بقلم: جيمس زغبي ، رئيس المعهد الامريكي العربي منذ شهور عديدة وايليان جونزاليس, الكوبي ابن السنوات الست, الذي انقذ من الغرق قبالة شواطىء فلوريدا يستقطب انتباه الاعلام والسياسيين. وطغت قصته على البث الاذاعي والتلفزيوني وصفحات الجرائد في الولايات المتحدة مع وجود اكثر من 100 مصور بشكل دائم تحت خيامهم في الشوارع المحيطة بمنزل اقارب الصبي في ميامي, والمظاهرات الكبيرة اليومية في هافانا للمطالبة بعودة الصبي الى كوبا وفي ميامي للمطالبة ببقائه في الولايات المتحدة. وعلى نحو لا يختلف كثيرا عن قصتي اوجي سيمسبون ومونيكا لوينسكي في السنوات القليلة الماضية, فإن قصة إيليان جونزاليس تمثل واقعين اثنين في وقت واحد فمن جهة اولى كانت هناك حالة مروعة من الشطط والمبالغة اذا ظهر (إيليان الحاضر دوما) في الاخبار الجادة والطريفة والبرامج الحية عبر الاذاعة والتلفزيون الاستغلال الاعلامي بأسوأ اشكاله, كذلك فإن السياسيين من اليمين واليسار والكوبيين المعادين لكاسترو في ميامي وحلفاءهم السياسيين ايضا اشتطوا في تلاعبهم لاستغلال محنة هذا الصبي المسكين لتحقيق مصالحهم الخاصة. ومن جهة اخرى فقد استوعبت القصة وهي تتنامى العديد من المآسي الأخرى. ومنذ البداية طبعا كانت ابرز الحبكات الثانوية في قصة ايليان هي العداء في العلاقات الامريكية ـ الكوبية والسيطرة التي تمارسها الجالية الامريكية الكوبية على الحياة السياسية في فلوريدا. على سبيل المثال, اتذكر حين طلب مني جيسي جاكسون عام 1994 ان ادعم اقتراحا تقدم به في اجتماع اللجنة الوطنية الديمقراطية يدعو لانهاء الخطير الامريكي المفروض على كوبا, وباعتباري قد جربت عواصف الاحتجاج حينما قدت الصراع في المؤتمر الوطني الديمقراطي عام 1988 حول الاعتراف بالحقوق الفلسطينية, جهزت نفسي للمعارضة, وفي الحقيقة كانت المعارض اشد ما واجهته عام 1988, وكانت المعارضة سياسية صرفة والجدال الذي واجهته اقتراحاتنا حينها كان بسيطا, فقد قيل لنا انه اذا ما مرر الاقتراح فإن الديمقراطيين لن يكسبوا انتخابات اخرى في فلوريدا وباعتبار ان فلوريدا تعد رابع اكبر ولاية, وولاية مهمة يحذو غيرها حذوها في الانتخابات الوطنية فقد فاز في النهاية رأي الحزب, وما اكتشفته هو انه لم يكن بالامكان مناقشة مقومات هذا الرأي, اذ حينما يصل الامر الى السياسة تصبح العقول مغلقة. وقد عكس رد الفعل الاولي لقضية ايليان جونزاليس هذا المنطق. فبدون استثناء اخذ كل المرشحين الرئاسيين الاساسيين جانب المزاج الشعبي العاطفي المعادي لكاسترو في صفوف الامريكيين الكوبيين, وبالنسبة لهم لم تكن هذه قضية صبي صغير غرقت امه وانفصل الآن عن ابيه الذي يحبه ويريد عودته الى الوطن. لكنها كانت قضية كاسترو والشيوعية والاصوات الامريكية الكوبية. بالنسبة للجالية الأمريكية الكوبية تحولت قضية ايليان جونزاليس الى رمز اكبر يمثل مخاوفهم وحياتهم. وبالنسبة للكثير منهم فإنها اصبحت تمثل اعمق آمالهم ومعاناتهم الجماعية وكراهيتهم لكاسترو واغترابهم حتى في بلدهم الذي جعلوه وطنهم الجديد. وهنا ايضا ضاعت حقيقة القصة, او حولت الى مجموعة غريبة من الاساطير فطوال خمسين عاما حيل بين هؤلاء الكوبيين وبين عائلاتهم وكذلك العودة