بقلم : د. ماهر جلال عرف العالم منذ القرن الخامس عشر الميلادي ما يسمى بالاستعمار الغربي, وكان يعني في ذلك الوقت اخضاع جماعة من الناس لحكم اجنبي, ويسمى سكان البلاد المحتلة بالمستعمرين, بفتح الميم, وتسمى الاراضي الواقعة تحت الاحتلال البلاد المستعمرة بفتح الميم, والآن ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين, يشهد العالم نوعا جديدا من الاستعمار يمكن تسميته بالاستعمار النفسي, ترى ما مفهوم هذا الاستعمار؟ وما اهم اهدافه؟ ان الاستعمار النفسي استعمار جديد يعمد الى استعمار النفوس والعقول والافئدة بدلا من استعمار الارض, ذلك ان السيطرة على النفوس والعقول والافئدة تعني السيطرة على كل شيء فلا تكاد هذه النفوس ترى إلا بعينه ولا تسمع إلا بأذنه ولا تفكر إلا بعقله, تكره ما يكره, وتهوى ما يهوي, وتفني حياتها في سبيل رضاه, ثم ليتها تحظى به, فربما كان نصيبها النقمة والازدراء!! واذا ما قيس الاستعمار القديم بهذا الاستعمار النفسي, فإنه يعد استعمارا ساذجا, ذلك ان الاستعمار النفسي اشد فتكا, واعظم ضراوة, شديد المراوغة والخداع, سريع التطوير لخططه الخبيثة. وطمعه لا تحده حدود فهو لا يقنع بامتلاك الارض واستغلال ثرواتها فحسب, بل يريد الارض ومن عليها بل هذا هدف يعد متواضعا في حقه, فهو يريد الكون بأسره, فلا يكتفي بغزو الارض حتى يسابق الى غزو الفضاء ويعد برامجه لحرب النجوم!! اهداف الاستعمار النفسي ان امتنا العربية والاسلامية مستهدفة من هذا الاستعمار لما فيها من طاقات متنوعة وثروات طبيعية هائلة, ولما تحمل في عقيدتها ودينها من مقومات الصمود امامه ,فلن ينسى هذا الاستعمار هزيمته النكراء امامها يوما ما, ولذا طور خططه ووسع دائرة اهدافه, ونوع وسائله, وغير خطابه, فهو يريد هذه المرة ألا يفلت احد من قبضته, ولا يحيد عن سلطانه قيد انملة, يريد ان يسبح الجميع بحمده ويتغني بمآثره ويعشق ثقافته, ويتمنى رضاه ويكون طوع هواه. ان الاستعمار النفسي يهدف ـ أول ما يهدف ـ الى هزيمة امتنا هزيمة نفسية, تشعر معها بمرارة العجز والقهر واليأس, وتزول لديها أية بارقة امل في نهضة حضارية ومستقبل مشرق واعد. واذا تمكن من تحقيق هذا الهدف فإن ما سواه اهون, فالأمة المهزومة نفسيا ليس لها ـ في ظني ـ إلا خياران: اما ان تنتحر وتفنى, او ان تلقي بنفسها في احضان هذا المستعمر ـ بكسر الميم ـ وتمكنه من نفسها يعبث بها كيفما يشاء, وتدين له بالتبعية والولاء التام, فيتحقق له ما اراد من السيطرة عليها ثقافيا وسياسيا واقتصاديا... الخ. فالهزيمة النفسية اقسى انواع الهزائم البشرية, تفقد الامة معها كيانها, وتشعر بالتخبط والاختلال وتسلم قيادها وهي مخدرة الى هذا المستعمر ليوجهه كيف شاء, وأين شاء, ومتى شاء. وهذا ان دل فإنما يدل على مدى ذكائه وضراوته, فقد رأى ان الاستعمار العسكري بمفهومه التقليدي ـ استعمار ساذج, لابد ان يقضى عليه يوما ما, وحينئذ يخرج منهزما منبوذا وقد تكبد خسارة مادية ومعنوية وعسكرية فادحة. اما الاستعمار النفسي فيحقق جميع اهدافه ومكاسبه بمفاتيح التحكم عن بعد وبأقل جهد يأمر فيطاع, ويطلب فيلبى طلبه, فالعقول مخدرة والنفوس اشبه ما تكون بالنائمة بفعل التنويم المغناطيسي (النفسي). وسائل واقنعة ويلجأ هذا الاستعمار الى وسائل خبيثة وفتاكة أدمنها ضحاياه, ويتخذ من بعضها قناعا يخفي تحته اهدافه الحقيقية, فإذا ما اكتشفت حقيقتها اسفر عن وجهه الحقيقي المرعب, وابرز انيابه المخيفة الحادة يغرزها في جسد ضحاياه, مطبقا عليه من كل جانب, متلذذا بأنينهم وصراخهم, ثم تطفر من عينيه دمعة عليهم, فتكون المساعدات الاقتصادية, واغاثة هيئة الصليب الاحمر, فياله من استعمار رحيم مرهف الاحساس ومن اهم هذه الوسائل والاقنعة: 1) وسائل الاعلام: ادرك هذا الاستعمار اهمية وسائل الاعلام في عصر