بقلم: المقدم دكتور عبدالله محمد محمود لم تعد العقوبة وحدها وسيلة المجتمع في كفاحه ضد الجريمة لان العقوبة قد اخفقت في مواطن عدة عن تحقيق الهدف المنشود منها في مكافحة الجريمة, الامر الذي استلزم في هذه الحدود البحث عن اجراءات تحل محل العقوبة او يقوم معها بتحقيق الوظيفة التي يسعى الجزاء الى تحقيقها. فأداء الجزاء الجنائي لوظائفه وتحقيقه لاغراضه اقتضى تنوعا في الوسائل التي تؤدي اليه فظهرت التدابير الجنائية لعلاج الجاني, واصبحت هي والعقوبة صورة من صور الجزاء الجنائي. وتعرف التدابير الجنائية بأنها مجموعة اجراءات ـ اصلاح وتثقيف ـ وتهذيب يقررها المشرع لمواجهة خطورة اجرامية كامنة في شخص مرتكب الجريمة وذلك بهدف حماية ودرء الخطورة عن المجتمع. فهي اذن مجموعة الاجراءات العلاجية التي ترصد بواسطة مجتمع ما لكي تواجه بها الافعال الخطرة (أي الخطورة الاجرامية) ويوقعها المجتمع على الجاني قهرا. وذلك لكي يدافع المجتمع عن وجوده وكيانه, كفاحا ضد الجريمة عندما تتميز بالخطورة الاجرامية. فهي حث للمجتمع يقابله التزام الجاني للخضوع لها بدون تدخل ارداته او رغبته, وهذا القهر والالزام يعطي التدابير صفة الجزاء. وهي ترتبط بالخطورة الاجرامية ارتباط وجود وعدم, فهي لا تنطبق الا على الجاني الذي ثبتت خطورته الاجرامية, ويتحدد نوع التدبير واسلوبه ومدته طبقا لتلك الخطورة من حيث انها حالة نفسية تصيب الشخص (الجاني) مما يحتمل معه ان يكون مصدرا لجريمة اخرى مستقبلة, أي انه يشترط ان تكون هناك جريمة واقعة, ومنعا لوقوع الجريمةالمستقبلة يطبق التدبير. ولهذا فإن العقوبة فردية تطبق على شخص معين بالذات لتفادي خطورته الاجرامية ولذا فهي تختلف عن اجراءات الوقاية التي تتخذها الشرطة في المجتمع قبل وقوع الجريمة وبهدف منع وقوعها. ومع ذلك فإن الجريمة التي يرتبط وقوعها بتوقيع التدابير الجنائية لتصد بها الفعل المتصف من الناحية الموضوعية بعدم الشرعية, ولو لم يكن فاعله اهلا لتحمل المسئولية الجنائية عنه او كان الركن المعنوي اللازم لتمام الجريمة قانونا غير متوافر اي ان التدابير تطبق حتى ولو كان الجاني غير اهل لتحمل المسئولية او كان الركن المعنوي غير متوافر اذ يكفي وقوع الفعل المجرم فقط. نشأة التدابير الجنائية ظهرت التدابير منذ اواخر القرون الوسطى فقد عرفت التدابير ذات (طابع) اداري كحالة ايداع المجنون في محل معد لذلك, أو عقوبات تبعية او تكميلية كالمصادرة والحرمان من بعض الحقوق والمزايا. ويعود الفضل للمدرسة الوضعية في تأصيل هذه التدابير واسباغها بالطابع الجنائي, وارست فيها عناصرها ورسمت معالمها التي تعتمد على منهج الملاحظة والتجربة في كشف الحقائق. ويعد العالم والفيلسوف الفرنسي اوجست كوفت صاحب الفضل في تطبيق هذه الفلسفة ودراسة السلوك الانساني من الناحيتين النفسية والاخلاقية. ويمكن القول بأن تأصيل المدرسة الوضعية لنظرية التدابير على اساس منهج علمي يتفق مع افكار مبدأ حرية الاختيار والمسئولية الاخلاقية, اي فكرة العدالة والمسئولية