بقلم: نجيب عبدالله الشامسي الاهتمام بدراسة الموروث الشعبي للامارات يأتي من منطلق تكريم الدولة للأجداد والآباء الذين اسهموا في بناء صرح هذا المجتمع, واثروا الحياة بفكرهم وابداعهم وآدابهم وصناعاتهم فكان لزاما على جيل اليوم وعلى المؤسسات الثقافية المعنية ان تهتم بالآثار الفكرية والمادية التي تركها السلف لأنه لا حاضر لمن لا ماضي له, ولا مستقبل لمن لا حاضر له, ومستقبل الامم والشعوب يبنى على معرفة الحاضر وتراث الماضي, وهنا المسئولية مشتركة للمحافظة على هذا الموروث حتى لا يندثر وتصبح بالتالي الامارات لا تاريخ لها ولا هوية. ان نتائج الاستكشافات الاثرية المذهلة التي خرجت بها بعثات اجنبية قامت بالبحث عن الاثار في مناطق مختلفة قد اكدت عمق وعراقة تاريخ هذه المنطقة, وان هناك كنوزا قد تركها العظماء من ابناء الامارات تجعلنا نحن ابناء الامارات اكثر تفاؤلا بمدى عراقة هذه المنطقة, وانها كانت مهدا للعديد من الحضارات الضاربة في عمق التاريخ الذي يمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة سواء حضارة (ام النار) في ابوظبي او آثار (مليحة) في الشارقة او حضارة (جلفار) في رأس الخيمة, وأكدت تلك الحفريات أن الامارات كانت امتدادا لحضارات عريقة سواء حضارة ما بين النهرين في العراق او حضارة سبأ في اليمن او حضارة ماجان في سلطنة عمان وان هذه المنطقة قد اسهمت في الحضارة الانسانية, ومن هنا تكمن المسئولية في ضرورة التعريف بحقيقة ذلك الامتداد الحضاري من خلال النشر والعرض المرئي والمعارض وعقد الندوات والمؤتمرات لتعريف المواطنين والمقيمين على السواء بحقيقة هذه المنطقة والدور الذي لعبه ابناء هذه المنطقة منذ سنوات طويلة. ان دراسة الموروث الشعبي للامارات العربية والبحث في جذوره التاريخية وتحديد مصادره وتحليل مكوناته الاساسية يعتبر من الاولويات الوطنية للدولة نظرا لما للموروث من اهمية في المحافظة على شخصية هذا المجتمع في مواجهة محاولات تذويبه وترميم شخصية الانسان الاماراتي لتمكينه من مواجهة معطيات المرحلة المقبلة التي سوف تشهد تغييرا كليا للمجتمع الانساني بفعل عوامل (العولمة) خاصة وان مجتمع الامارات يعاني من تدفق هجرة وافدة مشكلة فسيفساء سكانية غير متجانسة ثقافيا ولغويا وعقائديا ومن هنا فإن الاهتمام بعناصر الموروث الشعبي ومكوناته مسئولية وطنية للتأكيد على اصالة المجتمع الاماراتي والمحافظة على هويته خشية الاندثار او الذوبان, والمحافظة على الشخصية العربية وانتماء الفرد لأمته العربية والاسلامية. ان الموروث الشعبي في الامارات يجسد نظاما حياتيا متكاملا, ومنهجا تربويا وابداعيا اسهمت في وجوده اجيال متعاقبة من المجتمع قادرة على الابداع والابتكار والتفكير. وهذا المتهج قد مكن الانسان الاماراتي من التعامل مع الحياة بشكل حضاري ولديه قدرة كبيرة على فهم دقيق لوتيرة الحياة على الرغم من ظروفها القاسية, كما ان هذا النظام الحياتي المتكامل قد ساعد الانسان الاماراتي والخليجي عامة على تجاوز الصعوبات والظروف الطبيعية التي تحكم طبيعة الحياة في منطقة الخليج ولعل ملحمة الغوص التي شارك فيها مختلف شرائح المجتمع دليل على صراع الانسان مع تلك الظروف التي لم تجسد صراعا وتحديا لطبيعة الحياة وقساوتها بقدر ما كانت ملحمة ابداعية افرزت ابداعا ادبيا سواء كان قصصا او شعرا او فنا سواء كان اغاني وأهازيج او فنا توارثته الاجيال المتعاقبة وشكلت مصدرا للثقافة ومعينا للابداع الفني والثقافي حتى يومنا هذا وما كانت المشاهد الفنية من رقصات (كالعيالة) او مشاهد مسرحية في العابنا الشعبية الا شاهدا على درجة الابداع التي تميز بها الانسان والمجتمع الاماراتي والخليجي عامة. كما ان الازياء الشعبية بخطوطها المميزة وألوانها المعبرة عن البيئة والطبيعة ما هي الا انعكاس لخصوصية مجتمع الامارات ولتقاليده الاجتماعية ولسماته الثقافية وهذا ما يؤكد على ان الموروث الشعبي