من يمتلك فيه هذه الوسائل يمتلك العالم. فلاعجب إذن اذا علمنا ان هناك حوالى 40 وكالة اعلام دولية في العالم, منها (30) وكالة امريكية, لها قرابة 200 فرع في العالم العربي. وميزانية هذه الوكالات وحدها, تعادل الميزانية المخصصة للتعليم في بعض البلاد العربية. والاعلام الغربي عامة يمثل اكثر من 90% من الاعلام العالمي. والجدير بالذكر ان اليهود يسيطرون على الاعلام الامريكي, سواء فيما يتعلق بالشبكات التلفزيونية, مثل: شبكة (CNN) وشبكة (ABC) وشبكة (CBS) , او فيما يتعلق بالصحف حيث يمتلك اليهود اكبر ثلاث مؤسسات صحفية امريكية مؤثرة هي (نيويورك تايمز) و(واشنطن بوست) وصحيفة (وول ستريت جورنال) , او فيما يتعلق بالمجلات الاسبوعية, حيث يمتلك اليهود اهم هذه المجلات, وهي مجلة (التايم) ومجلة (نيوزويك) ومجلة (يو اس نيوز) . واذا تساءلنا: ما دور وكالات الأنباء العربية والاسلامية في الساحة الاعلامية؟ فالإجابة تبدو محزنة, وذلك ان هذه الوكالات تعمل من الداخل لصالح وكالات الانباء الاجنبية, وتعتمد عليها في نقل الاخبار وتغطية الاحداث. هذا فضلا عن ان المسلسلات والبرامج الدرامية في الفضائيات العربية تقريبا 70% منها امريكية, علما بأن القنوات الفضائية الامريكية لا تعرض اكثر من 2% فقط من المسلسلات والبرامج غير الامريكية. ولا يخفى على كل ذي بصيرة ان امريكا لا تصدر الينا الا انتاجها الثقافي الرديء, وتقدم لنا القيم التي تتناقض مع منظومة قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا العربية والاسلامية. 2) ثورة المعلومات: استطاع الاستعمار ان يتخفى تحت قناع ثورة المعلومات, ويدس لنا السم في العسل, فمثلا الانترنت (شبكة المعلومات الدولية) لا يخفى ما لها من اهمية, لكنها تعد مصدر خطورة لنا وذلك اننا نستخدمها دون فكر يديرها, كما تحوي معلومات ومواقع تروج لثقافة الغرب, فكل فكر متأثر ـ لا محالة ـ بثقافة المنشأ, فهذه الشبكة اذن تكرس ثقافة الغرب ولغته فتقريبا 88% من المادة المعروضة فيها باللغة الانجليزية وحدها, و9% بالألمانية, و2% بالفرنسية, فأين نصيب اللغة العربية؟! وللأسف فإن الاستعمار النفسي بزعامة امريكا, استغل ثورة المعلومات لهتك حريات الآخرين, والتلصص عليهم معرفيا وتقنيا, والتنصت على الافراد والدول. فها هو (اريه بن منشه) ضابط الاستخبارات الاسرائيلي, يعترف في كتابه (غنائم الحرب) بأن اسرائيل تمكنت من اختراق الشيفرة الايرانية ايام الشاه وكشفت تحريات صحفية عن شبكة صخمة للتجسس الالكتروني شمالي انجلترا صممتها وتشرف عليها وكالة الامن القومي الامريكي (NSA), ويطلق على هذه الشبكة اسم (Echelon) وهذه الشبكة صممت للتجسس على الحكومات والشركات والافراد, دون مراعاة لحرمة احد. انها ديمقراطية الاستعمار النفسي, واساليبة الخبيثة, فالغاية عنده تبرر الوسيلة. 3) قناع الاقتصاد والسياسة: ويعمد هذا الاستعمار الى تنفيذ اهدافه رغبا او رهبا, فيعد بالامتيازات الاقتصادية تارة, ويخلق فرص مناسبة للاستثمار الاقتصادي تارة, وبحبوب المعونات الاقتصادية تارة اخرى, وكأن العلاقة بينه وبين المستعمر ـ بفتح الميم ـ اشبه ما تكون بين الطيور الداجنة وربها (صاحبها) يلقي اليها الحبوب حتى اذا ما سمنت انتفع ببيضها او تلذذ بلحمها, فإن ابت ان تلتقط الحب وثأرت لكرامتها, كانت الضغوط السياسية والاقتصادية, وتحركت خزانة المليارات اليهودية العملاقة في العالم لتكتم انفاس هذه الطيور الأليفة وتؤدبها, فإما ان يعود اليها رشدها وتأكل لتسمن وتدر عليه فوائد الديون بشروطه الخاصة, وإما ان تموت جوعا وينهار اقتصادها كما حدث مع النمور الآسيوية. 