الى وطنهم. والعديد من الامريكيين الكوبيين ارسلهم آباؤهم الى الولايات المتحدة, وهم اطفال ليهربوا من كاسترو ولم يتغلبوا ابدا على هذه الذكرى الاليمة وكراهيتهم لكاسترو تصوغ وتهيمن على حياتهم السياسية ومرة بعد اخرى فشلت محاولاتهم للاطاحة بحكومة كاسترو في كوبا ومرة بعداخرى كان عليهم مقاومة اليأس من امكانية العودة الى بلادهم. كانت هذه الجلسة خارجة عن المألوف من عدة نواح فالكثير من ابناء الجالية الكوبية التي يبلغ تعدادها مليون نسمة يعيشون متجمعين حول بعضهم في احد احياء ميامي (هافانا الصغيرة) صنعوها بأنفسهم وعلى الرغم من مشاركتهم في الحياة السياسية فهم يتصرفون احيانا كجالية منفية, وليس كجالية مهاجرة (هم متبرعون سخيون للسياسيين الامريكيين ويصوتون بأعداد كبيرة ولديهم مكتب انتخابي) , اجسامهم في الولايات المتحدة لكن قلوبهم واذهانهم لاتزال في كوبا. وعلى هذا النحو تحول الصبي الصغير ايليان في اذهان الكثيرين منهم الى رمز ديني, بعضهم اخذ يصفه بأنه (الطفل المعجزة) اصبح موسى كوبا الذي نجا من الغرق وانقذه الله ليساهم في انقاذ شعبه. وسرعان ما تم تطوير اساطير اخرى لتناسب العديد من التخيلات الدينية في القصة بعضها يقول ان امة (ماتت ليصبح حرا) وان (الدلافين انقذته) وحملته فوق سطح المياه في البحر وعثر عليه (صياد) . ولم يعد مهما ان هذه الرموز فرضت فرضا. مثلا (الصياد) الذي قالوا انه انقذه كان في الحقيقة رجلا يعمل في تنظيف المنازل خرج لصيد السمك ذلك اليوم لأول مرة في حياته. كبيرة جدا الذكرى الاليمة الجمعية بين الكوبيين وما تلاها من شعور بالاغتراب بحيث جعلت هذه القصص تحظى بالتصديق, وفي نهاية الامر اصبح الصبي ايليان رمزا يمثل اشياء اكبر منه بكثير. ويمكن تفسير رد الفعل الهستيري الذي رافق خطف الشرطة الاتحادية لايليان في جانب من جوانبه بهذه الهالة شبه الدينية التي رافقت وجوده في (هافانا الصغيرة) كانت هناك تظاهرات ليلية كل مساء وغناء كلما ظهر ايليان في فناء دار خاله, كما كانت نوبات حراسة ليلية تنظم كل ليلة والعديد انهاروا من التأثر حينما اخذته الشرطة, وما يعنيه ذلك هو ان العديدين من ابناء مجتمع هافانا الصغيرة وليس ايليان فقط اصيبوا بجروح نفسية عميقة تحتاج العلاج. وما اصبح واضحا على نحو متزايد كذلك فيما بدأت القصة تتوالى فصولها, هو ان الامريكيين الكوبيين ليسوا وحدهم من شعر بالاحباط, بل هناك غيرهم من الامريكيين ايضا الذين تفاقم شعورهم بالاحباط حيال الحياة السياسية للامريكيين الكوبيين, فكلما تصرف هؤلاء على انهم جالية منفيه تضاءل حجم التعاطف الذي يشعر به الامريكيون نحو قضيتهم. وتظهر استطلاعات الرأي الآن بأن غالبية الامريكيين الكوبيين يريدون لايليان ان يبقى في فلوريدا فيما ثلاثة ارباع الامريكيين الافارقة والبيض من غير الاصوال الاسبانية يريدون ان يعود لوالده, كما ان الغالبية الكبيرة من الامريكيين اعربت ايضا عن استيائها من سلوك الامريكيين الكوبيين ولأول مرة يريد معظم الامريكيين الآن وبنسبة 54 الى 31 ان تستعاد العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وكوبا كاسترو. ومن بين الحبكات الثانوية الاخرى في قصة إيليان, المعايير المزدوجة في قانون