الاجتماعية بكل مقوماتها. وعلة وجودها كان سببه قصور العقوبة عن اداء اهداف الجزاء الجنائي, فالغرض من العقوبة هو ايلام الجاني وايذاؤه حتى لا يعود لجريمته, فقد تصيب حقه في الحياة او تسلب حريته او ماله فهي اذن مرحلة تذوق فعلي لألم وتشديد العقوبة ازاء الخطأ الذي صدر من الجاني, والمحك لاثبات الخطأ هنا هو اتيان الجاني الفعل مع تمام ارادته وادراكه, فالإيلام الصادر من العقوبة يكون نتيجة للخطأ الذي ارتكبه الجاني. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ينجح اسلوب العقوبة مع الشخص المريض عقليا او القاصر نفسيا او منعدم التمييز والادراك؟ اي بمعنى اخر: هل الشخص الذي لا تتوفر لديه حرية الاختيار يجدي معه اسلوب الألم الناتج عن العقوبة في هذه الحالات؟ وهل الشخص الذي استمر في الاجراء يكون العقاب مجديا معه رغم تكراره؟ والاجابة هي وجود التدابير الجنائية لعلاج هؤلاء جميعا من امراضهم العقلية وقصورهم النفسي. الى جانب ان التدابير تلاحق المجرمين الذين لا يوقع عليهم العقاب لعدم اهليتهم لتحمل المسئولية الجنائية اذا دلت جرائمهم على خطورة اجرامية كامنة فيهم. اذن وجدت التدابير لسد الثغرات التي تركتها العقوبة. شروط التطبيق تتنوع التدابير حسب طبيعتها وشروط تطبيقها حسب الحالات الخطرة التي تواجهها, ولكن هناك شرطين اساسيين اجتمع اغلب الفقه عليهما: الاول هو ارتكاب جريمة سابقة, والثاني توافر الخطورة الاجرامية لدى الجاني في وقوع الجريمة. فإذا لم يرتكب الجاني جريمة سابقة لا تطبق التدابير حتى تتوافر فيه الخطورة الاجرامية, وذلك حرصا على حريات الافراد وحمايتها. فلا تدابير الا بنص, وهذا هو ركن الشرعية في التدابير الجنائية كجزاء وهناك اختلاف في هذا الشرط: رأي يلتزم به طالما توفرت فيه الخطورة الاجرامية والتشريعات في معظمها تأخذ بهذا الشرط. اما الرأي الثاني فيرى ان التدابير لم توضع الا لمواجهة الخطورة الاجرامية الكامنة في الفرد دفاعا عن المجتمع. فالعقوبة تقوم على فكرة خطأ المجرم, أما التدابير فتقوم على اساس الخطورة الاجرامية. فالخطأ والذي على اساسه قررت العقوبة لا يثبت في حق من لا يمكن نسبة الخطأ اليهم كالمجانين والصغار, ومع ذلك فإن المجتمع لا يمكن ان يترك هؤلاء اذا كانت حالتهم الخطرة تنذر باحتمال وقوع الجريمة منهم وبالتالي يجعل من خطورتهم الاجرامية اساسا لتطبيق التدبير الجنائي. وتبعا لذلك ولأن التدابير تقوم على فكرة الخطأ كالعقوبة فلا يشترط في الجريمة الواقعة ان تكون مستكملة لركنها المعنوي او ان يكون فاعلها اهلا لتحمل المسئولية الجنائية دائما, ويكفي ان يتحقق ركنها المادي دون ان يتوافر سبب من اسباب الاباحة ما دام فاعلها على خطورة اجرامية ولاحتمال وقوع جريمة مستقبلة منه تكمن علة استخدام التدابير لوقاية المجتمع من مخاطر ذلك الاحتمال. ولا يلزم ان يكون هذا الاحتمال متوجها الى جريمة يعنيها او على درجة معينة من الجسامة او ان تكون في وقت معين في تاريخ ارتكاب الاولى, لأن الخطورة الاجرامية حالة