بقلم: محمد الرميحي على الاقل منذ ان قرر العلم البريطاني الانسحاب من الخليج, في النصف الثاني من القرن العشرين, ومياهه السياسية لم تألف الهدوء الا في فترات قليلة ومؤقتة. وكان صخب هذه المياه اكثر ضجيجا في العقدين الاخيرين. فقرقعة السلاح بين الجارتين الكبيرتين العراق وايران هددت ليس فقط امن واستقرار الخليج, بل ومنطقة الشرق الاوسط والعالم بأسره. وكل لأسبابه الخاصة والمختلفة, ظل الصراع قائما بينهما في الخارج, والحياة مضطربة في الداخل. وغني عن القول ان مياه الخليج السياسية لن تعرف الهدوء قبل ان يستتب الامن في هاتين الجارتين, وتتضح معالم الاوضاع الداخلية في كل منهما كمقدمة لاستتباب الاوضاع الاقليمية. واذا كانت الاوضاع في العراق متروكة في هذه الفترة للاقدار والمفاجآت نتيجة لاختلاط الحسابات وتداخلها, فإن الاوضاع في ايران بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة تنجلي بصورة افضل وتتجه نحو الاستقرار. وهو امر يسعد اهل الخليج والدول المطلة عليه, لأن استقرار الجارة الكبيرة المسلمة هو استقرار مؤكد لدول الخليج, وللاقليم الممتد من البحر الاحمر الى بحر العرب. وبالتالي يمكن اعتبار الزيارات المتتابعة التي قام بها سياسيون خليجيون الى ايران, وسياسيون ايرانيون رفيعو المستوى الى دول الخليج العربية تعكس اتساع خطوات بناء الثقة بين الاطراف المختلفة على ضفتي الخليج, حتى ان هذه الزيارات شملت العسكريين ايضا كما حدث عندما زار وزير الدفاع الايراني علي شمخاني المملكة العربية السعودية. وهي نقلة نوعية في سلسلة الاشارات الايجابية المتبادلة بين دول مجلس التعاون وايران. وقد وجد هذا صداه في الترحيب الذي عبر عنه البيان الختامي للقمة الاخيرة والاجتماع التشاوري الذي عقد في مسقط في مطلع هذا الاسبوع, حيث اكد زعماء مجلس التعاون حرصهم على اقامة علاقات وثيقة تحكمها الثقة المتبادلة وحسن الجوار, واحترام حقوق الطرفين, وعدم التدخل في الشئون الداخلية. ولا يختلف احد على ان الجلبة المنبعثة من ايران اليوم, والتي تغطي اخبارها الصفحات الاولى من الصحف الخليجية, امر يهم اهل الخليج من نواح عدة, ويثير الكثير من القلق والحيرة. فمن الناحية الامنية, قد يدفع هذا بعض الاطراف السياسية المتصارعة في ايران الى تسييس الكثير من القضايا العاجلة بين الطرفين العربي والايراني في الخليج, وهو ما قد يجعل حل هذه القضايا ابعد من المتوقع زمنيا وبعيد المنال عمليا. فقضية مثل قضية الجزر الاماراتية تصبح ممكنة الحل كلما استطاعت الاطراف المختلفة ان تنظر لهذه القضية نظرة بعيدة عن التنافس السياسي, غير انها تصبح اكثر استعصاء اذا ما اختلفت الاطراف الايرانية على قضايا داخلية عديدة بحيث تصبح عرضة للمزايدة السياسية. وكلما زاد الصخب السياسي في الداخل الايراني تعطلت اي خطوات للتنسيق الامني العام بين دول الخليج وايران. هو تنسيق له علاقة بالأمن الاجتماعي والاقتصادي للبلدان المطلة على الخليج. لأنه سيصبح هو الآخر موضوعا للمزايدات الداخلية فتتعطل آلياته. ولا يختلف اثنان على ان هناك توجها صادقا بين الاطراف الخليجية والايرانية يرمي الى محاولة تغيير الذهنية التي تراكمت عبر عقود طويلة, وسممت الاجواء السياسية بين الطرفين, والى توفير مناخ من الثقة وحسن الجوار, وطمأنة الاطراف المختلفة على صدق النوايا. غير ان التنافس الحاد بين الاطراف الايرانية الداخلية, والذي بلغ ذروته في الفترة الاخيرة في حملة اغلاق الصحف الاصلاحية, وكذلك الخلاف المبطن حول نتائج الانتخابات العامة السابقة, يشعيان بين امور اخرى جوا من الصراع المحتدم, يوحي للمراقبين الخارجيين بأن الوضع في ايران قد ينفلت من عقاله بحيث لا يستطيع اي من الاطراف التحكم فيه او توقع نتائجه وتزداد التخوفات من حدة الاصوات التي تنادي بتغليب فئة ايرانية على اخرى, ومن تصاعد اللهجة المتشددة في التعامل مع كل القضايا الداخلية وهو ما يجعلنا نشعر بالقلق على ايران, وعلى تجربتها الديمقراطية, التي استبشر الكثيرون بها خيرا منذ اسابيع قليلة فقط, بعد ان قررت مختلف الاطراف الايرانية الاحتكام الى صناديق الاقتراع في تحديد القوى السياسية التي سيفوض اليها الشعب ادارة البلاد, وضربت بذلك مثلا يحتذى. والواقع ان التداعيات المحتملة لهذه الجلبة السياسية التي تبدو في جانب منها على اقل تقدير, وكأنها نكوص عن الاحتكام الى صناديق الاقتراع, قد تهدد التنسيق الامني المنشود في الخليج بين ايران وجاراتها العربيات. فقد كان مفهوم وتطبيق الاجراءات الامنية محل خلاف ممتد بين النظرتين الايرانية والعربية لموضوع الامن. وفقط في السنوات الاخيرة, وبفضل من رؤية واقعية وبعيدة المدى لحكومة السيد محمد خاتمي, تم تجاوز العديد من عناصر عدم الثقة, وبدا لوهلة وكأن هذا التقارب في وجهات النظر سيصب في مصلحة الفرقاء جميعا, وفي مصلحة استقرار المنطقة الذي تتوق اليه الشعوب وتنتظره. لذلك كانت اللجنة الثلاثية الخليجية التي انيط بها مهمة تذليل العقبة الاخيرة المتمثلة في الاتفاق على آلية للنظر في موضوع الجزر, هي الخطوة العقلانية لنزع فتيل القلق. لكن الصخب السياسي المنبعث من ايران بدأ يثير الشكوك في امكانية استمرار الوفاق الداخلي, وهو ما قد ينعكس في صورة اضطراب في الوفاق الخارجي لا تحمد عقباه. وقد بدا واضحا من نتائج الانتخابات الاولى لمجلس الشورى الايراني ان الاغلبية الساحقة من الشعب الايراني اختارت التغيير, حتى ان نسبة الاقبال على صناديق الاقتراع بلغت مبلغا لم تعرفه حتى اعرق الديمقراطيات الغربية وان هذا التغيير هو خيار اصحاب المصلحة الحقيقية من ابناء الشعب الايراني. وان سارت الامور سيرها الطبيعي فستؤكد الانتخابات التكميلية المقبلة هذا التوجه الاصلاحي المنفتح. ويبدو انه لا يوجد امام الجميع غير طريق واحد يتمثل في استكمال الخطوات الديمقراطية التي تحققت في ايران, بصرف النظر عن موقف القوى السياسية من قبول او رفض للنتائج التي اسفرت عنها الانتخابات, والتي شهد بنزاهتها حتى أولئك المعادون للتجربة الايرانية. اما محاولات الوقوف امام هذه التجربة, والسعي الى تعطيلها وتعويقها بتأخير نتائجها النهائية, وبالعودة الى تغليب المصالح الشخصية ورفع الشعارات المتطرفة وبتسويف المراحل التكميلية المفترضة, فستلقي ان نجحت بظلالها الكئيبة والمحبطة على مستقبل التجربة الايرانية. وقد تقود إلى عواقب سلبية ليس على مستقبل ايران فحسب, بل وعلى مستقبل المنطقة بأسرها. ولا جدال في ان ما يغنينا في الخليج هو ان تكون في ايران حكومة مركزية ودولة مؤسسات وهو ما سعى الى تحقيقه السيد محمد خاتمي منذ وصوله الى الحكم, بحيث يمكن التعامل في القضايا المعلقة مع فريق واحد وقرار واحد. اما خلاف ذلك فإنه لن يصلح مع ايران بالقدر نفسه الذي لن يصلح به مع الخليج, لأن نتائجه ستكون مدمرة للمصالح الاستراتيجية على الضفتين معا.