الهجرة الامريكي والذي رأى الكثيرون بأنه استغل في قضية ايليان اذ بسبب القوة السياسية للجالية الامريكية الكوبية والسياسات المعادية للشيوعية, يحصل الكوبيون الذين يصلون بالقوارب الى شواطىء فلوريدا على معاملة تختلف تماما عن غيرهم من اللاجئين. وقد قال احد اعضاء الكونجرس في اشارة واضحة منه (لو ان إيليان كان هاييتيا اسود وصل الشواطىء على اطار سيارة داخلي, لكان ارسل الى هاييتي على اول طائرة) . ان مجرد حقيقة ان اقاربه في ميامي رفعوا قضية حضانة ثم واتتهم الجرأة لأخذ توقيع طفل يبلغ من العمر ست سنوات على طلب اللجوء والبقاء في الولايات المتحدة تصيب بالصدمة. والاكثر ارباكا هو ان بعض القادة السياسيين يدعمون طلبه ذاك ودعوى اقاربه في ميامي. ويبدو ان (قيم العائلة) المدعومة من بعض السياسيين حين تصطدم مع السياسة المعادية لكاسترو من جانب مجموعة من ناخبين اقوياء فإن قيم العائلة هي الخاسرة. ان يعتبر صبي ابن ست سنوات مؤهلا ليتقدم بطلب لجوء ضد رغبة والده, ثم يكون ذلك هو ما يقوله محاموه وعائلته في ميامي وعدد من قادة مجلس النواب والشيوخ وما يتم المجادلة به حاليا في المحاكم لهو امر يتحدى القانون والمنطق معا. اما اقل الحبكات الثانوية اهمية في القصة فهي قضية استخدام وكالة الهجرة والتطبيع للقوة وبكلمات النائبة العامة جانيت رينو, (بهدف الحصول على الصبي سليما) من منزل اقاربه وهذه القضية كانت مسألة (رئيسية) في السجال الذي دار طوال الاسبوع الماضي. والمثير فعلا هو تزييف الحقائق الذي مارسه طرفا السجال للدفاع عن مواقفهما. اما العامة فكانوا منقسمين على السواء اذا عارض 49 في المئة استخدام القوة من جانب الشرطة الاتحادية فيما وافق 48 في المئة عليها وفي المقابل يقول اثنان مقابل واحد بأن سلوك عائلة ايليان في ميامي لم تترك امام الحكومة خيارا اخر للم شمل الصبي بوالده وهو هدف سانده 73 في المئة مقابل 16 في المئة. لكن المفاجأة هي ان الليبراليين وجماعات المدافعين عن حقوق المهاجرين الذين يعارضون عادة لجوء وكالة الهجرة والتطبيع للقوة وجدوا انفسهم يؤيدون اجراءات الحكومة. فيما المحافظون ودعاة (القوانين والنظام) ادانوا هذه الخطوة ووصفوها بأنها (عملية دولة بوليسية) وعلى سبيل المثال دافع محافظ نيويورك رودولف جولياني عن شرطته حينما اطلقوا 40 رصاصة على مهاجر افريقي اعزل. لكن في قضية ايليان انضم لمجموعات الجمهوريين مدينا ادارة كلينتون واستخدامها للقوة. لم تكن هذه الا بعضا من الحبكات الثانوية التي استغلت في قضية ايليان جونزاليس وفي النهاية وبعد ان ازيلت القشور اصبحنا مباشرة في مواجهة الحقيقة المأساوية لما مثلته قصة ايليان في المقام الاول. انه صبي صغير قامت امه بكل ما تعنيه الكلمة باختطافه لتصطحبه معها في رحلة تحفها المخاطر على متن طوف في بحار غادرة لتهرب الى الولايات المتحدة وفيما ماتت هي نجا هو. استغله الاعلام والسياسيون والجالية الامريكية الكوبية والحكومة الكوبية. طوال ستة اشهر تحول الى رمز ديني وسياسي للمعارضة لكن ما هو في الحقيقة إلا صبي صغير يحتاج أبا وعلاجا, ويحتاج لأن يبرأ من موت امه, ويحتاج لأن يتخلص من الاستغلال, بحيث يتمكن من استعادة ما تبقى له من طفولته.