة الأولى للدول الافريقية أو العربية, فقد تم تخطيط هذه الحدود وفق مصالح استعمارية متعددة الأسماء, بما خلف نقاط اشتباك وتداخل, تثور وتخمد في ظروف معينة. في إطار هذا الفهم, يعد سلوك الدولة الصهيونية على الصعيدين الاقليمي والدولي حالة مثلى, قوية الدلالة. إن احتلال أراضي الغير والعنف ومراكمة عناصر القوة العسكرية, والتعامل العنصري الاستعلائي مع الآخرين والميل الأصيل للابتزاز, وقبل ذلك وبعده الخروج على سوية القانون الدولي وعصيان الشرعية الدولية ومبادئ حقوق الانسان والشعوب.. هذه الأنماط السلوكية كانت مدخلات جوهرية في صناعة اسرائيل وعملية تجهيزها واعدادها على مدار النصف الأول من القرن الماضي. ولم يؤد قيام اسرائيل الى نبذ هذه الأنماط, ذلك بأنها أضحت من لوازم استمرار الدولة وديمومتها, طبقا للعقيدة السياسية الحاكمة هناك. لقد ورثت اسرائيل الدولة هذه اللوازم عن الحركة الصهيونية الاستيطانية, ويخطئ قطعا من يتصور انقطاع الوشيجة بين شطري هذه المعادلة, الدولة اليهودية من جانب والصهونية من جانب آخر. بدون إدراك هذه التعميمات النظرية, يصعب تماما تحليل موقف اسرائيل من يهود العالم, فالادعاء الاسرائيلي بالوصاية والانتداب على اليهود في كل مكان, يستند للادعاء الصهيوني بهذا الأمر. واذا تخلت اسرائيل عنه, فانها تعلن سقوط أحد أهم الأسس الفكرية الايديولوجية التي تقوم عليها كدولة. في زعمها هذا الادعاء, لم تستأذن الصهيونية كل يهود العالم قبل قيام الدولة, وعندما نشأت اسرائيل فعلت الشئ ذاته, ونحن الآن لانملك دليلا داحضا على أن اليهودية العالمية قد فوضت اسرائيل كدولة ولا حتى الصهيونية كحركة بتمثيل كل اليهود, وتخطي سيادات الدول التي ينتمون اليها تاريخيا وسياسيا. غير أن الصهيونية واسرائيل لايتوقفان اطلاقا عند هذه الحقيقة ولا يعبآن بها. يجري ذلك في الوقت الذي توجد فيه دلائل تناقض السياسة الصهيونية الاسرائيلية بهذا الخصوص. فمنذ وقت مبكر حذرت أوساط فكرية يهودية مستنيرة من قضية إزدواج الولاء التي تثيرها الدعوة الصهيونية, مشيرة الى أن هذه القضية ستسبب أضرارا بمواطنية اليهود في دولهم الأم. وهو تشخيص صحيح تماما, باعتبار ما تمثله الدعوة الصهيونية من مشاعر التملق إزاء إخلاص العناصر اليهودية وصفاء ولائهم في هذه الدول. على أن لهذه القضية تداعيات أخرى غير حالات التربص والتشكك التي تثيرها بحق اليهود في كل مكان, وما ينشأ عن ذلك أحيانا من ميول لعدم الثقة بهم, ربما لايكون للكثيرين منهم صلة أو دخل في تخليقها. في طليعة هذه التداعيات ما تعنيه الدعوة الصهيونية الاسرائيلية من انتهاك لحرمة السيادة الوطنية أو القومية عموما. ومهما قيل عن ضعف نظرية السيادة هذه, فانه لايمكن تجاوزها كمحدد قائم في العلاقات الدولية. ويدعو للدهشة في هذا السياق, كيف تسعى الحركة الصهيونية ودولتها اليهودية, لتطويع القانون الدولي, بل والأمم المتحدة التي تسهر عليه, لمفهومها اللاتاريخي واللاقانوني حول حقوقية أوضاع اليهود في دول العالم. ففي الوقت الراهن, يثير الطرفان مسألة اليهود الثلاثة عشر المحتجزين على ذمة قضية داخلية في ايران أمام الأمين العام للأمم المتحدة وعدد من زعماء الدول الغربية الفاعلة. معنى ذلك أن الدولة اليهودية لم تكتف فقط بخروجها هي عن جادة القانون الدولي وضمانات مبدأ المواطنية وولاية الدولة على مواطنيها الأقحاح, بل إنها أيضا جادة في تكريس هذا الخروج والعصيان على صعيد عالمي , وستكون سقطة حقيقية وسابقة يعتد بها لاحقا, إن أغفل كوفي أنان كنه هذا التوجه الخبيث وأقحم المنظمة الدولية في أحابيله, بغير حذر لانعكاساته القانونية ومغزاه بالنسبة لدور الأمم المتحدة. لعله جدير بالأمين العام أن ينتهز المناسبة, فيلفت نظر نخبة الحكم الاسرائيلية الى أن دولتهم متهمة باهدار عشرات القرارت الدولية والأحكام التي تعني منظمته, بينما هم يطالبونها بالتدخل لنصرتهم فيما لايعني هذه المنظمة ولا الدولة الصهيونية! ومن جهتهم فان يهود إيران مطالبون باليقظة والانتباه الى طوية النداء الصهيوني الاسرائيلي, نداء السوء الذي قد يستفز ضدهم مواطنيهم التاريخيين في بلادهم الأم. نقول ذلك, ونضع بين أيديهم آخر أنباء عمليات الابتزاز الصهيوني في القضايا المشابهة, فقد أكد المؤرخ الأمريكي (نورمان فيكلشتاين) أن المؤتمر اليهودي الخاص بتعويضات ضحايا النازية يتلاعب بالحقائق.. وبالبحث المدعوم بالوثائق, أثبت هذا المؤرخ (اليهودي) أن المبالغ التي دفعتها الحكومة الألمانية لتعويض الذين عملوا بالسخرة أيام النازية, لم تصل لمستحقيها وتم استخدامها لأغراض أخرى, منها تمويل هجرة اليهود الى اسرائيل. هذا مثال من عشرات لانتقال اليهود من ضحايا للنازية الى ضحايا للصهيونية وإسرائيل قبل قيام الدولة وبعده. * كاتب فلسطيني ـ القاهرة