بقلم: جلال عارف انتهت قصة نائب مجلس الشعب المتهم ببيع تأشيرات الحج باستقالته من عضوية المجلس. وكان قد تقرر إحالته الى لجنة القيم بالمجلس, وأدرك الرجل أنه سيفصل من عضوية مجلس الشعب, فسارع بتقديم استقالته حتى لاتثبت ادانته من ناحية, وحتى يحتفظ بحقه في دخول الانتخابات المقبلة والعودة لعضوية المجلس من ناحية أخرى. وأظن أن النائب الموقر كان محقا في إدراكه أن المجلس سيدينه, وأن زملاءه في المجلس (سينتقمون) منه.. ليس لأنه باع تأشيرات الحج, فهذه (جريمة) مغفورة عند الكثيرين في هذه الأيام, خاصة إذا كانت المبالغ لم تتجاوز بضع آلاف في وقت يحاكم فيه بعض أعضاء المجلس أنفسهم بتهمة الاستيلاء على مئات الملايين من الجنيهات من البنوك بدون ضمانات أو بضمانات وهمية. ولكن المجلس كان بلاشك سيدين العضو الموقر بسبب (الخيبة) القوية التي تصرف بها, فجعلته يقع في المحظور ويكشف المستور عن تجارة العديد من أعضاء مجلس الشعب بتأشيرات الحج وبتأشيرات الوزراء, وبغير ذلك مما يمكن الحصول عليه عن طريق الحصانة التي تفتح الأبواب المغلقة, وتحصل على كل شئ.. من حصص الاسمنت وشقق الأوقاف, الى تراخيص البناء في الممنوع! وأتذكر هنا قصة حضرت بعض فصولها قبل سنوات, حين أعلن أحد النواب انضمامه لحزب معارض, وحصل على عضوية هيئته القيادية, وحرص على أن يكون مسئولا عن الشئون الدينية. وبهذه الصفة تسلم الحصة المقررة للحزب من تأشيرات الحج, وبدلا من توزيعها على المحتاجين من أنصار الحزب, باعها لاحدى شركات السياحة, و(لهف) الأموال وأنهى علاقته بالحزب, وفر بجريمته دون حساب لأنه لم يكن يتمتع بهذه الخيبة التي تجعله يوقع عقدا رسميا مع شركة السياحة على توريد التأشيرات وقبض ثمنها.. ولم يكتب على نفسه ايصالات أمانة, ولم يرتكب كل (الأخطاء) التي ارتكبها نائب الأقصر في الواقعة الأخيرة, والتي كانت سببا في تفجير الفضيحة على صفحات الجرائد, ثم سببا في فقده لمقعده في مجلس الشعب بعد أن تأكد أن زملاءه لن يسامحوه على (خيبته) .. حتى و لو سامحوه على (الجريمة) نفسها! والمهم هنا أن أحدا لم يناقش الجوانب الأساسية للقضية المطروحة, واكتفى الجميع بالتعامل معها على أنها مجرد (حادث مؤسف) كغيره من الحوادث المؤسفة في حياتنا السياسية, وتنفس الجميع الصعداء بإسدال الستار على (الفضيحة) والاستعداد للتعامل مع فضائح جديدة لابد أن تداهمنا إذا كان هذا هو أسلوبنا في التعامل مع هذه الحالات, ومادام الهدف هو إسدال الستار وليس معالجة الأمراض. لم يسأل أحد: لماذا توزع تأشيرات الحج على أعضاء مجلس الشعب.. أليس للاتجار فيها سياسيا أو اقتصاديا على حسب الأحوال؟ وهل هناك حقيقة من يقتنع في الحكومة أو المجلس بأن هذه التأشيرات تجد طريقها للفقراء والمحتاجين في مختلف الدوائر الانتخابية؟ ولم يسأل أحد: هل يقتصر الأمر على تأشيرات الحج.. أم يمتد لكل التأشيرات التي تجعل أعضاء المجلس يطاردون الوزراء في قاعات المجلس للحصول على تأشيراتهم, وجعلت رئيس المجلس الدكتور سرور يصرخ فيهم بأن النائب لاينبغي أن ينحني أمام الوزير وهو المسئول عن محاسبته! ولم يسأل أحد: لماذا تدهورت أحوالنا البرلمانية.. فوجدنا في دورة واحدة النائب (الصايع) والنائب (الفتوة) ونواب القروض والتأشيرات؟ وهل يمكن أن تكون هناك رقابة برلمانية فعالة في ظل هذه الأوضاع؟ وهل سيتكرر الأمر في البرلمان المقبل.. أم أن الأمر يحتاج وقفة جادة وتعديلات أساسية في أسلوب اختيار المرشحين للانتخابات المقبلة؟! لم يسأل أحد, ولن يسأل أحد.. والنتيجة أنه في نفس اليوم الذي أسدل فيه الستار على فضيحة بيع تأشيرات الحج باستقالة النائب الخائب. كان المجلس يشهد عملية (لفلفة) أكثر خيبة حتى لاتتم مناقشة استجواب النائب أيمن نور حول تورط أحد أقارب وزير الاقتصاد من الدرجة الأولى في الحصول (مع شركائه) على قرض قيمته 180 مليون جنيه بضمان أرض قيمتها 7 ملايين جنيه فقط من أحد البنوك العامة! وقد قال الوزير أن أقاربه (تخارجوا) من الشركة قبل الحصول على القرض, بينما أشار النائب الى عكس ذلك, ومع ذلك يبقى الجانب الأهم بدون اجابة وهو المتعلق بالعملية نفسها. ومن المصلحة أن يناقش الاستجواب على الفور, وتنجلي كل الأمور للرأي العام. خاصة بعد أن طلب الرئيس مبارك من المسئولين خلال الاجتماع الوزاري الأخير أن يردوا على كل ما تنشره الصحف حتى يكون المناخ السائد مناخا صحيا تتوفر فيه الشفافية وتتضح فيه الأمور أمام الرأي العام. وحتى يتم ذلك, فان المؤكد فقط أن نائب التأشيرات الذي سقط (يستاهل) بسبب خيبته! وزملاؤه الذين لم يسقطوا (يستاهلوا) بسبب مواهبهم! والوزير (يستاهل) لأنه وزير! والذين حصلوا على 180 مليون جنيه لابد أنهم (يستاهلوا) لأنهم يفهمون سر اللعبة! والملايين أمثالنا من دافعي الضرائب وقليلي الحيلة (يستاهلوا) بدون إبداء الأسباب.. أو (من غير ليه!!) .. والآن.. ونحن على أبواب انتخابات جديدة لبرلمان جديد, تعود الأسئلة القديمة لتطرح نفسها.. ليس فقط من أجل انتخابات أكثر تمثيلا للقوى السياسية المختلفة ولكن أيضا من أجل تقديم نماذج تستطيع أن تؤدي دورها البرلماني وتستعيد لمجلس الشعب ما فقده وخاصة في الدورة الأخيرة التي هبط فيها الاداء البرلماني, وتعددت فضائح النواب وآخرها فضيحة بيع تأشيرات الحج. وكان الرئيس مبارك قد أثار القضية في العام الماضي وأثناء حملة التجديد لفترة رئاسية جديدة له, وأعلن استعداده لبحث كل الاقتراحات التي تكفل تمثيلا أفضل للقوى السياسية في البرلمان المقبل. وتقدمت القوى السياسية المختلفة باقتراحات متعددة تركزت في اتجاهين. الاتجاه الأول هو بحث الوسائل الكفيلة بضمان نزاهة الانتخابات والقضاء على محاولات التزوير التي كانت سببا في صدور أحكام قضائية ببطلان انتخاب نصف أعضاء المجلس الحالي, وهي أحكام لم تنفذ بسبب حكاية أن المجلس هو وحده هو.. سيد قراره! أيضا يدخل في هذا الاتجاه بحث وسائل القضاء على استخدام سلاحي المال والعنف في الانتخابات, حتى لايتكرر ما حدث في الانتخابات الماضية. وقد انتهي البحث في ذلك الى قرارات بزيادة عدد القضاة المشرفين على الانتخابات وتأكيد الحكومة أنها لن تسمح بأن يسيطر رجال الأعمال على الحياة السياسية ولا أن تحكم البلطجة نتائج الانتخابات. الاتجاه الثاني كان يبحث في تعديل النظام الانتخابي من الأساس حيث برزت أصوات عديدة تطالب بأن تكون الانتخابات المقبلة بنظام القائمة النسبية وليس بالنظام الفردي. وكان هذا النظام قد سبق تطبيقه في انتخابات واحدة في الثمانينيات, ورغم الاعتراض يومها على الحد الأدنى المطلوب لدخول الأحزاب البرلمان والمطالبة بتخفيضه, فقد كانت نتائج الانتخابات بلاشك أكثر تمثيلا للقوى السياسية التي تمتعت بوجود مؤثر في البرلمان رغم احتفاظ الحزب الحاكم بالأغلبية المطلقة. وما حدث بعد ذلك أن حكما صدر بعدم دستورية قانون الانتخاب بالقوائم النسبية على أساس أنه لايعطي الفرصة للمستقلين في خوض الانتخابات. ورغم أن معالجة ذلك كانت يسيرة سواء بتعديل بسيط في الدستور, أو بالجمع بين نظام القوائم والنظام الفردي معا كما تفعل دول كثيرة في أوربا.. رغم ذلك كان الحل الأسهل هو الغاء هذا النظام والعودة للنظام القديم بكل سلبياته وايجابياته. وكلما اقتربت الانتخابات ثار السؤال الذي لابد منه: كيف يمكن أن نصل الى برلمان يتخلص من هذه السلبيات ويمارس حقه الدستوري في الرقابة والمحاسبة؟ لاشك أن جزءاً كبيراً من الاجابة عن السؤال يتعلق بواقع الحياة السياسية التي وصلت فيها الأحزاب السياسية الى حالة مزرية من الضعف.. يستوي في ذلك أحزاب اليمين واليسار, وأحزاب المعارضة والحزب الحاكم, فالكل في الهم سواء.. والأحزاب في معظم الأحيان لاتزيد على صحيفة ومقر, أما الجماهير فهي بعيدة لاتهتم بالحياة الحزبية من قريب أو بعيد, وحتى القلة التي تهتم وتريد المشاركة لن تجد مجالا لذلك.. فالأحزاب مشغولة بمعاركها الداخلية, وسجينة للماضي, ومحاصرة في مقراتها وصحفها, والنتيجة المنطقية لكل ذلك حياة حزبية خاوية, وانتخابات بعيدة عن السياسة تدور حول أشخاص المرشحين وتعتمد على الخدمات الشخصية للمرشح والعصبيات القبلية والعائلية وخاصة في الريف, والنتيجة في الأغلب الأعم محسومة مقدما. ولقد ازداد الأمر سوءاً في الانتخابات الماضية, حيث برز نفوذ رجال الأعمال ومحاولتهم ترجمة سطوتهم المالية الى نفوذ سياسي. ولا اعتراض بالطبع على أن يكون لرجال الأعمال الحقيقيين ممثلوهم الذين يدافعون عن مصالحهم. ولكن المشكلة كانت أن من سارعوا لدخول الحلبة لم يكونوا في معظم الأحيان من رجال الصناعة والمال الحقيقيين, ولكنهم كانوا من أنصار جماعة (خد الفلوس.. واجري) .. هذه الجماعة التي ظهرت مع بداية الانفتاح واستغلت أجواءه في الاثراء غير المشروع, وبكل الطرق.. من التهريب الى الاستيلاء على القروض الكبيرة من البنوك بلا ضمانات, الى التهرب من الضرائب, الى غير ذلك من الوسائل التي أضرت بالاقتصاد المصري وأساءت لرجال الأعمال الحقيقيين الذين وضعوا ثرواتهم في مشروعات انتاجية حقيقية, والتزموا بالقانون, وقدموا المثال على قدرة مصر على بناء التنمية المستقلة والنهضة الاقتصادية إذا توافرت الظروف, وتم ضرب المفسدين, ونالت الصناعة الوطنية ما تستحقه من تشجيع ورعاية في وجه منافسة أجنبية عاتية تلجأ لوسائل غير قانونية للسيطرة على الأسواق, وتعتمد على أنصارها من جماعة (خد الفلوس.. واجري) الذين أثروا وازدادوا نفوذا ثم دخلوا حلبة السياسة.. لا لكي يقدموا رؤية جديدة أو يفتحوا طرقا للتقدم, وإنما ليحصلوا على الحصانة البرلمانية ثم يستغلوها في الحصول على المزيد من المكاسب والثروات. هذه الفئة برزت في الانتخابات الماضية, وكانت مستعدة للانفاق الكبير على الانتخابات انتظارا لما تجنيه من فوائد مضاعفة. وهكذا شهدت هذه الانتخابات ظاهرة المغالاة في الانفاق على الانتخابات, ومعها ظاهرة (البلطجة) حيث لجأت هذه الفئة لاستخدام العنف مع المال لتأمين وصولها الى البرلمان. وبعد إشارة الرئيس مبارك الى الاستعداد لأي تعديلات تضمن تمثيلا أكثر دقة للقوى السياسية, تجدد الحديث عن العودة لنظام القوائم باعتباره الأفضل لتحقيق هذا الهدف, فضلا عن أنه يمكن أن يساهم في اعادة الحياة للأحزاب السياسية, كما أنه يمكن أن يضبط الأمور ويحد من نفوذ المال ومن سطوة العنف, ويدفع للبرلمان بممثلين حقيقيين ومؤهلين لقطاعات كبيرة مثل الأقباط والمرأة والكفاءات التي لاتقوى على مصارعة ديناصورات المال في الانتخابات الفردية. ولأسباب تتعلق في معظمها بضعف الحزب الحاكم نفسه تم استبعاد هذه الاقتراحات, وبقى الحال على ماهو عليه, وبقى السؤال الذي لابد منه: كيف يمكن في الانتخابات المقبلة أن نحصل على برلمان أكثر تمثيلا للمجتمع, وأكثر فعالية في اداء دوره في الرقابة والمحاسبة, وكيف يمكن أن يكون النواب في مستوى المسئولية, وتكون العملية الانتخابية تقليبا للتربة السياسية وإثراء للحياة الحزبية واكتشافا لأفضل العناصر التي تضيف وتثري التجربة الديمقراطية؟ هذا هو السؤال الحقيقي, والاجابة مؤجلة في هذه الظروف, وعلينا جميعا أن نفعل ما يفعله المجلس كلما واجه أزمة.. الانتقال الى جدول الأعمال, وكفى الله المؤمنين شر القتال.. أو السؤال!