يشكل منجما حقيقيا للفن والابداع الاماراتي ولاسيما تلك الملاحم الشعرية والابداعية التي افرزتها رحلة الغوص التي عبر فيها اهل الغوص آنذاك عن معاناتهم وتحديهم لأهوال البحر فضلا عن كونها ملحمة انسانية حقيقية لانسان هذه المنطقة ومن هنا فإن دراسة هذا الموروث بعناصره الابداعية (الفنية والادبية) انما يعني دراسة التطور النفسي والابداعي والاجتماعي لانسان الامارات خلال سنوات طويلة من تاريخ هذه المنطقة كما تعبر تلك العناصر الابداعية عن وجدان شعب الامارات وشعوره القومي. ان الاهتمام بدراسة عناصر الموروث الشعبي وتحليل مكوناته انما يعنيان تجسيد تاريخ المجتمع الاماراتي والخليجي نظرا لما يحمله من شواهد على التحولات والتطورات التي شهدتها المنطقة خلال القرون الماضية ولعل الشعراء الاماراتيين وعلى رأسهم الماجدي بن ظاهر الذين اثروا تاريخ المنطقة شعرا, وكذلك الملاح العربي المعروف شهاب الدين احمد بن ماجد الذي قدم ملاحم من خلال اراجيزه الشعرية مقدما تاريخ المنطقة باحداثها التاريخية, فضلا عن ان الموروث كان يشكل سجلا معبرا عن التطورات السياسية والاجتماعية والتاريخية التي شهدتها الامارات ومنطقة الخليج على الرغم من ظروف الحياة وقساوتها ولكون هذ ا الموروث بجانبه الابداعي يمثل جزءا من الابداع العربي الانساني وتأكيدا على ان الانسان الاماراتي ولاسيما المبدع الاماراتي لم يكن يوما منفصلا عن قضايا امته العربية بل كان ملتقصا بها مترجما لنبضات الانسان العربي, حينما انشد الشعراء الاماراتيون وعلى رأسهم سالم بن علي العويس وراشد الخضر والعقيلي للوحدة العربية ولاسيما لوحدة سوريا ومصر وكذلك للقومية العربية, ولقضية فلسطين حيث تغنوا لها ونددوا في اشعارهم باستعمار هذه الارض المقدسة. لقد اكد شعراء الامارات ومبدعوها مدى التصاقهم بالوحدة القومية العربية وعبروا عن رغبتهم في تحقيق نهضة عربية واسهموا في صياغة وعي قومي من خلال تراثهم الابداعي المرتبط بالارض والمتسم بالعمق والمتصل بالثقافة العربية في مختلف مساراتها واتجاهاتها على الرغم من كل محاولات العزلة التي عمل الاستعمار على فرضها في منطقة الامارات والخليج عامة. لقد شهدت الامارات وخلال سنوات طويلة تحولات فكرية وعلمية وتاريخية وسياسية ارتبطت تجاريا وثقافيا مع مناطق وامصار ودول لها تاريخ عميق كالهند وسواحل افريقيا وعدن وقد اسهم هذا الاتصال او الارتباط في اثراء الحياة الاقتصادية, والسياسية والثقافية والفكرية في الامارات كما أكده الارث الفكري والابداعي الذي تركه جيل الامس وخلال سنوات طويلة من التاريخ الملاحي والتجاري للمنطقة ناهيك عن ان الامارات ومنطقة الخليج عامة قد عانت من السيطرة الاستعمارية وموجة الاستعمار التي تنحسر تارة لتعود من جديد من برتغاليين الى انجلترا والموروث الشعبي في جانبه الابداعي المكتوب قد حمل شعرا ترجم فيه شعراء المنطقة رفضهم وتصديهم لموجات الاستعمار هذه وعبروا عن صراعهم ضد الاستعمار لذا فان الارث الشعري تضمن قصائد كثيرة لشعراء اماراتيين عديدين حري بالمؤسسات التربوية والثقافية ان تتناول حياتهم بالدراسة والتحليل والرصد الدقيق. * ان دراسة وتحليل عناصر الموروث الشعبي للامارات العربية ومقارنتها بعناصر الموروث الشعبي للمجتمعات العربية الاخرى من حيث نقاط تشابهها ومصادر نشوئها انما هو سعي لتجسيد روح الوحدة العربية في اسمى معانيها, ووحدة الثقافة والتراث والوجدان حيث ومن واقع دراستي وبحثي لعناصر من الموروث الشعبي للامارات ومقارنتها ببعض العناصر في بعض الدول العربية وجدت ان هناك سمات مشتركة وأساسية في تلك العناصر لدرجة التماثل في بعض الأحيان وان كان هناك اختلاف فهو يقتصر على المسميات.. ومن هنا فإننا مطالبون في الامارات والدول العربية بدراسات عميقة وتحليلات لعناصر موروثنا الشعبي للتأكيد على العناصر المشتركة والارضية الثقافية الواحدة والروح الواحدة. كاتب وباحث من الامارات