نفسية وصفة فردية تكشف ان يكون صاحبها مصدرا محتملا لاجراء جديد ايا كان نوعه وجسامته, فهناك فارق بين الجريمة الاولى التي وقعت من الجاني الموصوف بالخطورة وهذه تكون معينة ويلزم ان تكون جسيمة, وبين الجريمة المستقبلة التي يحتمل وقوعها من جانب من كان على خطورة اجرامية وهي التي يهدف المجتمع بأسلوب التدبير الى تلافيها, فإذاً لا اهمية لنوعها او لجسماتها او زمنها. اغراض التدابير غرضها هو القضاء على الخطورة الاجرامية للمجرم عن طريق مجموعة من الطرق والاساليب العلاجية والتهذيبية ولذا فهي تلعب دورا هاما في شخص المجرم ونفسيته اذ هي تهدف الى تهذيب هذه النفس وعلاجها من الخطورة الاجرامية الكامنة والتي قادتها الى طريق الاجرام والغاية من التدبير هي تحقيق المنع الخاص وتحويل المجرم الى رجل شريف. وبهذا يشترك مع العقوبة في منع المجرم من العودة الى الجريمة, لكن الى جانب ذلك تهدف العقوبة وحدها الى تحقيق هدفين اخرين هما العدالة والردع العام. فالتدابير الجنائية لا تستهدف تحقيق العدالة كالعقوبة اي لا تهدف الى اعادة التوازن بين الجريمة كشر وقع والتدبير كشر مقبل, لأن التدابير ليست ايلاما وبالتالي لا تعتبر شرا دائما فهي وسيلة لعلاج المجرم بالقضاء على الخطورة الاجرامية الكامنة فيه وتحويله الى رجل شريف, ولهذا لا يمكن اعتبار التدبير شرا يقابل الجريمة كعدوان, كما ان جوهره العلاج ولا تتحدد طبيعته على اساس خطأ المجرم حتى يكون معنى اخلاقيا يتقابل مع العدالة كقيمة اخلاقية وانما يقوم على الخطورة الاجرامية والتي ليس لها صلة بالاخلاقيات. فالتدابير الجنائية تستهدف القضاء على خطورة الجاني الاجرامية وتستعين في سبيل تحقيق ذلك بمجموعة من الاساليب العلاجية كما هو الامر في اسلوب ايداع المجرم المجنون في المحل المخصص له. او الاساليب التهذيبية كمعظم التدابير التي تتخذ مع المجرم الحدث والتي تهدف اما الى تأهيل المجرم واما الى المباعدة بينه وبين الظروف او الوسائل التي تنتج له الاجرام. وتنقسم التدابير من حيث الموضوع الى شخصية او عينية حسب المحل الذي يقع عليه اسلوب التدبير في علاج خطورة الجاني. فإذا كان هذا المحل شخص المجرم كان التدبير شخصيا, اما اذا انصب اسلوب التدبير على شيء مادي فيكون التدبير عينيا. وتنقسم التدابير الشخصية الى سالبة للحرية (كإيداع المجنون مستشفى الامراض العقلية ـ وايداع المتسول غير الصحيح ملجأ من الملاجىء ـ وايداع معتادي ممارسة الفجور والفسق مؤسسة اصلاحية), والى مقيدة للحرية (كالوضع تحت مراقبة الشرطة) وحظر اقامة المحكوم عليه بالاعدام او الاشغال الشاقة, بعد سقوط عقوبته بمضي المدة في دائرة المديرية او المحافظة التي وقعت فيها الجريمة, والى تدابير منطوية على حرمان من بعض الحقوق كالحرمان من التوظف. اما التدابير الجنائية العينية فتنصب على شيء مادي استخدمه المجرم في جريمته للمباعدة بينه وبين وسائل اجرامه ومن امثلتها مصادرة الاشياء التي تستعمل في جناية او جنحة ومصادرة الموازين والمكاييل والمقاييس