4) الضغوط العسكرية: وقد خيل الى هذا الاستعمار النفسي ـ لجبروته ـ انه سينتصر بالرعب, فيتحدث الى افراد مستعمرته بلغة الاقتصاد تارة, فتكون العقوبات الاقتصادية المجحفة والحصار الاقتصادي الكافر بكل معاني الانسانية والرحمة, وما الذي فعله بالعراق وليبيا والسودان منا ببعيد, ولا أحد يستطيع ان ينبس ببنت شفة, فالجميع ملتزم به حتى اخوتهم في العروبة والاسلام, ومن حاول كان مصيره التشرد والضياع. ونذرف الدموع عجزا وهلعا حينما نسمع وزارة الصحة العراقية في مارس ونذرف الدموع عجزا وهلعا حينما نسمع وزارة الصحة العراقية في مارس الماضي تعلن وفاة اكثر من 9000 عراقي في فبراير من العام نفسه بسبب الحظر الاقتصادي, ليرتفع بذلك عدد القتلى منذ بدء هذا الحصار الى (1.283.118) شخصا من بينهم نصف مليون طفل عراقي!! ويستخدم لغة السياسة تارة اخرى, فيكون الوعيد والتهديد, والحملات الشعواء, والتقارير المزيفة , والاتهامات برعاية الارهاب, والتحذيرات للشعب الامريكي والرعاياة الاجانب من دخول هذه الدولة او تلك, لانها تدعم الارهاب, وتكبت الحريات, وتضطهد الاقليات, فليحيى اذن قانون حماية الاقليات!! فإن لم تجد لغتا الاقتصاد والسياسة نفعا, كانت لغة الرعب العسكري والنووي, وكانت الاساطيل البحرية وحاملات الطائرات, والقنابل الذكية وصواريخ كروز, والغواصات النووية, ويرسل لشعب العراق صواريخه ساعة المنام, ليشاركهم الاحتفال بشهر الصيام, ويتأسى لأحوال مرضى السودان مع قلة الاداء, فليكن وجهة الصاروخ مصنع الشفاء!! واذا كان البابا يوحنا بولس الثاني قد استغفر لمن مات من اليهود في المحرقة المزعومة, خلال زيارته بيت لحم يوم الاربعاد (22/3/2000), فمن يستغفر للاطفال الرضع والشيوخ الركع, والنساء المغتصبات في كل من العراق, وكوسوفو والشيشان وتركستان؟ يارب قد عجز اللسان! واذا كان الحاخامات لم يرضوا بما صنعه البابا, فنحن يكفينا الصمت, ونستلذ العجز, وليكن تجاوبنا الزمر والرقص. فهذا التصالح بين الصهيونية والصليبية لصالح من؟ وضد من؟ 5) غفلة الامة: ومما شجع هذا الاستعمار على بسط نفوذه وأعانه على تحقيق اهدافه ـ غفلة الامة العربية والاسلامية فنحن امة لا تكاد تستوعب دروس الاحداث الماضية, نعتمد على العاطفة دون ان تساندها خطط مدروسة وتحليلات علمية متأنية وبعضنا يدير ظهره للماضي, ويرضى بالواقع ويسقط المستقبل من حساباته, ومن وخزه ضميره فإنه يهرب من واقعه بالنكت تارة, وبالمباريات تارة, وبالأغاني والاعمال الدرامية تارة اخرى, حتى يظن من يشاهد قنواتنا الفضائية اننا امة لا تعرف الهموم, وترفل في النعيم, وتبسط نفوذها على العالم اجمع. اضف الى هذا مواقف بعض ابناء الامة حين ينبهرون باقنعة الاستعمار فيحسبون انه قد جاء بالخير للبشرية بهذه العولمة, ويتحمسون لها ويدعون اليها لما يصاحبها من احلام وردية. وقد يعذر هؤلاء, فقد عمد الاستعمار الى اجراء عملية (غسيل مخ) لعقولهم, ثم اخذ يعيد صياغتها وفق اهدافه ومبادئه. فلا عجب حينئذ ان نرى من يحتلفون بذكرى الحملة الفرنسية على مصر, لما لفرنسا الصديقة ـ في زعمهم ـ من فضل احداث نقلة حضارية بمصر تستحق عليها الشكر والتقدير ولا غرابة ان نجد بعض العائدين من الدراسة بالغرب يثورون على مبادئهم الاسلامية والتقاليد العربية الراسخة ويروجون لأفكار الغرب, دو ن تمييز بين الغث منها والسمين. ان الامر جلل, وان الخطب لفادح, وما احوج امتنا الى وقفة متأنية لتتفقد احوالها, وتشخص ادواءها, وتتعرف اسباب كبوتها وضعفها!! فالأمراض النفسية من اشد الامراض خطرا على صحة الامة, لأن المريض النفسي قد لا يشعر انه مريض لخفاء مرضه, ومن ثم يترك المرض يستفحل ويستشري حتى يتمكن منه, وساعتها لن يجدي معه دواء. ولكن قبل ان نبحث عن الدواء فعلينا اولا معرفة اسباب الداء, اذ (الوقاية خير من العلاج) . فنحن امام استعمار داهية يجعل الحليم حيران, والقوي عاجزا, والغافل عبرة للتاريخ. جامعة الامارات Email: galalmaher @ hotmail. Com