المغشوشة, ومصادرة المخدرات, ومصادرة النقود والامتعة في مجال التجارة واليانصيب واغلاق المحال العمومية وما شابهها. الطبيعة القانونية التدابير تختلف مع العقوبة من حيث الموضوع اساس التطبيق وتتحد معها في الطبيعة باعتبارهما جزاءات قانونية. وان كان البعض يحاول ان ينفي عن التدابير صفة الجزاء القانوني لان الجزاء يفترض وجود قاعدة قانونية انتهكت اراديا اي يفترض ارتكاب شخص بصفة ارادية لواقعة غير مشروعة كإحدى صور الجزاء القانوني. كما ان الجزاء القانوني ليس حكرا على فكرة الجزاء الرادع وانما هو قابل لأن يتسع ليشمل الى جانب الجزاء الرادع فكرة الجزاء الواقي او الاحترازي, والذي لا يكون جزاء على ذنب او خطىئة وانما وفقا على الخطورة الاجرامية في سبيل علاجها وفقا لما تتطلبه سياسة الدولة في مكافحة الجريمة. فيمكن القول بأن التدابير جزاءات قضائية لا ادارية, لأن تطبيق هذه التدابير من اختصاص السلطة القضائية, ولا يعتبر في هذه الصفة, بأن السلطة القضائية قد تمارس احيانا اعمالا ادارية لان ذلك يكون اولا بطريق الاستثناء ولأن تطبيق القاضي لهذه التدابير يطبعه ثانيا بصفة الحياد المميزة للعمل القضائي. كما لا يعتبر في هذه الصفة ان يصف المشرع هذه التدابير بأنها ادارية لان الوصف التشريعي الخاطىء لا يغير من طبيعة الشيء وحقيقته. معنى ذلك ان التدابير الجنائية شأنها شأن العقوبات تعتبر جزاءات قانونية ذات صفة قضائية ويترتب على ذلك بعض النتائج التي تشترك فيها العقوبات مع التدابير. أولا ـ شرعية الجزاء: فإذا كانت القاعدة ان لا عقوبة الا بنص فلا تدبير كذلك الا بنص يحدده ويحدد الحالات التي يطبق فيها, فالتدابير ايا ما كان الامر قيد على حق من حقوق الفرد لا يجوز كالعقوبة الا بنص, فلا تفرض عقوبة ولا تدبير احترازي او اصلاحي من اجل جرم لم يكن القانون قد نص عليه حين اقترافه. ثانيا ـ شخصية الجزاء: فالتدابير كالعقوبة شخصية لا يجوز تقديرها الا على من توفرت فيه شروط انطباقها وعينه الحكم القضائي فالجزاء الجنائي بنوعيه لا يجوز كقاعدة عامة تطبيقه الا على الشخص الذي عينه الحكم لتحمله, وإذا كانت العقوبة تتقرر على مرتكب الفعل بشخصه ولا يجوز الحلول في تحملها كما لا تورث, فكذلك الامر بالنسبة للتدابير التي تنطبق على من تثبت خطورته الاجرامية على الوجه المبين في القانون دون حلول او توارث لان التدابير قد شرعت لعلاج تلك الخطورة. ثالثا ـ نفعية الجزاء: فوظيفة الجزاء الجنائي هي في النهاية وظيفة نفعية بحتة لان الهدف هو دائما المحافظة على سلامة النظام القانوني بمنع وقوع جرائم جديدة في المجتمع, وبهذا المعنى فإن التدابير ذات صبغة نفعية لانها تسعى لمنع وقوع جرائم جديدة في المجتمع, والعقوبة وسيلة الدولة لمنع وقوع جرائم جديدة. رابعا ـ جبرية الجزاء: فالجزاء الجنائي مقرر لمصلحة المجتمع ولو كان جوهره علاج الجاني وتحقيق فائدة له, وبالتالي فالتدابير كالعقوبة على من تتقرر عليه قهرا وبصرف النظر عن ارادته. * الادارة العامة للكليات والمعاهد شرطة دبي